عملية تل أبيب... لماذا الخوف من انتقادها؟

عملية تل أبيب... لماذا الخوف من انتقادها؟
جندي إسرائيلي خلال عملية تفتيش في بلدة يطا بحثاً عن أدلة متعلقة بعملية تل أبيب

لا يزال العرب يتعاطون بمنطق مفرط في عاطفيته مع كل ما له علاقة بالقضية الفلسطينية، وخاصة مع الشقّ "الفدائي" منها. وهذا مفهوم نوعاً ما. فقضية فلسطين تفضح عجز العرب التاريخي عن القيام بخطوات فعالة. وهي لا تفضح فقط الأنظمة العربية بل تفضح أيضاً عجز الجماهير العربية.

صار دارجاً حالياً أن يُقال مع كل عملية "فدائية" فلسطينية أن الفلسطينيين أدرى بشؤونهم، وهي الصيغة السحرية التي اكتشفها البعض لعدم التعليق على الأحداث. واللطيف في الأمر أن معظم هؤلاء جزء من السجال الذي قسّم الفلسطينيين على خلفية دعم فصيل من هنا وفصيل من هنالك بحسب موقعه من الانقسامات الإقليمية التي تحرّكها دول تمتلك المال والسلاح.

حسناً. فليكن. ولكن من الواضح أن هذه الصيغة السحرية ما هي إلا آلية نفسية لعدم الشعور بالعجز واللاجدوى، بل قل لعدم الشعور بالمسؤولية.

ـ 1 ـ

محمد أحمد موسى مخامرة وخالد محمد موسى مخامرة شابان فلسطينيان من الخليل، ابنا عم في العشرين من العمر، يرتديان ملابسهما ويذهبان ليتناولا الطعام في مجمع مقاهي ومطاعم "شارونا"، وسط تل أبيب. ولكن فجأة ينقلب المشهد. يسحبان أسلحة نارية ويبدآن بإطلاق النار فيقتلان أربعة أشخاص ويجرحان آخرين.

الشابان هما إبنا بلدة يطا جنوب الخليل. ومَن يتابع أخبار فلسطين سيعرف بالتأكيد ما عاناه أبناء الخليل مؤخراً من تضييق ومن اقتحامات دورية لمنازلهم بعد بدء "انتفاضة السكاكين"، وسيعرف بماذا يشعر أبناء تلك المناطق حيال الذلّ الذي يفرضه عليهم الإسرائيليون.

أقوال جاهزة

شارك غردهنالك قضية أخلاقية حقيقية تطرح هنا: هل يجوز الانتقام من مدنيين بسبب سياسات حكوماتهم؟

شارك غردهل يحق لأشخاص منفردين، أو حتى لحركات مقاومة، أن تقوم بأفعال ذات انعكاسات سلبية​ على مئات آلاف الفلسطينيين؟

ومن المفيد أن نعرف أنه، منذ أكتوبر الماضي، تاريخ بدء "انتفاضة السكاكين"، قتل الإسرائيليون 205 فلسطينيين بالرصاص، بعضهم أُعدم بشكل بشع.

وهذان الشابان هما أيضاً فلسطينيان مرّت سبعون سنة على معاناتهما التي لم تنتهِ وتراكمت فصولها جيلاً بعد آخر، فيما إسرائيل تواصل رفض حلّ الدولتين وتستمر في دعم مستوطنين من عتاة اليمين العنصري لسرقة المزيد من أراضي الفلسطينيين والاعتداء عليهم أيضاً.

دوافع شاب فلسطيني لارتكاب عملية انتقامية تهدف إلى أذية الإسرائيليين برغم تيقّنه من أنها ستودي بحياته مفهومة. تلتقي كلها في اليأس الذي ولّدته سياسات إسرائيل على مدى عقود في أوساط الفلسطينيين حتى صار شبابهم غير آبه لاستمرار حياته. فهو يرى أنه ميت في الحياة.

ولكن تفهّم الدوافع شيء والموقف من فعل ما شيء آخر.

ـ 2 ـ

في أي ظرف سياسي أتت العملية؟

في أبريل الماضي، أطلقت فرنسا مبادرة لتحريك مسار التفاوض بين الإسرائيليين والفلسطينيين. الطرح الفرنسي يقول إن الوضع العقيم للمفاوضات لا يمكن أن يستمر وبالتالي يجب أن تُطلق مفاوضات تحت راية دولية تؤدي إلى حلّ الدولتين. والجديد في المبادرة الفرنسية هو أنها تطرح فكرة السقف الزمني للمفاوضات، وهذا يعني اعترافاً دولياً بأن إسرائيل شاركت في جولات التفاوض السابقة لمجرّد التفاوض وتقطيع الوقت.

بطبيعة الحال، استنفرت إسرائيل أدواتها الديبلوماسية لإجهاض المبادرة الفرنسية، فرفعت شعار المفاوضات المباشرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وهي دائماً تقول إن الحل النهائي يجب أن يراعي متطلبات أمن إسرائيل.

