تعرّفوا على موريتانيا اليوم وقضاياها من خلال رسوم الكاريكاتير

تعرّفوا على موريتانيا اليوم وقضاياها من خلال رسوم الكاريكاتير

هنالك قاسم مشترك يلحظه المتصفّح لصفحات الموريتانيين على شبكات التواصل الاجتماعي والناظر إلى اللافتات الاحتجاجية والمناشير التعبوية المطلبية. إنه رسوم الفنان الموريتاني خالد ولد مولاي أدريس الذي يحاول التغيير في بلده من خلال نقد الواقع بالكاريكاتير.

ولد مولاي أدريس هو رئيس اتحاد الفنانين التشكيليين الموريتانيين. وسبق أن أقام معارض تشكيلية عدّة بالإضافة إلى رسمه أكثر من ألف كاريكاتير. قال لرصيف22: "يجب فهم الكاريكاتير داخل سياقه نفسه، لأنه فنّ الاختزال وفنّ النقد، أي أنه ليس فنّ محاباة أو فنّ تطبيل أو نقل مآثر القوم. هو ينقد الواقع داخل المجتمعات والأنظمة، وبالتالي هو فنّ مشاكس ومقلق للأنظمة".

وتابع: "من المعلوم أن المجتمع الموريتاني، المجتمع التقليدي المحافظ الذي تخلو منظومته من التجسيد أو الرسم، يعتبر الفن التشيكلي أو الكاريكاتير بصورة عامة وافداً مقلقلاً للمجتمع وللنظام على حد سواء".

وعن تجربته قال: "حاولت من خلال بعض الرسوم الكاريكاتيرية البسيطة أن أنقد بعض مسلكيات المواطنين والشخصيات العامة وقادة الرأي والسياسيين".

والآن، لنرَ كيف تحكي كاريكاتيراته قصة الواقع الموريتاني؟

القبيلة أقوى من الدولة

من الإشكاليات المطروحة بشكل واسع في موريتانيا، إشكالية علاقة القبيلة والدولة. يمتعض البعض من تضخّم نفوذ القبيلة على حساب المؤسسات المدنية، وارتماء النخب في أحضان الكيان القبلي واتخاذه مصعداً للتوظيف والفعل السياسي. هذه الإشكالية تحضر في كاريكاتيرات ولد مولاي أدريس.

أقوال جاهزة

شارك غردرئيس اتحاد الفنانين التشكيليين الموريتانيين ولد مولاي ادريس يعرفنا على أبرز مشاكل الموريتانيين اليوم

شارك غردفي معرضه الأخير، منع عرض 6 من رسومه... كيف يصوّر فنان الكاريكاتير الموريتاني ولد مولاي أدريس واقع بلده؟

وقال: "تحدثت في أحد رسومي عن انقياد المثقف للقبيلة، وهو خلل جوهري يوضح قوة القبيلة على حساب الدولة. فالانتماء الكلي للشاب الموريتاني هو للقبيلة بدل أن يكون للدولة، ما يسبب خللاً جوهرياً في بناء الدولة".

ورسم الفنان كاريكاتيراً يُظهر شخصاً لديه مجموعة من الشهادات وشخصاً آخر يبدو عليه أنه شخص جلف ويُمسك جزرة، قاصداً الإشارة إلى القوة والنفوذ التي تمتلكها القبيلة ويطمع بها المثقف.

1

ويظهر بشكل جلي وواضح في كاريكاتيرات ولد مولاي أدريس امتعاضه من تملّق النخب للنظام وهو ما يعتبره مقززاً. وروى أنه "عام 2014، قام رئيس الجمهورية بزيارة لمدينة داخلية، وقد شاهدت مشهداً مقززاً وصادماً: منتخَبان محليان يُفترض أن الشعب انتخبهما كانا يجريان أمام سيارة الرئيس. فجسدت المشهد في كاريكاتير نائب يجري وراء سيارة، وتم تهديدي آنذاك".

تفاعل مع الحراك الاحتجاجي المطلبي

أخيراً، بدأت موجة من المطالبة بخفض أسعار المحروقات انسجاماً مع انخفاضها العالمي، واتُّهمت الحكومة الموريتانية باستغلال المواطنين الضعفاء. وقد تجسّد ذلك في حملة شعارها "مان شاري كازوال"، أي لن أشتري البنزين. وقد انطلق هذا الشعار بدايةً كهاشتاغ ثم تحوّل إلى نشاط ميداني قمعه النظام.

تفاعل ولد مولاي أدريس مع ذلك الواقع. وقال: "أحاول أن أجسّد رؤيتي للأوضاع والحراك المجتمعي بشكل عام من خلال الكاريكاتيرات. فمثلاً، قمت برسم كاريكاتير حول أزمة ارتفاع سعر الوقود رغم انخفاضه عالمياً. وقد رسمت شخصاً معلقاً بخرطوم أنبوب بنزين وشخصاً آخر يجني من أنبوب البنزين مئات الآلاف".

3

وقد عالجت كاريكاتيرات ولد مولاي أدريس أزمة سياسات الحكومة الضريبية التي يشكو منها المواطنون، بالإضافة إلى ارتفاع الأسعار بشكل عام.

4

5

ذكورية المثقفات وأشياء أخرى

تحضر المرأة وبعض همومها في ما يرسمه ولد مولاي أدريس. لكن لديه انتقاداً يوجهه إلى بعض المثقفات والكاتبات الموريتانيات اللواتي يتناولن قضايا المرأة بعقلية ذكورية.

