وثائق "سي آي إيه" السريّة تكشف للمرة الأولى: الخميني تعاون مع الأمريكيين قبل الثورة الإسلامية

وثائق "سي آي إيه" السريّة تكشف للمرة الأولى: الخميني تعاون مع الأمريكيين قبل الثورة الإسلامية

في مطلع العام 1963، أعلن الشاه الإيراني محمد رضا بهلوي "الثورة البيضاء" في إيران. طرح الشاه مجموعة إصلاحات اقتصادية - اجتماعية من بينها إجراء تغييرات انتخابية تمنح المرأة حق الاقتراع والخصخصة. وصف المحافظون حينها التغييرات بالخطيرة التي تهدف إلى تغريب الدولة عبر خدع ديماغوجية. كان من بين هؤلاء آية الله الخميني، الذي كان أحد رجال الدين في قم، وحارب "الثورة البيضاء" باعتبارها خطراً على الإسلام.

في عيد النوروز من العام نفسه، أعلن رجل الدين الحداد العام في خطبة شديدة اللهجة، أدت إلى اعتقاله بعدما شكك في إيمان الشاه ووصفه بالعميل الإسرائيلي، من دون أن يذكر الأمريكيين الذين كانوا يدعمون بهلوي حينذاك. ما ذُكر أعلاه ليس جديداً، لكن ما كشفته "هيئة الإذاعة البريطانية فارسي" كان الجديد، أو بالأحرى اللافت قبل أيام على الذكرى السابعة والعشرين لوفاة الخميني.

بينما كان الخميني في محبسه في منطقة قيطرية في طهران في العام 1963، وبعيداً عن عيون "السافاك"، بعث برسالة إلى الرئيس الأمريكي جون كينيدي عبّر فيها عن دعمه للمصالح الأمريكية في إيران. جاء ذلك، بحسب "بي بي سي فارسي"، في مستندات "سي آي إيه" السريّة تحت عنوان "الإسلام في إيران". كانت هذه المستندات محفوظة في الأرشيف الوطني الأمريكي بسرية تامة، في تقرير مطول للسفارة الأمريكية في طهران مؤلف من 81 صفحة، يحتوي على رسالة الخميني من بين تقارير بحثية أخرى عن آية الله الخوئي وآية الله شريعتمداري.

الحديث عن وجود الرسالة لم يكن جديداً. في العام 2005، خرجت من إطار السرية لكن فقرات من رسالة الخميني بقيت محجوبة، وفي العام 2008، نشرت مكتبة رئيس الجمهورية الأمريكي جيمي كارتر، نسخة رقمية عن الرسالة، لكنها بقيت بعيدة عن متناول الباحثين.

الخميني لأميركا: سنبقى أصدقاء

بحسب الوثيقة، في نوفمبر العام 1963، أرسل الخميني رسالة إلى الحكومة الأمريكية عبر الحاج ميرزا خليل جامرائي، الأستاذ في كلية اللاهوت في جامعة طهران والسياسي المقرّب من المجموعات الدينية، وفيها توضيح أنه لم يعارض المصالح الأمريكية في طهران، بل على العكس فقد عبر عن اعتقاده بأن الوجود الأمريكي كان ضرورياً لإحداث توازن ضد الاتحاد السوفياتي والنفوذ البريطاني المحتمل. وفي الرسالة، شرح الخميني اعتقاده بضرورة التعاون الوثيق بين الإسلام وأديان العالم، خصوصاً المسيحية.

ليس هناك ما يوضح ما إذا كان الرئيس الأمريكي آنذاك قد قرأ الرسالة أم لا، فقد توفي كندي بعد أسبوعين في تكساس. ولكن، والكلام دائماً لـ"بي بي سي"، فإن الخميني تواصل أيضاً من منفاه الفرنسي مع الرئيس جيمي كارتر في العام 1979، قبل انطلاق الثورة الإيرانية بأسابيع. وقد وعد فيها بعدم قطع إيران للنفط عن الغرب، وعدم تصدير الثورة إلى دول المنطقة، وإقامة علاقات ودية مع الولايات المتحدة.

وبحسب العرض: يستمع القادة العسكريون الإيرانيون إلى الأمريكيين، بينما يتبع الشعب الإيراني أوامر الخميني. وهكذا يمكن لكارتر أن يستخدم نفوذه على العسكر لتسهيل الانقلاب، بينما يتولى الخميني تأمين الاستقرار للأمة، فتُحمى المصالح الأمريكية والشعب الإيراني.

في تلك الفترة، كان الوضع الإيراني فوضوياً، إذ شهدت الشوارع العديد من الاشتباكات وأقفلت المحال التجارية وتوقفت المرافق العامة. وقد نجح كارتر في إقناع بهلوي بالذهاب في إجازة، تاركاً وراءه رئيس وزراء لا يحظى بالشعبية وقوى من 400 ألف جندي يعتمدون على الأمريكي، بالسلاح والنصيحة.
كان الخميني متوتراً من الجيش في تلك الفترة: القادة في المراكز العليا كانوا يكرهونه، ويجتمعون بجنرال السلاح الجوي روبرت هويسر، الذي أرسله كارتر في مهمة غامضة إلى طهران. حينذاك قرر الخميني العودة إلى طهران بعد 15 عاماً على مغادرتها.

في رسالته الأولى، طمأن الخميني البيت الأبيض إلى أنهم لن يخسروا الحليف الإستراتيجي المستمر منذ 37 عاماً، وطمأنهم إلى إمكانية أن يكون صديقاً. وقال الخميني "سترون أن لا عداء بيننا وبين أميركا، وسترون أن الجمهورية الإسلامية المبنية على الفلسفة والقوانين الإسلامية، لن تكون إلا حكومة إنسانية".

إشارات كارتر والخميني

وبينما تختلف الروايتان الرسميتان، الإيرانية والأمريكية، عما ذكرته الوثائق (المجمعة بالتسجيلات والمراسلات والاجتماعات)، تشير الوثائق إلى أنه، بعد يومين فقط على مغادرة الشاه لطهران، أبلغت أميركا الخميني انفتاحها - المبدئي - على فكرة تغيير الدستور وإسقاط الملكية. كما أبلغت إليه انفتاح قادة الجيش الإيراني بخصوص المستقبل السياسي. لقد رغبت الولايات المتحدة في الاتفاق مع ما اعتبرته عناصر براغماتية في الجمهورية الإسلامية.

في تلك المرحلة، بدت إيران على مشارف حرب أهلية، وهذا ما أثار المخاوف الأمريكية على السلاح الموجود في طهران وعلى آلاف الخبراء العسكريين هناك وعلى مستقبل النفط والمصالح بشكل عام. وهي لم تكن قد استشرفت سقوط الشاه وصعود الخميني بهذه السرعة.

لكن الخميني أرسل إشاراته الخاصة إلى واشنطن عبر فرنسا، ليطمئنها إلى أن النفط لن يتوقف. في المقابل، أرسل كارتر برسالة إلى فرنسا وطهران ليؤكد على الرغبة بإنشاء علاقات مباشرة مع محيط الخميني، في وقت كانت واشنطن تتخوف من الظهور أمام حلفائها بأنها تخلت كلياً عن الشاه، الصديق القديم.

كانت واشنطن تعمل على تهدئة الخميني والتفاوض معه لتستشرف اللحظة ونياته، وكان الخميني يبحث عن إعلان النصر الحاسم، لا التفاوض. علماً أن الالتزام التكتيكي مع أميركا مفيد له في بعض النواحي. حينذاك، طلبت أميركا من الخميني التروي في العودة قليلاً، لأن عودته قد تحدث كارثة لا سيما أن الجيش سيتحرك لحماية الدستور، فكان رد الخميني بالسؤال عن أي دستور يجب الدفاع. هل هو الدستور الملكي؟ لم تكن أميركا على ثقة تامة برحيل الشاه، واستغرق الأمر أياماً، كي ترد بما كشفته الوثائق لأول مرة عن "انفتاحها" على تغيير سياسي في إيران.

