المسيحيون في حمص ومواقفهم من الثورة والنظام

المسيحيون في حمص ومواقفهم من الثورة والنظام

لقّبوها بـ"قلب الثورة" بعدما انطلقت منها شرارات ألهبت قلوب الملايين وشجعتهم على الالتحاق بالثورة. كان لها معنى خاص لدى أهل سوريا أجمعين. كانت مثالاً عن الثورة المدنية حين خرج أبناء حمص يهتفون: لبيك يا درعا بعد أيام قليلة من الاعتداء على أبنائها.

مجازر واعتصام الساحة

عند ذكر انتفاضة مدينة حمص، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن اعتصام الساعة في 18 أبريل 2011، الذي شكّل مثالاً عن الحالة المجتمعية في البلد آنذاك. وقبل الحديث عن ذاك الاعتصام ومجرياته لا بد من الحديث عن أسباب الاعتصام.

في 17 أبريل 2011 خرجت تظاهرات حاشدة في المدينة وريفها، وقد جابهتها قوات النظام بالرصاص مما أدى إلى وقوع مجازر عدّة. ويقدر عدد الضحايا في تلك المناسبة بسبعة شهداء قرر أهاليهم أن يصلّوا عليهم في الجامع الكبير ومن ثم دفنهم في مقبرة تل النصر شمال شرق المدينة.

وكان لا بد للمشيّعين من المرور بعدة أحياء ذات وجود كثيف للمسيحيين فيها، منها باب السباع والحميدية وبستان الديوان للوصول إلى المقبرة. وشهدت هذه الأحياء تضامناً من المسيحيين مع المشيعين إذ نثروا الأرز فوق رؤوسهم ووزعوا الماء البارد عليهم، كما انضم عدد من شباب الحي إليهم.

هكذا، دفنوا الشهداء وتوجهوا معاً إلى ساحة الساعة الجديدة التي كان محظوراً الاقتراب منها، وبدأ الاعتصام بمجموعة من وجهاء حمص ونشطائها وشيوخها وكهنتها. والجدير بالذكر أن من قام بإنارة الساحة هو رجل مسيحي يدعى "أبو جورج" تبرّع بذلك دعماً للثورة.

أقوال جاهزة

شارك غردفي الأحياء العلوية وقفوا مع النظام وفي الأحياء السنّية وقف جزء كبير منهم مع الثورة؟ ما هي قصة مسيحيي حمص؟

شارك غردقصة ميليشيا أسود الوادي المسيحية في حمص وقصة مسيحيي حمص مع الثورة السورية

من هنا كانت بوابة دخول المسيحيين إلى الثورة، وحتى الآن لم يخرجوا منها بشكل كامل. وقد تتالت المواقف التي برز فيها وجود العنصر المسيحي في الثورة السورية، ولعب دور صمام الأمان في أكثر من منطقة مما ساعد على حفظ أرواح العديد من المدنيين.

مسيحيو حمص

بحسب إحصاءات غير رسمية، يُقدّر عدد المسيحيين في حمص المدينة بقرابة 100 ألف، بينما ينتشر في أرياف حمص قرابة 150 ألفاً. وتتنوع طوائفهم وأهمها: طائفة الروم الأرثوذكس (وهم الأكثر عدداً)، السريان الأرثوذكس، الروم الكاثوليك، اللاتين، البروتستانت، الموارنة، السريان الكاثوليك، والأرمن الذين ينقسمون إلى أرمن أرثوذكس وأرمن كاثوليك وأرمن بروتستانت.

ويتوزع المسيحيون في حمص المدينة على أحياء رئيسية يتشاركون سكنها مع باقي مكونات المدينة دون وجود أحياء مسيحية صافية 100%. ومن الأحياء ذات الوجود المسيحي الكبير الحميدية وبستان الديوان بالإضافة إلى المحطة وباب سباع. ومسيحيو حمص هم من سكان المدينة الأصليين ومعظم العائلات يعود وجودها إلى مئات السنين.

الموقف من الثورة

مع تنوّع مرجعيات الطوائف المسيحية إلا أنهم بعد الثورة انقسموا ليصبحوا ضمن ثلاث فئات، إما مع الثورة أو مع النظام، أو محايدين لا يدعمون أي طرف ويحاولون البقاء أحياء.

وكانت نسبة المسيحيين المشاركة في الثورة لا بأس بها، فشاركوا في التظاهرات في باب السباع وباب الدريب والإنشاءات والوعر وغيرها من المناطق، كذلك في تظاهرات الريف. كما كانت هنالك مشاركة مسيحية في تظاهرات تلبيسة والرستن.

إلا أن المسيحيين في المناطق العلوية التي انزاحت بغالبيتها نحو النظام لم يقوموا بأيّ حراك مع الثورة، وبالتالي يمكن القول إن غالبية المسيحيين انزاحوا بحسب طبيعة منطقتهم والحاضنة الموجودة فيها.