"القلم قلم إمرأة والأفكار ذكورية"، قال مضيفاً أن "نوعية التفكير لدى المرأة الموريتانية لا يزال محكوماً بالسيطرة الذكورية على المشهد الثقافي والسياسي، فحتى حين تطالب المرأة بحقوقها فهي تطالب بها بعقلية متحفظة ترنو إلى محاباة الرجل في تحفظاته حولها".

6

وتابع: "ما وصلت إليه المرأة اليوم من وظائف كان منّة وليس استحقاقاً، لأننا لا نزال نقول إنه يجب أن يكون هنالك تمييز إيجابي وتمييز نسبي داخل المجالس الدستورية وداخل المجالس البرلمانية. ولكن هذا يجب أن يكون بشكل استحقاقي نظراً لزيادة الوعي والدراسة لدى المرأة، وقد آن الأوان لأن تأخذ المرأة مكانتها استحقاقا وليس منّة".

وقد تطرق الفنّان أيضاً في رسومه إلى النفاق المجتمعي وتمظهر البعض بقيم ومظاهر تناقض أفعاله. كما تناول قضية تزييف وسائل الإعلام الرسمية للحقائق.

8

وانتقد واقع حرية التعبير في ظل نظام عسكري.

12

وتحدث عن العدالة العرجاء. وانتقد دعوات بعض الوزراء إلى زيادة صلاحيات الرئيس وتعديل الدستور.

9

دفاع عن حرية التعبير

انتهاكات حرية التعبير هي أيضاً مواضيع كاريكاتيرات ولد مولاي أدريس. وقال: "رسمت كاريكاتيراً حول حرية التعبير يتضمن وجهة نظري في النظام الحاكم الموريتاني، وهي أنه حكم شبه عسكري بأيادٍ مدنية. وكان الكاريكاتير عبارة عن عسكري يقف وراء شخص مدني ويحمل سلاحاً ويكمم فمه ويضع يده الأخرى على عينيه حتى لا يراه. أرى أن النظام لديه كتيبة عسكرية وأخرى مدنية".

11

شهدت موريتانيا في السنوات الأخيرة بعض التجاوزات في حق أصحاب الآراء المخالفة للسلطة والمحتجة على الواقع. وسُجن بعض النشطاء الحقوقيين المناهضين للعبودية ولا يزال إثنان منهم في السجن، كما أوقف برنامج تلفزيوني يحمل عنوان "في الصميم"، وأوقف قبله برنامج يدعى "صحراء تووك، عدا قمع التظاهرات واعتقال الناشطين المشاركين فيها والتنكيل بهم.

لم يسلم ولد مولاي أدريس من التضييق. فقد صودرت بعض لوحاته، وكان ينوي عرضها في معرض نظمه في نواكشوط في الشهر الماضي، بالتعاون مع نقابة الصحافيين الموريتانيين وشبكة الصحافيات الموريتانيات.

وعن ذلك قال: "كان معرضاً روتينياً، وهو معرض سنوي دوري يضم مئة كاريكاتير تعكس المشهد الموريتاني حسب رؤيتي. ولكنّي فوجئت بصراحة، بعد موافقة المتحف الوطني ووزارة الثقافة على إقامة المعرض في المتحف، بمصادرة ستة كاريكاتيرات رأى الوزير والقائمون على المتحف أن بها نقداً لاذعاً للنظام".

وتابع: "حتى أنه في بداية المعرض، قُطع النور عن المتحف نفسه. لكن المعرض أقيم ورأى الزوّار الرسوم باستخدام أضواء الهواتف النقالة".

وأضاف أنه فوجئ بعد ما حدث بتصريحات وزير الثقافة و"تحدثه عن اعتذاري عن الكاريكاتيرات ونزعها بنفسي من قاعة العرض، وهذا أمر ما أنزل به الله من سلطان. فأولاً أنا لم أعتذر لأني لا أرى أني فعلت ما يستوجب الاعتذار... وثانياً لم أنزع الكاريكاتيرات بل نزعوها هم".

13

تسبّب تصريح الوزير للفنان ببعض المشاكل، بحسب ما قال، خاصةً أنه اتهمه بالإساءة إلى رمز وطني وهو ما دفع بعض الأشخاص "الملكيين أكثر من الملك" إلى تهديده وتهديد أفراد عائلته، ولذلك عقد مؤتمراً صحافياً طالب فيه الوزير بالاعتذار.

ومن بين الرسوم الممنوعة، واحد بعنوان "القيادة الرشيدة".

14

وقال ولد مولاي أدريس: "هو كاريكاتير يصوّر شخصاً أعمى يقود شخصاً مقطوع الرأس، وهو للقول إن بعض النخب غير المثقفة لا تمتلك الرؤية لتسيير المنشآت التي تتولى إدارتها".

وتابع: "إذا أُسقط هذا الكاريكاتير على رئيس أو رؤساء عرب فهذه ليست مسؤوليتي إذ يمكن إسقاطه على عدة أمور أخرى. ويبدو أنه أُسقط على رئيس موريتانيا وهو أمر لم أكن أتمناه".

أحمد ولد جدو

مدون وناشط موريتاني مساهم في منصات عربية أخرى، مهتم بالكتابة عن السياسة والحريات في موريتانيا والعالم العربي.

كلمات مفتاحية
موريتانيا

التعليقات

المقال التالي