هل أصبحت مقاطعة إسرائيل موضة قديمة؟

هل أصبحت مقاطعة إسرائيل موضة قديمة؟

وسقطت "صخرة طانيوس" على رأس الأديب والروائي اللبناني - الفرنسي أمين معلوف. هكذا أوحى السجال اللبناني - العربي الذي أثاره ظهور عضو الأكاديمية الفرنسية، قدس أقداس الأدب، على تلفزيون "i24" الإسرائيلي الناطق باللغة الفرنسية، في برنامج ثقافي تناول فيه كتابه الأخير "كرسي على نهر السين".

ظاهرياً، لم تحوِ المقابلة في مضمونها ما يثير السخط، فالكلام أتى أنيقاً في موضوعات الأدب والذكاء، وفي آليات عمل الأكاديمية الفرنسية و"الخالدين" فيها. ومحاور البرنامج تنوعت في الموسيقى (المسيح يحب الجاز الإسرائيلي في قرية أبو غصن العربية) والكتابة (أم الجندي المغربي الفرنسي لطيفة بن زياتن: المرأة الاستثنائية وكتابها "موت في فرنسا") والإبداع (بماذا يفيدنا الذكاء؟)، لتعكس حالة حوارية رفيعة بين الثقافات قوامها الإنسانية والسلام.

لم يكن معلوف الأول ممن لحقت بهم تهمة التطبيع مع العدو الإسرائيلي، لكن ظهور صاحب "الهويات القاتلة"، الذي يحظى باحترام وتبجيل لدى الجمهور العربي، في هذه المقابلة، شكل صدمة كبرى في الوسط الثقافي، وشطره بين مهاجم ومؤيّد لهذه الخطوة.

من هاجم معلوف رأى في ما أقدم عليه سقوطاً في فخ "تجميل صورة إسرائيل" التي يحمل لواءها التلفزيون، الذي أطلقه باتريك دراحي قبل ثلاث سنوات، لـ"يكشف الوجه الحقيقي لإسرائيل، ذلك البلد الحي العصري بشبابه ومقاهيه وشواطئه وأسلوب حياته البعيد كل البعد عن صورة بلد في حالة حرب".

انطلاقاً من موقع التلفزيون المضيف، اعتبر هؤلاء أن معلوف لو تكلم في السياسة لكان ذلك أفضل من كلامه البحت في الأدب. رأوا في الشكل المحايد، الذي اعتمده معلوف، دعماً لتلك السياسة "الناعمة" التي توقع متلقيها في "فخ" التطبيع، السهل والمغري في آن واحد. بدت المقابلة في شكلها ومضمونها منعزلة عن أي سياق سياسي - عسكري محيط بها، وهنا تكمن خطورتها، التي وصفها بعضهم بـ"خيانة مثقف" يسعى لـ"جائزة نوبل".

وهكذا طالبت "حملة المقاطعة" صاحب "سلالم الشرق" و"ليون الإفريقي" و"الحروب الصليبية كما يراها العرب"، بالاعتذار عما فعل "احتراماً للشهداء والأسرى وعائلاتهم، وللمشرّدين واللاجئين اللبنانيين والفلسطينيين، ولدوْر الثقافة (المفترض) في خدمة العدل والإنسانيّة"، مجددةً الدعوة لمقاطعة "كيان العدو"، ومقاطعة مؤسساته الإعلامية والنشرية والفنية والأكاديمية.

وذكر البعض، الذي عبر عن عدم مفاجأته بخطوة معلوف "الذي يسعى لإرضاء فرنسا"، بمقال للكاتب روبرت فيسك في صحيفة "الاندبندنت" البريطانية، الذي ذكر فيه زيارة أمين معلوف في العام 1983 لإسرائيل مع الوفد المرسل من قبل الرئيس أمين الجميل.

في الضفة المقابلة، استند المدافعون عن معلوف إلى محتوى مقابلته، على اعتبار أن المطلوب هو المحتوى أياً كانت الوسيلة التي يُنشر عبرها، وعادوا بالنقاش إلى ضرورة الانفتاح لإيصال الصوت إلى العالم أجمع. وكتب مثقفون وإعلاميون عبر صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي داعمين الأديب العالمي ومفتخرين به. في حين أخذ البعض الدفاع عن معلوف كمنصة للتصويب على "الممانعة" التي "تدعم نظاماً مجرماً سفاحاً" (النظام السوري) بينما تهاجم معلوف، وطالبوه بـ"ألا يعتذر عما فعل". واستعاد آخرون العلاقة الودية بين حليف "الممانعة" الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وإسرائيل، متسائلين عن سبب قبول هؤلاء لها وعدم قبول معلوف، بينما لمح آخرون إلى مطالبة معلوف بالاعتذار وتناسي اتفاقات السلام العربية - الإسرائيلية.

