انتخابات بلدية بيروت... هل من مبرّر لفرحة المدنيين؟

انتخابات بلدية بيروت... هل من مبرّر لفرحة المدنيين؟

لأعضاء لائحة "بيروت مدينتي" ولداعميها أن يفرحوا بالأرقام التي حققتها في انتخابات بلدية بيروت. لا بل لكل اللبنانيين التوّاقين إلى التغيير في بلدهم أن يفرحوا. فما حصل ليس أمراً بسيطاً.

ليس بسيطاً أن تنال لائحة مستقلة عن أحزاب الطوائف 40% من أصوات الناخبين في العاصمة اللبنانية، خاصةً أنها واجهت لائحة تضم كل أحزاب السلطة (باستثناء حزب الله).

فما حصل يؤكد واقع تململ اللبنانيين من أحزابهم المهترئة التي صارت، منذ وقت طويل، تمارس العمل السياسي من أجل الحفاظ على نفسها وهياكلها التنظيمية لا من أجل خدمة المصلحة العامة. وهو بلا ريب محطة في مسيرة التغيير المتقطعة التي مرّت بحملة إسقاط النظام الطائفي ثم بـ"انتفاضة النفايات".

وما حصل يحمل الأمل بغد أفضل، وبإمكانية إعادة بناء ولاءات اللبنانيين على أسس جديدة أكثر حداثة، وباحتمال ولادة المواطن اللبناني التي طال انتظارها، وبدفع اللبنانيين إلى ربط أصواتهم بحياتهم وحياة أبنائهم لا بحياة الطائفة وأمجادها التي لا تنعكس عليهم إلا من خلال فضائح سرقة الأموال العامة والتعدي على الأملاك العامة التي يتداولها الجميع.

أقوال جاهزة

شارك غردنتائج انتخابات بلدية بيروت... إنجاز مهم ولكن حذار من الإفراط في الحماسة

شارك غردما الذي يجب أن ينتبه إليه التيار المدني في لبنان كي لا يخسر ما حققه في انتخابات بلدية بيروت؟

لطالما كانت بيروت قبلة اللبنانيين ومحرّكهم الدافع نحو المدنية والحداثة. ولطالما كانت المكان الذي يصهر انتماءاتهم الطائفية والمناطقية ليُنتج أجساماً جديدة بعضها حديث يتجاوز بحداثته البنية الاجتماعية البيروتية التقليدية وبعضها الآخر مشوّه.

ولكن البنية السياسية لبيروت لا تسمح بالتعبير عمّا تولّده هي نفسها. فبيروت هي، بشكل أو بآخر، "للبيارتة"، أي لناخبيها، فهم الذين ينتخبون وهم الذين يصنعون صورة سلطتها المحلية التي تختلف بطبيعة الحال عن صورة أبناء المدينة-سكّانها. وهذا لا يعني أن صورة الأخيرين هي حكماً أفضل ولكن يعني استعصاء أن تشبه بيروت نفسها.

ولأن بيروت لا تشبه نفسها ولا تشبه أبناءها-سكّانها فهي تشوّههم لأنها تحوّلهم إلى مقصيين لا تملّ بعض الأصوات التقليدية من وصفهم بالغرباء والدخلاء، فيحملون تشوّههم إلى مسقط رأسهم ويشوّهونه بدلاً من أن يحملوا من مدينتهم ميولاً مدنية وحداثية.

لأعضاء لائحة "بيروت مدينتي" ولداعميها ولكل اللبنانيين التوّاقين إلى التغيير في بلدهم أن يفرحوا ولكن عليهم الحذر من البناء على ما حصل بفائض حماسة.

فإضافة إلى تعبير نتائج الانتخابات عن تململ جزء كبير من اللبنانيين من أحزابهم المترهّلة، فهو أيضاً تعبير عن تصويتهم ضدها لتأديبها كما تؤدب الأم ابنها بدون أن يعني ذلك أنها صارت تحب أبناء الآخرين أكثر.

لقد خاضت "بيروت مدينتي" الانتخابات في وجه لائحة تمثل كل أحزاب السلطة اللبنانية (باستثناء حزب الله) ولكن ما حققته في مواجهة منافسيها لا يدلّ على قوّتها. فلأن الأحزاب ائتلفت في لائحة واحدة، أمكن لـ"بيروت مدينتي" أن تحقق إنجازها.

فالأحزاب اللبنانية لا تقوى باتحادها. حين تتحد تصير تعبيراً عن "السلطة" التي يشتمها كل اللبنانيين بلا كلل (السلطة المغفّلة التي لا يمكن تحديد أين هي بالضبط).

الأحزاب اللبنانية تقوى بالانقسام وبرشق بعضها بعضاً باتهامات تجول على الماضي وتصل إلى الحاضر. بذلك تمسّ الطبقة العميقة من كل لبناني، تلك الطبقة التي تحمل هواجس قرون مضت وتمنع ولادة الدولة المدنية العابرة للطوائف. أما اتحاد الأحزاب في لائحة "البيارتة" فقد نزع عصب أبناء الطوائف التوّاقين إلى تحدّي أبناء الطوائف الأخرى، فجعلهم، للحظة، يتوهّمون أنهم مدنيون.

باختصار، إذا كان مدنيو لبنان يريدون البناء على ما حصل وتطويره، فإن عليهم أن يفهموا أن قدراً كبيراً من الإنجاز الذي تحقق يعود إلى الظروف الحالية الخاصة التي لن تتكرّر على الأرجح. وعليهم أن يبحثوا عن الثابت في إنجازهم ليمتّنوه ويبنوا حوله حالة تتوسّع، ومن أجل ذلك عليهم بناء الجزء المنسي دائماً في خطابهم ألا وهو الجزء القادر على جذب أبناء الطوائف حين تتصادم أحزاب الطوائف.

 

عماد هاشم

كاتب لبناني مقيم في فرنسا

التعليقات

المقال التالي