هل أصبحت الأمم المتحدة طرفاً في النزاع السوري... لمصلحة النظام؟

هل أصبحت الأمم المتحدة طرفاً في النزاع السوري... لمصلحة النظام؟

"يتقاضى بان كي مون 35 ألف دولار ليقوم بالمهمة الأسهل في العالم وهي: القلق". في التهكم الرائج عند كل مناسبة يخرج فيها الأمين العام للأمم المتحدة ليعبر عن قلقه بشأن تدهور الأحداث في إحدى البلدان مبالغة، وهذا أكيد، لكن هل ما تقوم به الأمم المتحدة، وعلى رأسها بان، كافٍ في ظلّ تأزم الصراعات في سوريا والعراق وليبيا وأفغانستان وغيرها؟

في وقت سابق أجابت صحيفة "نيويورك تايمز" في تحقيق مطول بالنفي عن هذا السؤال، ومثلها فعلت صحف ومراكز أبحاث عدة نقلاً عن مسؤولين وموظفين سابقين.

وبين الفينة والأخرى، يخرج موظفون بشهادات سابقة ليكشفوا كواليس ما يدور في ذلك المبنى العريق في نيويورك، حيث تلك المؤسسة العالمية التي تتولى مسؤولية معالجة الصراعات في العالم، تُتهم بالفشل في مناطق عديدة، لمسؤولية مباشرة في أدائها أو لقصر يدها في الضغط على تلك الأمم التي لم تعد متحدة.

الكل متفق على أن الصراع السوري هو الأخطر والأكثر تعقيداً في عصرنا الحديث. أما واقع تقصير الأمم المتحدة أو فشلها في التعامل معه، فبات مثار نقد منظمات ومسؤولين كثر على صلة مباشرة أو غير مباشرة بالملف، فيما يشدد الناس العاديون، ممن لا يفرقون بين منظمات الأمم المتحدة الإنسانية وبين أذرعها السياسية، على فشل "الأمم"، كما اعتادوا تسميتها.

أياً يكن، فثمة ما يشبه الإجماع على هذا الواقع. ووسط تلك الصورة السلبية التي تلاحق أداء الأمم المتحدة، لا سيما في سوريا، يأتي تقرير "حملة سوريا" أو "The Syrian Campaign"، عبر صفحاته الخمسين ليؤكد هذه الصورة، لا بل يزيدها سوداوية. ليس الفشل ناجماً وحده عن محدودية قدرة الأمم المتحدة على التأثير، بل عن عدم حياديتها وتلاعبها في هذه الساحة، وذلك بحسب الأرقام المفصلة التي عملت عليها 55 منظمة غير حكومية وحملتها في رسالة إلى بان كي مون مطالبة إياه برسم "خطوط حمراء" للمنظمة.

في التقرير، الذي يتصدره شعار الأمم المتحدة ملطخاً بلون الدماء الأحمر بدل أزرقه الأصلي، اتهمت الحملة الأمم المتحدة بفقدان نزاهتها واستقلالها وحياديتها في سوريا لمصلحة النظام السوري، ويتجلى ذلك في مواقف عدة. بحسب التقرير، أذعنت الأمم المتحدة للنظام في صوغ وثائق إستراتيجية، في وقت كانت المساعدات التي تتولى توزيعها تنقسم بشكل غير عادل، إذ تخصص 88% منها للمناطق الخاضعة لسيطرة النظام. وفي الإطار ذكّر التقرير بحجم الجرائم التي يرتكبها الأخير، مقارنة بالأطراف الأخرى المقاتلة على الساحة السورية.

كذلك يُذكّر التقرير بأن النظام استخدم ورقة سحب التأشيرات وإجازات العمل من الأجانب أفراداً ومنظمات على الأراضي السورية، وعليه كان مفهوماً حرص الأمم المتحدة على التعاون مع الجهات الحكومية لضمان وجودها على أرض المعركة. لكن الخطأ الذي حصل، بحسب التقرير، هو عدم توحد هيئات الأمم المتحدة لرسم خطوط حمر أو وضع شروط للتعاون مع النظام.