عندما ارتفع صوت السلاح في نهاية عام 2012، بدأ العنف يزداد وبدأت الثورة تتوجه نحو فكرة التحرير والتطهير، وهنا ضعف الوجود المسيحي ضمن الحراك الثوري، بينما ازداد ضمن صفوف النظام، إذ دأب النظام على تجنيد المسيحيين ضمن صفوف قواته تحت مسميات مختلفة، منها الطائفي البحت مثل (قوات أسود الوادي) ومنها تحت غطاء وطني مثل ميليشيات الدفاع الوطني. وكانت بداية هذه التشكيلات بهدف حماية الأحياء المسيحية تحت مبدأ الحماية الشعبية لتتحول لاحقاً إلى ذراع عسكرية مباشرة للنظام.

وقد لعب دور هام في هذا التجنيد رجال الأعمال المسيحيين المقربين من النظام مثل بشر يازجي الذي شكّل ميليشيا كبيرة في وادي النصارى بريف حمص مركزها مرمريتا تحت اسم أسود الوادي، كما التحق البعض الآخر بصفوف الحزب القومي السوري بجناحه العسكري.

لا يتعدّى عدد المقاتلين في صفوف مجموعة "أسود الوادي" بضع مئات وخبرتهم القتالية ليست كبيرة، وقد تلقّوا تدريباتهم على يد الجيش السوري النظامي، وليس بإمكانهم القيام بعمليات هجومية.

قصة أمشرشوح

في ريف حمص الشمالي قرية صغيرة يقارب تعداد أبنائها الـ1000 نسمة وهي مسيحية في محيط سني منتفض خارج عن سيطرة النظام تُدعى قرية امشرشوح وتقع بين الرستن وتلبيسة.

وقد تحررت القرية من سلطة النظام عند خروج الريف الشمالي من قبضة النظام عام 2012، وبقي سكانها متعايشين مع محيطهم دون أيّة مشاكل او اعتداءات. إلا أن النظام دخل القرية كونها تتمتع بتماس مع ثكنة جبورين العسكرية، واستخدم موقع الكنيسة المرتفع ليضع فيه آلياته العسكرية من دبابات ومدافع واستخدمها في قصف المناطق الثائرة المحيطة بها، وهنا أصبحت القرية نقطة اشتباك أدت إلى تهجير أهلها منها.

سقوط بابا عمرو

كان سقوط بابا عمرو نقطة هامة في تاريخ الثورة، فهي أول منطقة تستعصي عسكرياً ضد النظام، وكانت أول منطقة يقصفها النظام بالصواريخ. وبعد 18 يوماً من القصف العشوائي المتواصل، استطاع النظام دخولها في الأول من مارس 2012.

وقام بعدها مقاتلو المعارضة الخارجين من بابا عمرو بالإضافة إلى مقاتلين من الخالدية والبياضة بالسيطرة على مناطق الحميدية وبستان الديوان وهي أحياء ذات غالبية مسيحية.

والجدير بالذكر أنه لم تجرِ أيّة عمليات تصفية أو انتقام من أهالي الحي. على العكس، وبحسب شهادات متقاطعة من أهالي الحي، كانت هناك حالة من الراحة في التعامل بين المقاتلين وأهالي الحي الذين فضّل الكثير منهم البقاء في الحي فيما تم تأمين مَن يرغب بالخروج عن طريق سيارات تابعة للمقاتلين عبر الخالدية والبياضة ثم تلبيسة ليبلغوا الطريق الدولي.

صدمة المسيحيين من الأسلمة

بعد نهاية عام 2013، وبالأخص بعد إعلان تنظيم جبهة النصرة مبايعته لتنظيم القاعدة وارتفاع أسماء الفصائل الإسلامية وقدوم العديد من المقاتلين الأجانب (المهاجرين) للقتال واستقرارهم في الأراضي السورية في المناطق الثائرة، تشكّلت صدمة أدّت إلى ابتعاد الكثير من المسيحيين الموالين للثورة عنها كما حصل مع غيرهم من المسلمين أيضاً.

كما كان لتحكيم المحاكم الشرعية في المناطق المحررة بأمور الناس دور في إبعاد المسيحيين عن هذه المناطق وتخوّفهم من استمرار هذه الظاهرة لما بعد الثورة، ما يعني أنهم لن يجدوا أنفسهم في بيئة تسودها مبادئ العدل والمساواة ودستور عادل، مع العلم أن أغلب المسيحيين المعارضين كانوا ينشدون دستوراً مدنياً ودولة قائمة على المواطنة المتساوية.

