علاقة القضاء بالسلطة في مصر: شموخ أو تسييس؟

علاقة القضاء بالسلطة في مصر: شموخ أو تسييس؟

حكمت المحكمة ببطلان توقيع ممثل الحكومة المصرية على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية الموقعة في أبريل الماضي. الاتفاقية التي تضمنت التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، مع ما ترتب على ذلك من آثار، خصوصاً استمرار هاتين الجزيرتين ضمن الإقليم البري المصري، وضمن حدود الدولة المصرية، واستمرار السيادة المصرية عليهما، وحظر تغيير وضعهما بأي شكل أو إجراء لمصلحة أي دولة.

بهذا الحكم المفاجئ، الذي أصدره المستشار يحيى دكروري أمس، ينهى جدلاً واسعاً حول أحقية مصر في الجزيرتين أو لا. ويفتح جدلاً جديداً قديماً حول علاقة القضاء المصري بالسلطة. هل هو قضاء مسيس كما يقول البعض أم ما زال شامخاً كما اعتقد المصريون لسنوات؟ 

القضاء والسلطة في مصر، علاقة معقدة

عقب تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي لمقاليد الحكم في مصر، بدا جلياً أن الهدف الأسمى أمامه هو القضاء نهائياً على جماعة الإخوان المسلمين، وهي الجماعة التي وصفت بحكم محكمة مصرية بأنها جماعة إرهابية.

أقوال جاهزة

شارك غردقرار المحكمة في قضية تيران وصنافير يفتح جدلا جديدا قديما حول علاقة القضاء المصري بالسلطة: هل هو قضاء مسيس أم لا؟

صدام السيسي مع الإخوان، لم يكن الأمن حاضراً فيه فحسب، بل كان القضاء بأطواره المختلفة مشتبكاً معه، بدءاً من النيابة، التي أصدرت قرارات بالحبس الاحتياطي لمئات من المنتمين لهذا التنظيم، انتهاء بالقضاء الذي أسهب في إصدار أحكام الإعدام بالجملة، حتى أنه في جلسة واحدة، أصدر أحد القضاة حكماً بإعدام 120 عضواً في جماعة الإخوان دفعة واحدة. وأصدر قاض آخر حكماً بالإعدام على 522 متهماً من الجماعة نفسها.


إجمالي أحكام الإعدامات التي تجاوزت الألف حكم، فضلاً عن عشرات آلاف المعارضين من المحبوسين احتياطاً والمسجونين بأحكام قضاء، هذه الأحكام ألقت بظلال من الشك لدى عدد من المهتمين بالشأن العام في مصر، حول موقف القضاء من الصراع الجاري. هل هو طرف أم حكم عدل؟

الأسئلة حول علاقة القضاء المصري بالسلطة لم تقتصر على المصريين، بل انتقلت إلى ساحات دولية، ما دفع كينيث روث مدير منظمة هيومن رايتس ووتش للتغريد على حسابه الشخصي متهماً الرئيس عبد الفتاح السيسي بالتلاعب بالقضاء.

السيسي كان له تصريح مربك لمحطة BBC بمناسبة زيارته الأولى للندن، حين قال: "الإخوان جزء من مصر وأحكام الإعدام لن تنفذ[/external_link]"، ما دعا الكثيرين للتساؤل إذا ما كان السيسي يتحكم في تنفيذ أحكام القضاء، أم هو تصريح عفوي ليس إلا؟

مع الوقت زادت دائرة الاشتباه في مصر، ولم يعد الإخوان فقط هم من يتعرضون للحبس الاحتياطى والسجن، بل شملت الدائرة رموزاً ثورية مثل علاء عبد الفتاح، أحمد ماهر، أحمد دومة. وهناك من قضى أوقاتاً طويلة قيد الحجز الاحتياطي مثل آيه حجازي، [/external_link]التي قاربت العامين حتى الآن، محجوزة احتياطياً إثر اتهامها بتشكيل تنظيم سري من أطفال الشوارع. 

الصدام أو لنقل الرغبة في إحكام السيطرة على الوضع في مصر لم تتوقف على الساسة والنشطاء، بل امتدت لتشمل الصحافة، التي لطالما اشتكى الرئيس المصري منها قائلاً: "ميصحش كده أنا بعد كده هشتكيكو للشعب".


تزامن مع شكوى السيسي من الإعلام، توسع في قرارات "حظر النشر" الصادرة من النائب العام، وبات عدد القضايا المحظور النشر عنها أو الحديث فيها، كبيراً جداً ما دفع كثيراً من الصحفيين للتعبير على صفحاتهم الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي عن غضبهم من تلك القرارات الصادرة من النائب العام، مناشدينه أن يدعم حرية الصحافة.

وفي أبريل الماضي، وقعت الحكومة المصرية اتفاقية مع السعودية لإعادة ترسيم الحدود، التي بموجبها تسلم مصر جزيرتي تيران وصنافير للمملكة. أثارت الاتفاقية غضباً لدى قطاع واسع من المصريين، وأنتجت تظاهرات منددة بالتوقيع، ومتهمة الرئيس بالتفريط في الأراضي المصرية.

وللسيطرة على الوضع، ألقي القبض على كثيرين، وأصدرت المحاكم أحكاماً بالحبس خمس سنوات على عدد من المتظاهرين. كما قررت كفالات مالية وصلت إلى 100 ألف لكل محجوز، بإجمالي 4.7 ملايين جنيه مصري، في سابقة هي الأولى في تاريخ المحاكم المصرية، لتزيد من شكوك المشككين حول طبيعة علاقة السلطة القضائية بالسلطة التنفيذية في مصر، وسط تأكيدات آخرين أن القضاء المصري لم يتورط ولن يتورط في السياسية.


المدهش أن المحامي الحقوقي مالك عادلي الذي قرر أن يسلك المسلك القانوني برفع قضية ضد هذة القضية، معترضاً على تسليم الجزر، ألقي القبض عليه هو الآخر، وهو حتى الآن في الحبس الانفرادي، وذلك يخالف لوائح السجون.

وسط هذة الشكوك والظنون، يظهر المستشار يحيى دكروري ليصدر حكمه بأحقية مصر في الجزر، وبطلان توقيع الحكومة على هذه الاتفاقية.


أثار قرار دكروري موجة من السعادة بين المصريين، لكن هناك من أبدى قلقه وريبته، متسائلاً: "هل فعلاً هذا الحكم حقيقي أم مناورة من الحكومة، هل دكروري حقاً قاض مستقل أو أن ما يحدث هو سيناريو متفق عليه سلفاً؟

الشكوك، وإن بدت قاسية، أو حتى متطاولة على القاضي الذي أصدر الحكم، تعكس مخاوف بين المصريين وشكوكاً قد تكون مبررة عن مدى استقلالية قضائهم، الذي لطالما لقبوه بالشامخ.

ماجد عاطف

صحافي مصري عمل مراسلاً لمجلة نيوزيويك، ويعمل الآن مراسلاً لموقع Buzzfeed الأمريكي.

التعليقات

المقال التالي