هذا الأمر لم ينعكس فقط تقصيراً في دعم المدنيين السوريين على الأراضي السورية، بل كان له مفعول عكسي على أولئك غير التابعين لسلطة النظام. اليوم، بحسب ما يأتي في مقدمة التقرير، لا يمكن أن تقدم الأمم المتحدة أي مساعدة من دون التنسيق مع النظام، وهذا الأمر كان بمثابة ورقة "فيتو" في يد الأخير للتحكم بمصير المدنيين الذين يعتبرهم في خانة العداوة.

في أبريل العام 2016، وصلت 88% من المساعدات إلى المناطق الخاضعة للنظام، و12% فقط إلى مناطق خارج سيطرته. وفي أغسطس العام 2015، كان النظام يسيطر على 99% من تلك المساعدات، وكان ثمة أقل من 1% من المساعدات الغذائية تصل إلى المناطق المحاصرة شهرياً. ويتهم التقرير الأمم المتحدة بالرضوخ للنظام في تسمية المناطق المحاصرة بـ"المناطق صعبة الوصول"، مع العلم أن هذين التصنيفين يختلف التعامل معهما بحسب القوانين الإجرائية داخل الأمم المتحدة.

ومع فشل الأمم المتحدة في رسم خطوط حمراء لعملها على الأراضي السورية، ضعفت قدراتها التفاوضية مع النظام. الحكومة السورية تدرك أن لا عقوبات ستطالها لتجاهل المناطق غير الخاضعة لسيطرتها، وأنها ستستمر بتلقي مليارات الدولارات من المساعدات من الأمم المتحدة على الرغم من ذلك. وهذا هو السبب الرئيسي الذي يتسبب بفشل المفاوضات، ففي العام 2015 تجاهلت الحكومة أكثر من 75% من طلبات الأمم المتحدة للتفاوض.

وأشارت "حملة سوريا"، ومن ضمنها منظمات عدة كـ"الخوذ البيضاء" و"بسمة وزيتونة" و"كش ملك" و"بدائل" و"سوريا بيتنا" و"الشبكة السورية لحقوق الإنسان" و"الدفاع المدني السوري" و"النساء الآن من أجل التنمية" وغيرها، إلى أن الأمم المتحدة فشلت بشكل منهجي في تصنيف المناطق المحاصرة وتعريفها. واستعرضت الحملة الحجج التي اعتادت الأمم المتحدة سوقها في معرض الدفاع عن أدائها، ومنها الحرص على سلامة العاملين معها أو الجانب الأمني بشكل عام، لتقول في تقريرها إن هذا الجانب ليس الهدف الأساسي في قوانين الأمم المتحدة. وتسوق هنا مثالاً عن تذرّع الأمم المتحدة بعدم إيصال المساعدات لبعض المناطق بالجانب الأمني، في حين أن العاملين معها كانوا يمرون بتلك المناطق في أثناء توجههم إلى مناطق خاضعة لسيطرة النظام.

وفي تصعيد إضافي، أشارت هذه المنظمات إلى أن أداء الأمم المتحدة ينتهك المعايير الإنسانية للمنظمة الدولية، ويهدّد بجعلها طرفاً في النزاع، ما دامت لم تأخذ المبادرة بتحديد شروط جديدة للتعاون مع النظام السوري.

ويأتي التقرير، الذي يسوق الكثير من الأرقام والمعطيات، بعد إجراء نحو خمسين مقابلة مع عاملين وعاملات في المجال الإنساني، إضافة إلى مسؤولين حاليين وسابقين كانوا جزءاً من عمليات الإغاثة، انطلاقاً من العاصمة دمشق وفي دول مجاورة.

علماً أن الأمم المتحدة تقدر عدد العالقين في 18 منطقة محاصرة بـ500 ألف سوري، فيما يعترف مسؤولون من الأمم المتحدة برفض النظام دخول المساعدات الضرورية للمناطق المحاصرة أو بالضغط على العاملين في المنظمة الدولية، لكن ذلك يبقى خجولاً مقابل كل تلك التفاصيل، الوصفية والكمية، التي كشفها التقرير. وينتظر التقرير رداً من الأمم المتحدة على ما جاء في فصوله، رداً قد لا يمكن التعويل عليه كثيراً إذا ما راجعنا أداء المنظمة وتفاعلها في محطات سابقة.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي