كيف ظهر حمزة بن لادن؟ وهل يعيد الكاريزما إلى "القاعدة"؟

كيف ظهر حمزة بن لادن؟ وهل يعيد الكاريزما إلى "القاعدة"؟

"أبشروا بالنصر لاح.. إخوتي في كل ساح..

يملأ الأرجاء نوراً وضياء كالصباح..

فيه بالحق نسود مثلما كان الجدود..

فيه أقصانا يعود.. فيه تلتئم الجراح".

بهذا النشيد بدأ التسجيل الصوتي الذي حمل عنوان "رسالة حمزة أسامة بن لادن، ما القدس إلا عروس مهرها دمنا" حول القدس، ومدته 17 دقيقة.


Hamza-Bin-Laden-10052016-101222
بدا الزخم واضحاً في التسجيل وفي صوت نجل أسامة بن لادن العائد ليدعو المسلمين، وتحديداً جماعات "الجهاد" في سوريا، للتوحد تمهيداً لتحرير فلسطين. تزامن ذلك مع تداول صورة لحمزة في عمر صغير تذكر بصورة والده في البزة العسكرية وعصبة الرأس البيضاء. اليوم، ترجّح المصادر بلوغ حمزة، نجل بن لادن الحادي عشر من زوجته الثالثة، عمر الـ24، ووجوده في قطر، بينما تُطرح الأسئلة عن عودة "القاعدة" إلى "أيام مجدها" في واجهة القتال، بعد تراجعها تحت قيادة أيمن الظواهري أمام تنظيم الدولة الإسلامية المتنامي عدداً وعتاداً وقدرة على جذب المجاهدين الشباب والاستحواذ عليهم.

في تسجيلات مصورة سابقة له، يظهر حمزة وهو يتدرب على القتال. في الظاهر يمتلك "الكاريزما" التي كانت لوالده، علماً أن الأخير كان قد أشار في رسائل سابقة إلى قرب حمزة منه ونيته في أن يخلفه.



أما الروح الشبابية لحمزة فتعد "رأسمالاً" جيداً لاستثماره اليوم في جذب العناصر الشابة التي استقطبها "داعش" وفي بث الروح في "جيل المستقبل" في "القاعدة". لكن ذلك قد لا يكفي بحسب المتابعين، فحمزة يقيم في الخارج (قطر تحديداً) بعدما أرسله والده سابقاً لـ"طلب الفقه"، والظواهري غير راض عن توليه القيادة، ما يطرح احتمال الصراع الداخلي، إضافة إلى تعقيدات المرحلة وتشابكها سورياً وعراقياً ودولياً.

وبين احتمال العودة من عدمه، تبقى الإضاءة على ظهور حمزة مهمة على عدة أصعدة، وقد شغلت اهتمام الإعلام العالمي فضلاً عن أجهزة الاستخبارات والمتابعين للشأن الجهادي.

من هو حمزة وكيف بدأت مسيرته؟

"هو يحمل الاسم والرسالة التي تحتاجها القاعدة لتجديد ثقلها”، هكذا عرفت عنه قناة "سي أن أن" الأميركية، موضحة أنه في أواسط العشرين من العمر، وإن كان لديه مسؤوليات بسيطة في "القاعدة" اليوم، فإن تأهيله للقيادة جار على قدم وساق، باعتباره ممثل الجيل الجديد من القيادة الجهادية. بحسب خبراء "السي أن أن"، أمضى حمزة أغلب سنواته قريباً من والده ويؤمن بمنهجيته، بينما يشير مؤلف كتاب "ولايات الجهاد المتحدة" إلى أن قوات "سيلز" كانت تعتقد بأن حمزة سيكون مع والده عندما هاجمت مجمع آبوت أباد مستهدفة أسامة في العام 2011، لكنه لم يكن موجوداً.

