الجهاديون المتطرفون يدرسون العلوم أكثر من الشريعة

الجهاديون المتطرفون يدرسون العلوم أكثر من الشريعة

تدل الصورة النمطية السائدة للمتطرفين المتشددين أو الجهاديين على أنهم متمرسون بالشريعة الإسلامية لدرجة أنهم نصّبوا أنفسهم دعاة لتطبيقها على أرض الواقع. لكن الإحصاءات والدراسات تؤكد أن أهم الجهاديين الإسلاميين حول العالم تخصصوا في مجالات علمية بحتة بعيدة كل البعد عن دراسة الشريعة والأديان.

صدر أخيراً تقرير عن مركز الدراسات الدينية والجغرافيا السياسية يبحث في أهم مئة شخصية جهادية إسلامية خلال العقود الثلاثة الماضية. وخلص التقرير إلى جملة من الحقائق الصادمة خاصة في ما يتعلق بتحصيلهم العلمي.

اعلان


شملت الدراسة 49 مجموعة جهادية مختلفة تنشط في 41 دولة، وركّزت على القيادات العليا فيها لا سيما في تنظيم القاعدة وجبهة النصرة وداعش وغيرها.

تشير الدراسة إلى أن 46% من الجهاديين المئة، عينة البحث، درسوا في الجامعة، و57% منهم درسوا في تخصصات علمية بحتة تعرف اختصاراً بـSTEMM وهي كليات العلوم، التكنولوجيا، الهندسة، الرياضيات والطب.

وهذا المعدل هو ضعفٓيْ عدد الجهاديين الذين درسوا تخصصات دينية إسلامية ونسبتهم 28%. وهناك 11% من الجهاديين تخصصوا في مجالات انسانية أو اجتماعية.

أما الجهاديون الذين يملكون دوراً مؤثراً بين القيادات، مثل القضاة الشرعيين والمنظّرين والذين يقدمون التوجيه الفكري ضمن الجماعات الجهادية، فلدى 29% تخصص علمي وليس دينياً، و18% منهم فقط يحملون شهادات في الدراسات الدينية.

هذه المعدلات تتفق مع دراسات سابقة مثل تلك الصادرة عن كلية ويست بوينت العسكرية الأمريكية التي أظهرت أن نصف المقاتلين الجهاديين درسوا في الجامعة أو المعاهد، بينما المتخصصون في الدراسات الشرعية ضعيف جداً ونسبتهم أقل من 2%. كما لم تغفل الدراسة أن بعضهم حصل على شهادات عليا كالدكتوراه أو درس في جامعات مرموقة مثل كامبردج.

الجهاديون المثقفون علمياً

إن أشهر اسمين من بين الجهاديين العالميين أسامة بن لادن الذي يحمل شهادة في الهندسة المدنية من جامعة الملك عبد العزيز في جدة، وأيمن الظواهري الذي يحمل شهادة في الطب البشري في جامعة القاهرة وتخرج منها مع سيد إمام الشريف الذي يعتبر أول أعضاء المجلس الاستشاري الأعلى في تنظيم القاعدة.

من المثير للاهتمام أن التخصصات الهندسية تلقى رواجاً كبيراً بين الجهاديين، مثلاً خالد شيخ محمد، العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر، يحمل شهادة في الهندسة الميكانيكية من جامعة أمريكية  و8 من أصل 25 متهماً بالهجمات كانوا مهندسين. سيف الدين رزقي الذي قتل 38 شخصاً على شاطئ سوسة في تونس، عمر فاروق عبد المطلب الذي حاول تفجير طائرة متجهة إلى هولندا تحمل 289 شخصاً لديه شهادة في الهندسة الميكانيكية من كلية لندن، بالإضافة إلى عبد السبحان قريشي مخطط الهجوم على قطارات مومباي، فيصل شاهزاد الذي وضع سيارة محملة بالمتفجرات في تايمز سكوير، كلهم يحملون شهادات جامعية هندسية. أنور العولقي الذي يعتبر الملهم الروحي لتنظيم القاعدة يحمل العديد من الشهادات الجامعية مثل الاقتصاد والهندسة المدنية وشهادات عليا كالماجستير والدكتوراه وكلها من جامعات أمريكية.

What Terrorists Do InfoGraph

أسامة العبسي الواحدي المعروف باسم أبو محمد الجولاني ويعتبر قائد جبهة النصرة، درس في كلية الطلب البشري بجامعة دمشق لعامين قبل أن يقطع تعليمه ويسافر إلى العراق ليعمل تحت إمرة أبو مصعب الزرقاوي في تنظيم القاعدة.