كذلك كانت لاغتيال الأب فرانس فاندارلاخت في حمص القديمة آثار سلبية جداً على موقف المسيحيين. فالأب فرانس هو الأب اليسوعي الذي بقي في حمص القديمة مع الثوار والمدنيين مفضلاً البقاء تحت الحصار ضمن الكنيسة لمساعدة المحاصرين هناك، وكان يحاول إدخال كميات قليلة من الطعام إلى الحي عبر علاقاته وسلطته الكنسية. إلا أنه قرابة الساعة 09:30 صباحاً من يوم الاثنين 7 أبريل 2014 اغتيل داخل الكنيسة التي كان يقيم بها في حي الحميدية.

ومن خلال معلومات خاصة تبيّن أن مَن قام بعملية الاغتيال هو أحد المحاصرين الذين تولوا عملية تسوية مع الجيش التابع للنظام ليقوم باغتياله بطلب من الضباط الموجودين حول منطقة الحصار مقابل أن يوفّروا له الخروج الآمن من المنطقة.

وبرغم كل ذلك، بقيت العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في المدينة جيدة، والدليل أنه عندما قامت اللجان الشعبية (الشبيحة) في أحياء النزهة والزهرة والأرمن بتهجير المكون السنّي وطرده خارج مناطقه، قام أصحاب البيوت من السنّة بتسليم مفاتيح بيوتهم إلى كنيسة "أم النور" في الحي وإلى مطرانية الروم الأرثوذوكس في حي المحطة، لتقوم الكنيسة بتوزيع البيوت على المسيحيين المحتاجين والمهجرين.

وكان عدد هذه البيوت يفوق الـ3000 منزل سكنت فيها آلاف العائلات التي خرجت من أحياء الحميدية وبستان الديوان بعد دخول الثوار إليها، وكانت تُقدم هذه البيوت دون أي مقابل مادي أو معنوي، ولا تزال العائلات المسيحية تسكن هذه البيوت إلى اليوم.

ميزات للمسيحيين

عمل النظام على منح تسهيلات وميزات للمسيحيين في حمص كما في غيرها من المحافظات لتكوين جسم طائفي عسكري. فقام بإنشاء مكتب للدفاع الوطني في حي الأرمن يختص بتجنيد الشباب المسيحي، واستلمه أشخاص من عوائل الكهنة في الحي لإعطائه صبغة طائفية بحتة.

وكانت من الميزات المعطاة أن مَن يتطوع في هذا المكتب يُعفى من الخدمة العسكرية الإلزامية، فبادر الشباب للانتساب إليه لكي يبقوا في مدينتهم واحيائهم بدل أن يتوزعوا بين مدن أخرى ويقاتلوا فيها.

ومع إعادة سيطرة النظام على حمص القديمة، أمر النظام بإعادة ترميم الكنائس فيها، في خطوة منه لتجميل صورته أمام الغرب، متناسياً أنه هو من قام بتدميرها عبر قصفه للمحاصرين، ومتناسياً أيضاً آلاف الجوامع التي دمرها خلال خمس سنوات من الثورة. فقد سمح للمسيحيين بالعودة إلى أحيائهم ليُظهر نفسه على أنه حامي الأقليات، بينما بقي يمنع المسلمين من العودة إلى أحيائهم في بابا عمرو والقصير وغيرها من المناطق.

لم تحظَ فكرة الهجرة باهتمام كبير في سنوات الثورة الأولى، إذ توجه معظم الأشخاص نحو الأرياف أو نحو مشتى الحلو ووادي النصارى، على عكس ما قام به مسيحيو منطقة الجزيرة من هجرة إلى أوروبا.

لكن وفي السنة الرابعة للثورة، صيف 2015 اجتاحت حمص كما غيرها من المدن موجة كبيرة من الهجرة لعدة اسباب، كان أهمها قانون السحب الإجباري للتجنيد الاحتياطي في صفوف الجيش. فقرّر الشباب الذين أنهوا دراستهم الجامعية، مع عائلاتهم، الهجرة لعدم رغبتهم في حمل السلاح والانخراط في العمليات القتالية.

حالياً، لا يزال المسيحيون ينقسمون على نفسهم كما غيرهم من الطوائف، فهم ليسوا تابعين لمرجعية واحدة، خاصةً أن المرجعية الدينية فقدت ثقة الشارع بعد العديد من المواقف التي اتخذتها وأحدثت هوّة بين الشعب ورجال الدين. فمثلاً، تم عزل بعض الكهنة بسبب اختلاسهم أموال من التبرعات الكنسية للمتضررين والمهجرين. كل ذلك شتت المسيحيين وجعلهم بلا قيادة دينية ولا سياسيّة.

يسعى المسيحيون الآن كما غيرهم من المكوّنات للوصول إلى حل. ولربما أدرك بعضهم أن خيار الهجرة هو الأفضل له لأنه لا النظام قادر على تأمين الأمان وسبل الحياة الرئيسية، ولا الثورة قادرة على الانتصار في المدى المنظور. وكونهم لم يكونوا جزءاً فعالاً في الصراع الدائر، باتوا الحلقة الأضعف ولا يمتلكون القدرة على التأثير على مجريات الأمور.

التعليقات

المقال التالي