"حزب الله" والمصارف اللبنانية... هل هناك "للصلح مطرح"؟

"حزب الله" والمصارف اللبنانية... هل هناك "للصلح مطرح"؟

الأزمة بين حزب الله والقطاع المصرفي قد تكون الأخطر التي يواجهها لبنان، لأنها من الأزمات القليلة التي لا تقبل التسويات وممارسة لعبة "تدوير الزوايا" التي يبرع فيها اللبنانيون.

الأمر بسيط، لا يمكن للمصارف رفض تنفيذ القانون الأميركي ومراسيمه التطبيقية، أو التحايل و"التذاكي" في التنفيذ. لأن ذلك سيعرضها لعقوبات بمليارات الدولارات، ويُخرجها من الأسواق المالية الدولية. وحزب الله أيضاً، لا يمكن أن يقبل بالتوسّع في التنفيذ، لأن ذلك يعرض "البيئة الحاضنة" لأضرار بالغة.

الأزمة مرشّحة للتفاقم، وصولاً إلى انفجار يسعى الجميع إلى تفاديه، لأنه سيهدم الهيكل على الجميع. ويتركز الرهان حالياً على مساعي حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، لإقناع الجهات الأميركية المعنية بالتغاضي، ولو موقتاً، عن التوسّع في التطبيق، بانتظار "ساحر يُخرج من جيبه أرنباً ولو ميتاً". ومثال على ذلك، "الاقتراح الملتبس" الذي يُتداول سراً وخجلاً، ويقضي بنقل "الحسابات المشبوهة" إلى عدد من المصارف الصغيرة، وتكون بالليرة اللبنانية، ما يعني ضمناً التضحية بهذه المصارف مؤقتاً.

جذور الأزمة

انفجرت الأزمة على خلفية التعميم الرقم 137 الذي أصدره مصرف لبنان في 3 مايو الجاري، والذي ينص على التزام المصارف اللبنانية والمؤسسات المالية القانون الأميركي الصادر في 18 ديسمبر 2015، وصدرت مراسيمه التطبيقية في 15 أبريل الماضي.

وينص القانون على مكافحة تمويل حزب الله دولياً، عبر منع المؤسسات والأفراد الذين يدورون في فلكه من إجراء عمليات مالية ضمن النظام المصرفي العالمي. إضافة طبعاً إلى الأفراد والمؤسسات المدرجة أسماؤهم على اللائحة السوداء الصادرة عن "مكتب مراقبة الموجودات الخارجية"، في وزارة الخزانة الأميركية (OFAC).

ويتيح التعميم للمصارف حرية إغلاق حسابات أو منع فتح حسابات جديدة لأي شخص مشكوك في تورطه في تمويل الحزب أو نشاطاته. وهذا ما حصل مع بعض نواب الحزب، منهم نوار الساحلي وعلي فياض وعلي عمار وعلي المقداد والنائب السابق أمين شري وابنته، وعشرات المناصرين للحزب، حين قرّرت مصارف إغلاق حساباتهم خوفاً من القانون الأميركي. ما دفع بالوزير حسين الحاج الحسن (عضو حزب الله) إلى الردّ على هذه الإجراءات بالقول: "لقد تخطينا الخط الأحمر ووصلنا إلى الخط الأسود، والعقوبات الأميركية لن تمرّ".

وبحسب حزب الله، فإنه فوجئ بهذا التعميم، خصوصاً أن نائبه السابق أمين شري، اتفق سابقاً مع سلامة على خطوات لا تتناقض وروحية القانون الأميركي، وتحترم السيادة الوطنية في الوقت نفسه. وأبرزها ما يتعلق بعودة أي مصرف لبناني إلى مصرف لبنان قبل إقفال أي حساب، فضلاً عن ترك الباب مفتوحاً أمام أي مواطن يريد فتح حساب بالليرة اللبنانية.

حزب الله رأى في التعميم الصادر عن مصرف لبنان استهدافاً مباشراً لجمهوره وبيئته، قد يخلق حالة اعتراضية داخل الطائفة الشيعية، وهو المعني بالدفاع عنها "بما يراه مناسباً"، في حال عدم التوصّل إلى اتفاق يرضيه ويطمئن شارعه.

أما سلامة فهو واقع بين سندان القانون الأميركي وضرورة تطبيقه للحفاظ على القطاع المصرفي اللبناني، ومطرقة السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي، بعد اللهجة العالية للحزب، ووصف التعميم وإجراءات المصارف بـ"حرب إلغاء محليّة"، والتهديد بإجراءات تضرب القطاع المصرفي.

وأصدر الحاكم بياناً توضيحياً قبل أيام قليلة، أكد فيه أن "التعميم يريح المصارف المراسلة، ويؤكد ملاءمة العمل المصرفي في لبنان مع ما هو مطلوب دولياً. ولو لم نفعل ذلك، لكان في إمكان المصارف المراسلة تطبيق سياسة التقليص من المخاطر (de-risking)، فيصبح قطاعنا المصرفي معزولاً عن العالم".

وبخلاف التعميم الأول، الذي نصّ على إبلاغ "هيئة التحقيق الخاصة" في مصرف لبنان بأسباب إقفال أي حساب "بعد" إقفاله، حدد سلامة شرطين جديدين يسبقان قرار إقفال حسابات مشكوك بأنها تخالف القانون الأميركي، هما: على المصرف المعني تقديم تبرير "قبل" عملية الإقفال، يتضمّن حركة الحساب (وتيرته وحجمه)، وانتظار رد من "هيئة التحقيق الخاصة" خلال 30 يوماً، يتصرّف بعدها المصرف على مسؤوليته. وشدد على أن إقرار هذه المبادئ، وتحويلها إلى تعميم صادر عن "هيئة التحقيق الخاصة"، سيتم في أقرب وقت، بعد استكمال الدراسات القانونية محلياً ودولياً.

البحث عن حل

وتؤكد مصادر مطلعة أن الحزب لا يعتبر بيان سلامة حلاً للأزمة الناشئة، بل يرى أنه قد "يؤسّس" لإيجاد حل يرضي الجميع ويعالج التداعيات الناجمة عن القرار الأميركي.

وفي هذا السياق، رشحت معلومات عن لقاء هيئة مكتب جمعية المصارف مع وزير الصناعة حسين الحاج حسن والنائب علي فياض والنائب السابق أمين شري. وتفيد أن المصارف قرّرت التعاون مع الآلية التي اقترحها سلامة لجهة إبلاغ "هيئة التحقيق الخاصة" قبل إغلاق أي حساب أو تجميده.

وأشارت المعلومات إلى أن مسؤولي الحزب أعربوا خلال الاجتماع عن توجّسهم وقلقهم من حملة إقفال أو تجميد حسابات الزبائن من الطائفة الشيعية التي شنّتها مصارف خلال الأشهر الماضية، وطلبها من بعض المؤسسات التعليمية والنواب والمستشفيات والمؤسسات الاجتماعية المقرّبة من الحزب إغلاق حساباتها. ولفت المسؤولون إلى أن بعض المصارف متواطئة في استهداف البيئة الحاضنة للحزب، لأسباب سياسية أو تجارية، أو ربما بسبب الخوف غير المبرّر من العقوبات. واتهموا مصرفاً أساسياً بلعب دور سلبي في هذا الملف والتحريض على الالتزام المفرط بالقانون الأميركي ومراسيمه التطبيقية.

ماذا لو فشلت التسوية؟

في حين يبقى احتمال فشل المفاوضات ومعه التسوية قائماً، فمن المؤكّد أن الحزب لن يسكت وسيردّ بـ"الطريقة المناسبة". ولكن ما هي طبيعة هذا الردّ وحدوده؟

لم يصدر حتى الآن أي تعليق من حزب الله حول الإجراءات التي سيواجه بها المصارف في حال فشلت التسوية واستمر استهداف جمهوره. ولكن مصادر مطلعة لا تستبعد أن يذهب الحزب بعيداً في هذه المواجهة، ويغلق فروع بعض المصارف في مناطق نفوذه، أو يضغط على أصحابها عبر مصالحهم. أو قد يُجبر بعض المؤيدين على سحب ودائعهم من مصرف معيّن. كما قد يعمد إلى الضغط سياسياً وشعبياً وإعلامياً على الحكومة لتتخلى عن موقفها المحايد.

الجميع ينتظرون الآن عودة حاكم مصرف لبنان من زيارته الأوروبية لتحديد ما ستؤول إليه الأمور، ولكن بعض المصادر أعلنت أنه قد يزور واشنطن لمناقشة التطورات الأخيرة مع المسؤولين الأميركيين.

والأكيد الوحيد حتى الآن، هو أن القطاع المصرفي لن يتراجع عن الالتزام بالقانون الأميركي "مهما كلّف الأمر". لأن تداعيات التراجع ستكون كارثية ومدمرة للقطاع، ومعه الاقتصاد اللبناني برمته. بدوره، لن يسكت حزب الله على إجراءات المصارف، التي سيدفع ثمنها جمهوره وبيئته الحاضنة. وستؤدي بالتالي إلى نقمة شديدة عليه. والأيام المقبلة كفيلة بتحديد نتائج هذه المواجهة.

 

كلمات مفتاحية
حزب الله لبنان

التعليقات

المقال التالي