 

معلوف وخوري والراعي: شبه أم اختلاف؟

مع معلوف تعود إلى الذاكرة تلك المقابلة المثيرة للجدل التي خرج بها الروائي اللبناني الياس خوري قبل عامين مع صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية. حينها كانت المناسبة ترجمة كتابه "الوجوه البيضاء" إلى العبرية، وأتى كلام خوري عالي السقف. الكاتب المعروف بالدفاع عن القضية الفلسطينية بشراسة، وصاحب الرواية الشهيرة "باب الشمس"، واجه الإسرائيلي في عقر داره بإيمانه المطلق بأحقية القضية. ومع ذلك لم ينج خوري من النقد لأن ما فعله يؤكد "ديموقراطية" العدو.

في مقابل دفاع كثر عن حوار خوري الذي يؤكد على المقاطعة، لكن بأسلوب يغاير السردية المعتادة.

الأكاديمي والباحث جيلبير الأشقر أثار بدوره جدلاً مماثلاً، عندما أجاب عن أسئلة مراسل "يديعوت أحرونوت" في لندن قبل أعوام. اتهم الأشقر حينها باستغلال المقابلة للترويج لكتابه، لكنه ردّ بأن ما قام به هو فرصة لإيصال الصوت واضحاً دفاعاً عن القضية الفلسطينية، متسائلاً عن السبب الذي يدفع الصحف إلى ترجمة مقالات الصحف الإسرائيلية إلى العربية، وينقل وجهة نظرهم، ويعيب على المثقفين العرب "استغلال فرصة نادرة للدفاع عن القضية في صحيفة إسرائيلية".

يذكر ذلك بتلك التهمة التي لاحقت الشاعر محمود درويش عندما اتهم بـ"التطبيع" في إحدى المرات بسبب تلبيته دعوة لإقامة ندوة شعرية في حيفا في العام 2007، ولم تشفع به كتبه وأشعاره التي رفضت إسرائيل إدراجها في المناهج التعليمية، في رد تلك الصفة عنه.

وما زال صدى زيارة البطريرك اللبناني إلى القدس يتردد منذ 2014. قبل الزيارة، شهدت الساحة اللبناني جدالاً بهذا الشأن. لكنه بقي جدالاً خجولاً حرصاً على "المصلحة الوطنية" واحتراماً لهيبة الموقع الديني. في ظاهر الزيارة، احترم الراعي قانون التطبيع، لكن خطابه هناك جاء مخيباً لجهة نفي منطق المقاومة وإعطاء شرعية غير مباشرة لإسرائيل. الزيارة جاءت في إطار "ديني سمح"، لكن مفاعيلها كانت واضحة ومتعارضة مع المنطق اللبناني. في المقابل، لم يأت الرفض لما قاله الراعي هناك صريحاً، فالحصانة التي يحظى بها رجال الدين في لبنان والقدسية التي تتداخل مع السياسة حين تشاء وتبتعد عنها حين تشاء، تجعل الصمت سيد الموقف.

وفي مجال الأفلام، صدم فيلم "الصدمة" للمخرج اللبناني زياد دويري الرأي العام بسبب ذهابه إلى إسرائيل وتصويره هناك مع ممثلين إسرائيليين، ودفع الضرائب هناك، قبل أن تمنع الجامعة العربية عرض الفيلم في الصالات المحلية بعدما لاقى ترحيباً في المغرب ودبي.

بين المقاطعة الحادة و"الكول"

في جولة آراء لـ"رصيف 22" على بعض المثقفين ونظرتهم إلى سياسة المقاطعة اليوم، تتنوع الخطوط والمقاربات والأغراض، وتتسع ألوان الطيف لتضم إلى جانب الأفكار العتيقة في هذا المجال، أفكاراً أخرى لم تتضح معالمها بعد.

ثمة فريق لا يزال متمسكاً باللغة التقليدية في مناهضة "التطبيع"، يواجه بشراسة مطلقة، ويرفض النقاش في أي تواصل مع العدو، أياً كان شكله وأهدافه. هذا الفريق يضع خطوة معلوف والأشقر وخوري والراعي والدويري وغيرهم في سلة واحدة. هؤلاء يجري تخوينهم، على اعتبار أن أي تواصل مع العدو، هو تمهيد لتطبيع يجري في أحيان كثيرة بأساليب فيها ذكاء واحتيال. وبطبيعة الحال، يتم تخوين من يدافع عنهم ويخلق لهم مبررات، ويصل هذا التخوين في أحيان إلى التهديد المباشر وغير المباشر.

في المقابل، ثمة فريق كان في السابق أكثر خجلاً في المجاهرة، حين كان الإسرائيلي العدو المطلق في السرديات الإعلامية والثقافية والسياسية. كان ذلك قبل أن تنفجر الأزمات العربية ويصبح العداء لبعض الأنظمة موازياً، أو يضاهي، العداء لإسرائيل. الآن، يتولى هذا الفريق التصويب المباشر على جرائم الأنظمة العربية التي استغلت العداء لإسرائيل لعقود في سبيل ضمان شرعيتها، وتحديداً النظام السوري، ويتجاهل النقد المباشر للسياسات الإسرائيلية في خضم دفاعه عن المتهمين بالتطبيع.

في وسط هذه الثنائية الحادة القطبية، القائمة على التخوين والتخوين المتبادل، ثمة فريق يبتعد عن السجال، يفضل الصمت والانكفاء، خوفاً من أن تلحقه التهم التي باتت ترمى جزافاً، على كل من يرفض اللحاق بالتيار ولغته الشعبوية. في وسط هذا الفريق وفي جلساته الخاصة يطلّ الكلام عن ضرورة إعادة النظر في أساليب المقاطعة وأدواتها. يشير أحدهم إلى مؤتمر دعم المقاطعة الذي نظم في "مسرح المدينة"، ليقول إن لغته بقيت خشبية، والجمهور الحاضر كان نفسه المقتنع بضرورة المقاطعة الحادة، حتى الوصلات الفنيّة التي قدمت كانت لفنانين باتوا يحسبون على فئة "تقليدية مملة"، وليس بمقدورهم مخاطبة جيل جديد واسع.

من هنا، يبرز السؤال حول هذا الجيل الجديد الذي تنبغي مخاطبته. هل يكفي مبدأ التخوين الآتي من طرف بدأ يثير مخاوف هذا الجيل؟ هل يكفي ذلك لمواجهة الأساليب "الناعمة" والذكية والعصرية التي يعتمدها العدو (البرنامج "الثقافي" الذي استضاف معلوف لا مثيل له في المحطات العربية)؟ أما زالت تلك اللغة الخشبية الراديكالية كافية للمواجهة؟ وهل يكفي قدم القضية الفلسطينية ومسرة النضال لإثبات أحقيتها في ظل قمع وإجرام وتسلط الأنظمة العربية التي حكمت طويلاً باسمها؟

يقول جيلبير أشقر في معرض دفاعه عن المقابلة التي أسلفنا ذكرها "هل نستمر بمفهوم غبيّ للمقاطعة يضرّنا نحن ولا أحد سوانا، ونخلط بين استخدام المنابر الإعلامية التي يُتاح لنا استخدامها وبين مقاطعة المؤسسات الصهيونية والبضائع الإسرائيلية؟ فالمقاطعة المفيدة هي التي تضرّ بالعدوّ، لا بنا نحن! وألتزم من جهتي المقاطعة الأكاديمية في عملي في جامعة لندن، وأعلم أن ذلك يغيظ أنصار إسرائيل لأنه يضرّ بها، كما قاطعت قبل عام ونيّف نقاشاً علنياً بشأن نزاع الشرق الأوسط كنت مدعوّاً إليه في باريس، وقد فاجأني منظّموه بدعوة أحد مسؤولي سفارة إسرائيل".

يدعو هذا الطرف لإعادة صياغة أساليب خطاب عصرية في مقاربة الجيل الجديد، تحت شعار مطلق لا يتغيّر هو العداء لإسرائيل. المشكلة في الأسلوب إذاً لا في القضية. فبين مقابلة معلوف وخوري، على سبيل المثال، فرق كبير، ولا يجدر بالمناهضين إدراجها في السلة عينها.

لكن مشكلة هذا الطرف أنه يبدو بعيداً عن ساحة النقاش والمواجهة، ولا يتحمل في ذلك المسؤولية وحده، فالساحة اليوم تتسع حصراً للمتطرفين من الطرفين، في انفعالية شعبوية لا تترك مكاناً لنقاش عقلاني. "الترند" الجديدة اليوم عنوانها: إن لم تؤازرنا بالمطلق تصبح عدونا المطلق.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

كلمات مفتاحية
اسرائيل لبنان

التعليقات

المقال التالي