كان كارتر والخميني متفقين على تفادي المواجهة بين الجيش والمعارضة، ولكن أسلحتهما كانت مختلفة. فقد كان الأول يطمح للحفاظ على الجيش (الذي وُصف في إحدى المراسلات بـ"الحيوان الجريح") والبناء معه للمستقبل، أما الخميني، فأراد القضاء تماماً على الوحش الذي يهدد نظامه مستقبلاً.

بدوره، طمأن الخميني إلى أن النفط سيستمر بالتدفق إلى من يشتريه بالسعر المناسب، باستثناء إسرائيل وجنوب أفريقيا. ولتطوير البلاد الحاجة قائمة إلى الخارج، والأمريكيين تحديداً. كتب الخميني لن نلعب دور الشرطي للخليج كما كان يفعل الشاه، ولن ندعو السعوديين والكويتيين إلى أن يحذوا حذونا. بينما قال المحيطون به إن التواصل مع روسيا الملحدة أصعب، فالأمريكيون مسيحيون ويؤمنون بالله.

قبل يومين على وصول الخميني إلى طهران، تبلغ من أحد قادة الجيش أن الأخير لن يعارض التغيرات السياسية الحاصلة، وأن التغييرات الدستورية ممكنة ما دامت لا تتعارض مع القوانين. ولكن لاحقاً، في أول يوم لانتصار الثورة، كان كارتر يجول في الخارج من أجل اتفاقية كامب ديفيد، ولم تكن التطمينات كافية للخميني على صعيد الجيش، فبدأت حملة التصفيات لبعض قادة الجيش، وللمجموعات الماركسية.

الخطأ الأمريكي

يظهر في الوثائق أن البعض في تلك المرحلة كان يرى أن أميركا فشلت على الصعيد الاستخباراتي، وكانت سلبية في ما يتعلق بالتغيرات. وكان الخطأ لاحقاً بأنها وضعت رجلاً مع فريق الشاه والأخرى مع الخميني، ولم تكن حازمة. كما أنها قللت من شأن طموحات الخميني، وقرأت تحركاته بشكل خاطئ. على عكس كارتر، كان الخميني يتبع إستراتيجية واضحة ويتحكم بزمام الأمور، وقد اتهم لاحقاً أميركا بأنها تقدم وعوداً خاوية.

بعد أقل من عام، بينما كانت أزمة السفارة الأمريكية في طهران محتدمة، قال الخميني "لا يمكن لأميركا أن تقوم بشيء". وعندما احتفل بالذكرى الأولى للنصر، أعلن أن إيران ماضية في محاربة الإمبريالية الأمريكية حول العالم، وبشّر بأن إيران ستصدر ثورتها إلى الخارج: "الثورة الإسلامية".

تغيّرت أمور كثيرة منذ تلك المرحلة، لكن الوثائق تظهر أن السياسية الأمريكية مع إيران، ومع العالم العربي بشكل عام، بقيت تتشابه، وقد ظهر الكثير من هذا التردد ومحاولة اللعب بين الأطراف المتقاتلة خلال "الربيع العربي". قد تخرج الكثير من التحليلات بشأن توقيت الإفصاح عن هذه الوثائق والغاية منها، لا سيما أن عبارة الخميني التي وصف بها أميركا بـ"الشيطان الأكبر" لا تزال حاضرة، على وقع الاتفاق النووي الأخير. كل تلك الأحداث الماضية وتشابكاتها، تحتاج اليوم إلى قراءة متأنية بعيدة عن انفعالات الطرفين.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

كلمات مفتاحية
أمريكا إيران

التعليقات

المقال التالي