ونجحت إسرائيل إلى حد بعيد في امتصاص الزخم الفرنسي للمبادرة المذكورة، مستغلة "هفوة" للديبلوماسية الفرنسية في منظمة اليونيسكو. وهذا ما عكسه البيان الختامي لوزراء خارجية 30 دولة اجتمعوا في باريس في بداية الشهر الجاري بعموميته الشديدة.

ولكن اللقاء المذكور هو خطوة ضمن خطوات تحاول ترويض إسرائيل. والخطوات الأخرى تبدأ من المقاطعة الأوروبية لاقتصاد المستوطنات ولا تنتهي بخطاب أميركي صار يردّد بصراحة أن زيادة الاستيطان هي عقبة أمام أيّة تسوية سياسية. والخطوة المنتظرة هي إصدار الرباعية الدولية تقريرها الجديد والذي من المنتظر أن يشكّل مضمونه ضغطاً إضافياً على إسرائيل.

عملية تل أبيب أراحت إسرائيل كثيراً. هي الآن تستطيع الصراخ في وجه الجميع والقول إن الأولوية هي لأمن الإسرائيليين ولا أظنّ أن أحداً سيمتلك الجرأة للقول لها: كفي عن ادعاءاتك الكاذبة وعن اختلاق الأعذار. عذر إسرائيل صار معها الآن.

ـ 3 ـ

بعد عملية تل أبيب، جمّدت إسرائيل 83 ألف تصريح كانت قد منحتها لغزّاويين ليعبروا أراضيها، متوجهين للقاء أقارب لهم في الضفة أو في الداخل. مفوّضيّة الأمم المتّحدة لحقوق الإنسان قالت إن هذا التصرّف "ربما كان عقاباً جماعياً يحظره القانون الدولي". ولكن العقاب حصل.

كما أعلن الجيش الإسرائيلي فرض حظر مؤقت على دخول جميع الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى الأراضي المحتلة. هذا سيستمر فقط حتى الأحد. ولكنه إشارة إلى أن إسرائيل قد تقطع رزق عشرات الآلاف من فلسطينيي الضفة الذين يعملون فيها.

كذلك، دهم الجيش الإسرائيلي بلدة يطا، بلدة الشابين، ومناطق أخرى في الضفة وقام بحملة اعتقالات واسعة.

وهنا السؤال: هل يحق لأشخاص منفردين، أو حتى لأحزاب سياسية وحركات مقاومة، أن تقوم بأفعال ذات انعكاسات على مئات آلاف الفلسطينيين من دون أن يكونوا جزءاً من آلية تسمح لهم باختيار كيف يريدون أن يكون شكل مقاومة إسرائيل؟

ـ 4 ـ

وهنالك ما هو أهم من ذلك. هنالك قضية أخلاقية حقيقية. هل يجوز الانتقام من مدنيين بسبب سياسات حكوماتهم؟

لدى البعض ردّ جاهز يقول إن كل الإسرائيليين عسكريون لأن المدنيين هم جزء من قوات الاحتياط. وهذا طرح خطير لأنه إذا طبقنا هذا المعيار على العرب فسنجد أن معظم العرب هم أيضاً جزء من قوات الاحتياط لجيوش بلادهم. فمثلاً، إذا أراد الشاب المصري السفر عليه أن يأخذ إذناً مسبقاً من الجيش المصري لأنه جزء من قوات الاحتياط. والوضع هو نفسه في كل الدول العربية التي تعتمد نظام الخدمة العسكرية الإلزمية (التجنيد الإجباري). فهل العرب كلهم عسكريون؟ هذا منطق عقيم لا نفع منه إلا إباحة قتل الجميع.

ـ 5 ـ

في بداية الشهر الماضي، عصف بالساحة الإسرائيلية سجال أخلاقي كبير. وبدأ الأمر مع وصف نائب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، الجنرال يائير غولان، بعض ارتكابات الجيش الإسرائيلي والمستوطنين بأنها وحشية لا بل ذهب إلى حد تشبيهها بممارسات النازيين.

وهذا السجال جزء منه له علاقة بقضية إطلاق جندي يُدعى أليئور أزريا النار على جريح فلسطيني في الخليل وقتله، وهو تصرّف رفضه البعض بينما أيّده عتاة اليمين وبعض حاخاماتهم.

والغريب أن وزير الدفاع السابق موشيه يعلون، وهو ليكودي يميني، دعم تصريحات غولان، مثلما فعلت شخصيات سياسية كثيرة من الوسط واليسار.

اما بعض العرب فإنهم يقبلون بالقول أن كل مدني حلال قتله ويخافون من اتخاذ موقف أخلاقي ضد فوضى استهداف المدنيين. وهنا لا بد من كلام صريح: الشجاعة هي في أن تضع معاييراً أخلاقية تتقيد بها في حربك مع عدوك. لماذا؟ لأن المعايير الأخلاقية ستبقى وسنطبقها على أنفسنا في ما بعد.

عماد هاشم

كاتب لبناني مقيم في فرنسا

كلمات مفتاحية
اسرائيل

التعليقات

المقال التالي