عبد المنعم عز الدين علي البدوي المعروف باسم أبو أيوب المصري أو أبو حمزة المهاجر تم تعينه زعيم تنظيم القاعدة بعد مقتل أبو مصعب الزرقاوي وبعدها نائب أول لأبو عمر البغدادي، وقد تنقل بين كليات الصيدلة ومن ثم الاقتصاد قبل أن ينتقل إلى العلوم الشرعية والدراسات الإسلامية.

أما من أشهر الشخصيات الجهادية ذات الاهتمام الدراسي الديني فإبراهيم عواد إبراهيم علي البدري السامرائي المعروف باسم أبو بكر البغدادي قائد تنظيم داعش الذي درس في كلية الشريعة الإسلامية بجامعة بغداد ليحصل على شهادة في الدراسات القرآنية ثم تابع الماجستير والدكتوراه في تلاوات القرآن الكريم. لكن البغدادي كان يبدي اهتماماً بدراسة تخصصات غير دينية مثل القانون والتربية  وعلم اللغات إلا أن معدل درجاته لم تكن كافية لدخوله تلك الفروع.

ومن الأسماء الجهادية المعروفة والتي لديها توجه دراسي ديني، عبد الله عزام قيادي رائد في أفغانستان حصل على الإجازة الجامعية بالشريعة من جامعة دمشق وماجستير في أصول الفقه من جامعة الأزهر ودكتوراه في التخصص نفسه وعمل في عدة جامعات كالأردنية والملك عبد العزيز والجامعة الإسلامية العالمية.

 

لماذا يدرس الجهاديون تخصصات علمية؟

في كتاب "مهندسو الجهاد: الارتباط الغريب بين التطرف والتعليم" بحث المؤلفان Diego Gambetta وSteffen Hertog في ما وصفوه بـ "لغز المهندسين" الذي يفسر وجود الاختصاصات الهندسية بكثافة في صفوف المجاهدين.

شمل البحث 497 مقاتلاً من مختلف قارات العالم والمجموعات الجهادية، وأظهرت النتائج أن عدد الدارسين في تخصصات هندسية يصل إلى 14 مرة أكثر من المعدل الطبيعي الذي يمكن تفسيره.

يرى الكتاب أن الحركة الإسلامية ظهرت بين النخبة وليس بين الفقراء والمعوزين، ومن هنا ظهرت نظريتان للتفسير:

  1. الحرمان النسبي: اعتبرت التخصصات الهندسية من المجالات المرموقة في دول الشرق الأوسط أثناء فترة ما بعد الاستعمار إلى اليوم، ومع ارتفاع معدلات البطالة لاحقاً أصبح المهندسون لا يجدون فرص عمل ذات معنى لحياتهم كما كانوا يتوقعون. ومن ثم اندفع هؤلاء إلى العنف السياسي. وهذه النظرية لا تنطبق على الجهاديين الذين تلقوا تعليماً عالياً من الدول الغربية. ويشير الكتاب إلى أن حملة الشهادات الهندسية من دول غير خليجية من المحتمل أن يتحولوا إلى الجهاد والتطرف الإسلامي أكثر مقارنة بالدول الخليجية بسبب ضعف فرص العمل فيها مقارنة بالسعودية مثلاً.
  1. عند مقارنة الانتماءات السياسية اليمينية واليسارية المتطرفة في الدول الغربية، يظهر ارتفاع وجود المهندسين بين المتطرفين اليمينيين بشكل عام، بينما المتخصصون بالعلوم الإنسانية أو الاجتماعية يظهرون بشكل أكبر بين المتطرفين اليساريين.

من خلال الجمع بين الانتماء وعقلية التفكير مع العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تؤثر على حملة الشهادات الهندسية في الدول العربية التي تعاني من سوء معايير الحياة وجودتها، يجد الكتاب أن هذا هو السبب الذي يدفع المهندسين للانخراط في الجماعات الإرهابية.

وتؤكد نتائج الدراسة المذكورة آنفاً أن عقلية الجهادي القيادي تبحث في تبسيط المسائل بحيث تطرح بوجهين فقط، ولا تحتمل الجدال المطول في المسائل الثانوية، وعليه فإن المتخصصين بالفروع العلمية هم الأقدر على هذا الأمر.

 

كلمات مفتاحية
العالم

التعليقات

المقال التالي