محاولات طمس الحضارة العراقية مستمرة: هل تصبح بابل "مدينة الإمام الحسن"؟

محاولات طمس الحضارة العراقية مستمرة: هل تصبح بابل "مدينة الإمام الحسن"؟

مدينة بابل التي أنشأها حمورابي في العام 2100 قبل الميلاد، تلك المدينة التاريخية التي تحمل اسم "باب الله"، مدينة الجنائن المعلقة التي تُعدّ من عجائب الدنيا والوارد اسمها في الكتب المقدسة، ستحمل اسماً جديداً "مدينة الإمام الحسن عليه السلام"؟ الأمر لم يُحسم بعد، لكن هذه هي الخطة التي تسعى اللجان التحضيرية في العتبتين الحسينية والعباسية لإطلاقها، في سبيل تغيير اسم المدينة، وذلك أثناء فعاليات المهرجان السنوي المركزي الذي تنظمه بالنسخة التاسعة.

الدعوة لتغيير اسم محافظة بابل ليست جديدة، لكنها تأخذ زخماً في الوقت الحالي في ظلّ تصاعد الصراع الديني/ المذهبي، على حساب أي قيمة حضارية وتاريخية. تفسّر لجان العتبتين دعوتها في سياق "تكريم المدينة بناء على الكرم الذي عرف به أبناؤها، واستقبالهم للملايين الزاحفة من مختلف أصقاع العالم لزيارة الإمام الحسين، باعتبار محافظة بابل البوابة الرئيسة باتجاه محافظة كربلاء". وتنطلق في المؤتمر الذي يحمل عنوان "رد الشمس"، حيث تستقبل المدينة وفوداً رسمية محلية وإقليمية، احتفاءً بولادة "كريم أهل البيت الإمام الحسن عليه السلام".

ويثير هذا التغيير مخاوف عدة في ظل الخطر الذي يتهدد هوية العديد من الآثار الحضارية، إما بسبب الحرب المباشرة في محيطها، وتدمير بعض معالمها، وإما بسبب تنامي التطرف الديني الذي يريد طمس تاريخ تلك الحضارات، بدءاً من أسمائها.

وعليه عبّر العديد من الناشطين عن غضبهم من هذه الخطوة، التي تنمّ عن "جهل من يسعى لتثبيتها"، مذكرين بأن المحافظة موجودة منذ آلاف السنين ولم يفكر أحد في تغيير اسمها، ولافتين إلى أن اسمها ورد حتى في القرآن الكريم. ودشّن هؤلاء حملة "اسمي بابل" على مواقع التواصل الاجتماعي، لاقت إقبالاً واسعاً للتنديد بـ"محاولة طمس الحضارة العراقية وتعميق الصراعات والنزاعات الطائفية"، في وقت دعوا إلى التضامن الواسع من أجل الضغط في سبيل وقف هذا "التشويه الخطير".

أقوال جاهزة

شارك غردمخاوف من تغيير اسم "مدينة بابل" التاريخية إلى "مدينة الإمام الحسن"...

وكتب غيث التميمي على حسابه على فيسبوك قائلاً "لم يكتفوا بسرقة حاضرنا ومستقبلنا باسم الدين، وها هم يسعون لسرقة ماضينا وبقايا مجدنا باسمه أيضاً"، فيما علق الإعلامي عامر الكبيسي بالقول "رب العالمين في كتابه لم يغير اسم بابل، ويأتي جهلة شذاذ الآفاق يريدون تغيير اسمها". وذكر آخرون بالآية القائلة "وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت"، فيما أسف آخرون على تلك "المدينة التي يفتخر بها العالم والكهنة يريدون تغيير اسمها".

واستعاد البعض ذكرى تدمير الثور المجنح، رمز الحضارة الآشورية، العام الماضي، وأسفوا بالقول "داعش دمرت الثور المجنح، واليوم الثيران تنقض على ما تبقى من تاريخ العراق"، فيما هدد بعودة تلك الثيران المجنحة "لترفسكم إلى مزابل التاريخ".

وبدا التفاعل كبيراً على موقعي فيسبوك وتويتر تحت العنوان نفسه "اسمي بابل"، ونشر المشاركون صوراً ومقاطع فيديو تستعيد جمال وتاريخ المدينة، وفي وقت طالب البعض بإطلاق حملة مضادة لاستعادة الأسماء الحقيقية لمدن حضارة وادي الرافدين، التي جرى تشويهها سابقاً: ومنها الموصل التي كانت تعرف بنينوى، وصلاح الدين بتكريت، والناصرية بسومر، والسماوة بأكد، والديوانية (القادسية) بكلكامش. ودعا هؤلاء إلى البحث أكثر في تاريخ تلك المدن التي تم تشويه حضارتها وطمس تاريخها.

وعلى تويتر تكلم كثيرون باسم "أول مدينة في العالم"، وتحدثوا باستهزاء عن تلك الخطوة، أما الأكثر مشاركة فكان صور المدينة القديمة بعظمتها وبهاء هندستها. واستذكر البعض تاريخها الحديث منذ مقاومتها للاستعمار البريطاني في العشرينات، ثم ثوراتها المتتالية، وصولاً إلى مقاومة الاحتلال الأميركي، واعتبروا أنها بمثابة شوكة في حلق المخططات الاستعمارية، وقد شيطنها كثر.

في وقت لاحق، خرجت لجان العتبتين لتتراجع عن دعوتها، موضحة أنها ستشارك في احتفاليات ولادة الإمام الحسن، من دون أن تشير إلى موضوع تغيير الاسم.

أياً تكن النتيجة، فإن خطوة مماثلة، أو حتى الدعوة لها، لا يمكن أن تندرج إلا في ذلك السياق الخطير المتصاعد ليهدّد كل تلك الأوجه الجميلة في منطقة تبتلعها الصراعات.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيد عن التجاذبات السياسية القائمة.

كلمات مفتاحية
العراق

التعليقات

المقال التالي