في الوثائق التي عُثر عليها في مخبأ بن لادن العام  الماضي، كان ثمة وثيقة تحمل الرقم 10، تقول مجلة "فورين بوليسي" أن محتواها يظهر بن لادن الأب مهتماً بسلامة حمزة من الملاحقة الأمنية، ويدعو التنظيم إلى إبلاغ الأخير رسالة مضمونها "بلغنا أن حمزة أرسل إليكم أرقاماً لأخيه محمد، وأرفق معها رسائل محددة يتصل به أحد الإخوة ويبلغها له، فإن كان الاتصال لا يزال جارياً، فحبذا أن يتصل أحد الإخوة في الأماكن التي لا تخشون أمنياً من الاتصالات فيها، ويبلغ محمد بأن حمزة يخبره بأن والده يطلب منهم أن يذهب هو ووالدته وإخوته جميعاً بأسرع ما يمكن إلى قطر ويقيموا فيها إلى أن يأتي الفرج، وهو قريب بإذن الله، ويجتهدوا في طاعة الله وطلب العلم".

وفي الوثائق أيضاً يظهر أن حمزة تدرب على صنع واستخدام المتفجرات، وقد أبدى منذ صباه الباكر رغبة في الالتحاق بصفوف الجهاديين. وبحسب مسؤولي الاستخبارات، كان حمزة محل اهتمام بالغ من والده وكان يصطحبه معه فى جميع الأسفار والاجتماعات الهامة لمجلس شورى التنظيم، على الرغم من صغر سنه، إضافة إلى أن والدته (الحاصلة على درجة الدكتوراه) كانت حريصة على تنمية مهاراته، وعلى تعليمه عدة لغات".

وبينما استبعد وجود خالد، الابن البكر لبن لادن، عملية تحضير حمزة للخلافة، أسهم مقتل خالد برفقة والده في عودته إلى الواجهة. وقد عرف حمزة بتلاوة إحدى أشهر قصائد أسامة بن لادن التي كتبت في نهاية التسعينيات، وكانت من جزئين، بأربعة وأربعين بيتاً شعرياً، كان النصف الأول بصوت حمزة، والنصف الآخر برد أبيه عليه. كما ظهر الشاب العام الماضي مطالباً بنقل "ساحة المعركة من كابول وبغداد وغزة، إلى واشنطن ولندن وباريس وتل أبيب، وضرب جميع المصالح الأمريكية واليهودية والغربية في العالم".

وقد عاد ليظهر هذا الأسبوع من بوابة تحرير فلسطين، في تسجيل صوتي دعا فيه لـ"نبذ التفرقة بين الفصائل السورية"، باعتبار "سوريا بوابة للقتال من أجل تحرير القدس". في التسجيل أكد حمزة إصرار المقاتلين على تحرير فلسطين بالرغم من "اتفاقيات السلام"، داعياً إلى "تطهير الدولة الإسلامية من داعميهم اليهود" (في إشارة إلى الولايات المتحدة والغرب). وبشر حمزة بـ"تكوين جيش عظيم" وصفه بـ"السحاب العرمرم لتحرير القدس".

هل يعود تنظيم "القاعدة" على يد حمزة؟

جاء خطاب حمزة بن لادن بعد يوم واحد على تسجيل مماثل للظواهري قال فيه إن "الصورة الوحيدة في ثورات الربيع العربي هي الثورة في الشام، لأنها انتهجت الطريق الصحيح"، في وقت وجه حمزة انتقادات لتنظيم الدولة وزعيمه أبي بكر البغدادي الذي أعلن إقامة "الخلافة" في العام 2014، مضيفاً في هذا الصدد أن "القاعدة" اكتسبت نفوذاً متزايداً. التسجيلان أتيا في الذكرى الخامسة لمقتل بن لادن.


بحسب محلل شؤون الأمن القومي في شبكة "سي أن أن"، فإن الرسالة التي بثها حمزة "تدعو للقلق"، فهو يملك اسم العائلة، ويلعب الآن دوراً في الماكينة الدعائية للتنظيم، وعمره صغير نسبياً مقارنة بأعمار بعض قيادات القاعدة الذين هم في الخمسين أو الستين من العمر.

واضح أن التنظيم لم يعد له القوة السابقة، وأصبح جزءاً من حركة طالبان الأفغانية، وضمر نفوذه أمام تعاظم قدرة الدولة الإسلامية. وهذا ما دفع المحللين للقول إن استثمار حمزة للإرث التاريخي والرمزي لوالده، لن يكون كافياً لمواجهة "داعش" لا سيما في ظل ما تعانيه القاعدة في اليمن وغيرها من الدول العربية.

