التهم الكفيلة بهدر دمائكم في اليمن

التهم الكفيلة بهدر دمائكم في اليمن

في صباح 23 أبريل 2016، كتب عمر باطويل آخر منشوراته على Facebook: "عندما يعرفون الفرق بين العالِم والكاهن سيستعيدون عقولهم!". وفي مساء ذلك اليوم اختفى ليُعثر عليه في اليوم التالي وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، وقد اخترق الرصاص وجهه ورأسه وصدره.

كتب في 3 ديسمبر 2015: "يتهمونني بأنني ملحد. يا هؤلاء، أنا أرى الله في الزهور وترونه في القبور. هذا الفرق بيني وبينكم". لعل هذا يكشف طبيعة التهمة التي وجهت إليه، لكن لا أحد غير أولئك "القضاة" يعلم طبيعة وتفاصيل "المحاكمة" التي أخضع لها.

اعلان


منذ "إعدامه"، يخضع الفتى، ذو الـ17 عاماً، لـ"محاكمة" من نوع آخر، قاضيها هو الشارع اليمني. نحو 25% ممن كتبوا تعليقات على آخر منشوراته بعد مقتله، أظهروا تأييداً واضحاً للجناة. يضاف إليهم نحو 10% أيدوا المبدأ ورفضوا الأسلوب (مع القتل بحكم من محكمة شرعية). وهذه النسبة قد ترتفع، فنحو 35% من المعلقين لم تتضح مواقفهم. وكونها نسبة تقديرية لا يمنع من القول إن ثمة ما يخيف. الحكم الذي صدر ضد عمر لم يكن الأول ولن يكون الأخير.

الوزير

في 4 سبتمبر 2015، عاد أنور الوزير من صلاة الجمعة إلى منزله وسط مدينة تعز. طُرق باب المنزل، كانت الأسرة مجتمعة إلى مائدة الغداء. فتح الباب، وتلقى عدة رصاصات وسقط على عتبة الباب. هبت الزوجة والأطفال، ولكن الجناة كانوا حريصين على موته، فأطلقوا المزيد من الرصاص على جسده. كان أنور قد تلقى تهديدات من مجهولين، و"العلمانية" هي التهمة هذه المرة.

بهائي في القفص

في 3 ديسمبر 2013، قام عناصر من "جهاز الأمن القومي" باعتقال حامد كمال بن حيدرة، واحتجزوه سنة تقريباً، تعرض خلالها للضرب والصدمات الكهربائية وسوء المعاملة.

وفي 8 يناير 2015، اتهم حيدرة بأنه إيراني دخل اليمن عام 1991 باسم مستعار. واتهم بالعمل لحساب "إسرائيل" من خلال "بيت العدل الأعظم"، الهيئة الإدارية البهائية العليا، ومقرها حيفا. واتهم بـ"استدراج مسلمين إلى البهائية، ومحاولة إقامة وطن لأتباع الديانة البهائية في اليمن". وتضم لائحة الاتهامات التي يواجهها: "انتهاك استقلال الجمهورية ووحدتها، الردة، الإساءة إلى الإسلام"، واتهامات جنائية أخرى.

إلهام محمد حسين زارعي، زوجة حامد، قدمت لـ"هيومن رايتس ووتش" نسخاً من بطاقته الشخصية وجواز سفره اليمنيّين، تثبت أنه من مواليد اليمن عام 1964. وقالت إن أحد قضاة المحكمة في لقائها به حول القضية هدّدها بالسجن بسبب دينها، وقال إن جميع البهائيين اليمنيين يجب أن يُسجَنوا، حتى ينكروا دينهم، أو إقامة الحد عليهم.

منذ اعتقال حيدرة، عقدت المحكمة 16 جلسة استماع. سُمح لمحاميه بحضور 6 منها فقط، بحسب ما قاله لرصيف22، وليد عياش، رئيس مؤسسة "نداء" البهائية.

وقال مصدر قريب من إجراءات القضية، طلب عدم كشف هويته، إن وزير الداخلية، إثر تلقيه رسالة من مندوبة البهائيين في الأمم المتحدة، وجّه مذكرة إلى رئيس اللجنة الثورية العليا يطلب منه التوجيه بالإفراج عن حيدرة وإغلاق القضية.

"متهم بالكفر يبحث عن محكمة"

في 17 يناير 1985، تقدم حمود هاشم الذارحي ومحمد طارش عبدالله ومحمد علي المؤيد وعمر أحمد سيف إلى النيابة العامة، بدعوى احتساب ضد د. حمود العودي، بأنه "صدر منه في مؤلفاته التي اطلعنا عليها: الكفر بالله والاستهزاء به، الكفر بالقرآن، الكفر برسول الله صلى الله عليه وسلم وإنكار عصمته وتكذيبه، إنكار الغيب والاستهزاء بمن آمن به، الطعن في الإسلام، الطعن في الصحابة، اتهام اليمنيين بالكفر والنفاق، الترويج للشيوعية والدعوة لها والتمجيد لزعمائها، تمجيد المرتدين بقيادة الأسود العنسي". وطلبوا إلقاء القبض عليه والتحقيق معه ومحاكمته، مبدين استعدادهم لتقديم الأدلة.

أحال النائب العام الشكوى إلى رئيس نيابة صنعاء، فأخذت أقوال أحد المحتسبين. وفي الـ22 من الشهر نفسه، أخذت أقوال المتهم، فتبرأ مما تضمنته الدعوى. ولكن في اليوم نفسه، عاد د. العودي إلى منزله ليتلقى اتصالاً هاتفياً يقول: لقد قضي الأمر، ولن تقبل توبتك التي وعدت بها في الصباح، ولا دفاعك، فقد لا ترى صباحاً بعد اليوم".

اضطر لمغادرة اليمن في ذلك اليوم بمفرده. قطع مسافة طويلة سيراً إلى عدن. وبقي 5 سنوات متنقلاً بينها وبين دمشق وبعض العواصم العربية والأجنبية.

كتب توكيلاً لرئيس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، مرفقاً برأيه الذي كتبه دفاعاً عن نفسه وعن كتابه "المدخل الاجتماعي لدراسة التاريخ والتراث العربي والإسلامي". رفضت المحكمة ذلك، ولم تورد منه شيئاً في حيثيات الحكم، وعقدت جلساتها وإجراءاتها في جو من التكتم والسرية.

كتب رداً تحليلياً مفصلاً وشاملاً على ما ورد في لائحة أدلة الإثبات، أرسله إلى رئيس الجمهورية، رئيس مجلس القضاء الأعلى. لم يتلقَّ رداً، فبادر إلى نشره في كتيب صغير حُظر توزيعه في اليمن. وفي 2 يناير 1986، كتب رسالة إلى رئيس الجمهورية، رئيس مجلس القضاء، أبدى فيها استعداده للمثول أمام المحكمة، شرط ضمان: حقه في اختيار هيئة الدفاع، علانية المحاكمة، كفالة حق جميع أطراف القضية في التعبير عن آرائها داخل وخارج المحكمة، وتأمين حياة كل أطراف القضية.

"الشيء الوحيد الذي سمعته ووصلني بعد ذلك بشهر ونصف الشهر تقريباً هو صدور حكم محكمة جنوب صنعاء في القضية، والذي لم يكن ليحمل أي جديد، أكثر مما حكم به مقدماً وزير العدل بحضور النائب العام. وهو: إما التوبة وتسفيه ما قلته أو كتبته، وإما إقامة حد الردة. وإزاء ذلك قمت أولاً بتجميع كل الوثائق المتعلقة بالتهمة، وإجراءات المحاكمة، ودفاعي عن نفسي، ضمنتها كتاباً منشوراً بعنوان التهمة والدفاع، من محكمة الصمت إلى محكمة التاريخ".

وصدر عام 1988 ملف ثان في كتاب بعنوان "متهم بالكفر يبحث عن محكمة". تضمن نص الحكم الابتدائي، والرد التفصيلي. وهو اليوم بصدد إصدار الملف الأخير، متضمناً وقائع وحيثيات إجراءات المحكمة العليا، ونص حكم البراءة الصادر في العام 1992، وتحليل الأبعاد والدلالات السياسية والدينية، والدروس المستفادة.

قال د. العودي إنه عام 1986 بلغته أيضاً، وهو في عدن، أخبار عن دعوى شبيهة رُفعت ضد د. عبد العزيز المقالح، بسبب قصيدته التي يقول فيها: "كان الله –قديماً– حباً، كان سحابة، كان نهاراً في الليل، أغنية تتمدد فوق جبال الحزن. صار الله رماداً، صمتاً، رعباً في كف الجلادين، أرضاً تتورم بالبترول، حقلاً ينبت سبحات وعمائم..." لكن إجراءات المحاكمة لم تكتمل، قطعها المقالح نفسه، بما يمكن وصفه برسالة مصالحة مع المحتسبين.

وفي الثمانينيات، نشر عبد الكريم الرازحي حكاية مترجمة للأطفال، هي أسطورة إغريقية، اعتبرها الجهاديون تجديفاً بحق الذات الإلهية، فأباحوا دمه.

قائمة المطلوبين لجماعة علي جار الله السعواني

كشفت التحقيقات أن اسم المقالح على رأس قائمة المطلوبين لجماعة علي جار الله السعواني، قاتل "جار الله عمر"، الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي اليمني، والتي ضمت عدداً كبيراً من الصحافيين والمثقفين اليمنيين.

عشية إعلان "صنعاء عاصمة الثقافة العربية 2004"، أصدرت جماعة متطرفة في تعز فتوى تكفير ضد الحزب الاشتراكي اليمني والمقالح، ووصفته بأنه أسوأ من الشيطان. وفي ديسمبر 2002 نفذت "خلية جامعة الإيمان، مُسَيْك" عملية اغتيال جار الله عمر، الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي اليمني.

وبحسب السفير علي محسن حُميد، مدير إدارة التعليم بالجامعة العربية، ومدير مكتب الجامعة العربية في لندن سابقاً، فإن حملة إعلامية رسمية أرادت اغتيال جار الله عمر معنوياً أولاً، تولتها خمس صحف حكومية: الثورة، 26 سبتمبر، 14 أكتوبر، الميثاق، و22 مايو.

قائمة المتهمين، قبل خفض عددهم، ضمت ضيف الله علي الحاشدي، الذي أفرج عنه الأمن السياسي لحالته الصحية، فاختفى نهائياً، وأمل قاسم الضاوي، التي زارها القاتل قبل الجريمة بيوم، وهناء الكبوس، والشيخ محمد الآنسي خطيب جامع مسيك الذي حيكت فيه خيوط الجريمة، ولم يُستجوَب هو ومعظم المتهمين.

وتطول القائمة

في العام 1997، تم تكفير الكاتب علي المقري بسبب بحث منشور عن الخمر والنبيذ في الإسلام. وتم تكفيره ثانية عام 2007 من على منبر خطبة الجمعة وعلى لسان ناصر الشيباني، وزير الأوقاف الأسبق.

عام 1999 كُفرت الصحفية والأكاديمية الراحلة الدكتورة رؤوفة حسن، بعد تنظيم مركز الدراسات النسوية الذي كانت ترأسه مؤتمراً حول الجندر.

في التسعينيات أيضاً، صدرت فتوى تكفير بحق الروائي وجدي الأهدل أباحت دمه بسبب روايته "قوارب جبلية" فهرب خارج البلاد.

وفي العام 2000، اتهم الصحافي سمير اليوسفي بالردة بعد إعادة نشر ملحق "الجمهورية الثقافية" التي يرأسها، رواية "صنعاء مدينة مفتوحة" للراحل محمد عبد الولي.

عام 2003، أفتى رئيس مجلس شورى التجمع اليمني للإصلاح بكفر أمين عام الحزب الاشتراكي، الدكتور ياسين سعيد نعمان. بعد تكفيره مع قيادات الحزب الاشتراكي عام 1994، ثم في أواخر 2012.

تم أيضاً تكفير الكاتب والصحافي عبد الجبار سعد، بسبب كتاباته المنتقدة لحزب الإصلاح. وعام 2007 كُفّر الكاتب أحمد الحبيشي وطاقم صحيفة 14 أكتوبر التي يرأس تحريرها، بسبب نشرها مقالاً للمفكر الإسلامي احمد صبحي منصور، رداً على كتاب أيمن الظواهري "فرسان تحت بيارق النبي". ومرة أخرة عام 2008 بسبب موقف الصحيفة الداعم لمهرجان عدن الغنائي، الذي أحيته الفنانة أصالة نصري.

عام 2012، كتبت الصحفية والناشطة بشرى المقطري مقالاً بعنوان "سنة أولى ثورة"، تعارض فيه محاولات التيارات السلفية والتكفيرية مصادرة الثورة باسم الدين. فشنت ضدها حملة تكفير في مساجد ومعاهد دينية في صنعاء وتعز، ووزعت منشورات تتهمها بالإلحاد، والتعدي على الذات الإلهية، وتدعو إلى سحب جنسيتها وإقامة الحد عليها. ونظمت مسيرة تهديدية إلى منزلها في تعز، الأمر الذي اضطرها للهروب إلى القاهرة.

وكان رجال دين متشددون، على رأسهم الزنداني والديلمي، القياديان البارزان في حزب الإصلاح، أصدروا عام 2012، فتوى ردة وتكفير بحق أربعة صحافيين يمنيين: بشرى المقطري، فكري قاسم، محسن عايض، وسامي شمسان.

وفي العام نفسه، اتُّهم القاضي علي علي السعيدي بالردة، وطالبت النيابة العامة بالتفريق بينه وزوجته وفصله من الوظيفة العامة وإعدامه، بسبب أفكاره المنشورة على Facebook.

وتعرضت الصحفية سامية الأغبري أيضاً للتكفير، بسبب كلمة ألقتها في الذكرى العاشرة لاستشهاد جار الله عمر، انتقدت فيها بعض قيادات التجمع اليمني للإصلاح. وفي ديسمبر 2013، كُفِّر أحمد الصوفي بسبب روايته "مأساة إبليس".

وفي أسبوع واحد كُفّرت طالبة كلية الحقوق بجامعة تعز سالي أديب، من قبل أحد أساتذة كليتها، لمطالبتها في ندوة طلابية بحق المرأة في المشاركة السياسية. وكُفّر أستاذ الأدب العربي في جامعة البيضاء أحمد العرامي وفصل من عمله، لقراءته على طلابه روايتي "الرهينة" لزيد مطيع دماج، و"حرمة" لعلي المقري.

وأخيراً، تعرض الكاتب الصحافي نبيل سبيع لاعتداء بالهراوة والرصاص، وهو الآن يتلقى العلاج خارج اليمن. وبعد هذه الحادثة بأيام قليلة تعرض نائف حسان، ناشر صحيفتي "الشارع" و"الأولى" لاعتداء بالهراوة أيضاً، رغم توقف الصحيفتين عن الصدور منذ نحو عام.

هذه الحوادث ليست كل القائمة، وحتماً ليس نهايتها.

كلمات مفتاحية
اليمن حرية التعبير

التعليقات

المقال التالي