صحيح أن الكاريزما التي يفتقر لها الظواهري يمتلكها حمزة، لكن ذلك لم يمنع المتابعين من اعتبار خلافة الأخير "تقديراً مبالغاً به"، باعتبار أن المقاتلين ما زالوا يتأثرون بمن قاتل لثلاثين عاماً في الساحات أكثر من حمزة الفتي، لا سيما أنه خارج الأراضي الأفغانية حالياً.

وكانت صحيفة "الحياة" السعودية أشارت العام الماضي بعد بث تسجيل حمزة إن متخصصين في تتبع التنظيمات الإرهابية أشاروا إلى اعتراض الزعيم الجديد لحركة طالبان الملا أختر منصور على تزكية نجل الزعيم السابق للحركة الملا عمر خلفاً لوالده، وعليه لا يتوقعون من أيمن الظواهري أن يفسح المجال لابن الزعيم السابق، وإن كان حمزة يطمح فعلياً إلى خلافة والده، مثلما حدث مع نجل الملا عمر، الذي اعترض أمير طالبان الجديد الملا منصور على توريثه.

في مقال لـ"الاندبندنت" تحت عنوان "هل يصبح نجل بن لادن زعيم "القاعدة" المقبل؟"، تنقل الصحيفة عن مديرة موقع "سايت" المتخصص بالحركات الجهادية ريتا كاتز إلى أن حمزة يظهر كصورة "القيادي المستقبلي المحبوب والملهم، من دون أن يكون ذا سيرة سلبية"، في وجه لاكارزمية الظواهري.

في المقابل، يشير المحلل في جامعة "كينغز كولدج" البريطانية إلى أن حمزة، وإن حمل صفة "الأمير المتوج"، لا يمكن أن يعتبر "الرجل المفتاح في القاعدة خلال هذه المرحلة". وعلى الرغم من حفاظ صورة بن لادن على شكلها السابق كـ"أب وملهم للقاعدة"، فإن نجله يدرك أنه لا يستطيع الآن الخروج من عباءة الظواهري”.

مع حمزة أو الظواهري.. "القاعدة" عائدة إلى المواجهة السورية؟

"القاعدة ستعود إلى سوريا مع مخطط لمواجهة "داعش". هذا عنوان المقال الذي نشرته "نيويورك تايمز" بتوقيع إريك شميت. بحسب الخبراء، فإن الظواهري توجه إلى "جبهة النصرة" لتكون مركز "القاعدة" في سوريا، على معايير واضحة لمواجهة الدولة الإسلامية، بعد الانفصال عنها في العام 2013. ويتيح المخطط العمل المباشر في سوريا، والقدرة على جذب المقاتلين من لبنان والعراق وتركيا والأردن. وتأسيس الإمارة عبر "النصرة" شمال سوريا سيمد، بحسب الخبير الجهادي شارلز ليستر، "القاعدة" بالبروباغندا اللازمة. ويمكن لـ"القاعدة" أن تقدم نفسها كتنظيم "ذكي ومنهجي وصامد على عكس تنظيم الدولة الذي يعد مرحلياً". وهكذا سيعتمد مخطط "القاعدة" لتأسيس الدولة الإسلامية على تكتيكات مختلفة في العلاقة مع الأطراف المقاتلة في سوريا وفي الخطاب الموجه لمسلمي العالم، تستفيد من أخطاء "داعش".

يقلق هذا الوضع المجتمع الدولي، بحسب "نيويورك تايمز"، لا سيما في ظل وجود متمولين كبار في سوريا يدعمون "القاعدة"، إضافة إلى قيادات من "النصرة" لا تزال ترى في "القاعدة" خياراً براغماتياً واستراتيجياً.

قد لا يكون هذا المخطط سهل التطبيق، فماكينة "داعش" الدعائية ودمويتها في مواجهة "العدو المباشر" لا تزالان أكثر جذباً من تسجيلات "القاعدة" الصوتية. وفي حين أن حمزة قد لا يخلف الظواهري قريباً، إلا أن التطورات الداخلية في صفوف التنظيم والخارجية على صعيد المخططات تقتضي مراقبة دقيقة لفهم التطورات الجهادية في الساحتين السورية والعربية في المديين المنظور والبعيد.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي