مستبد جديد في الشرق الأوسط​​

مستبد جديد في الشرق الأوسط​​

"الديمقراطية بالنسبة إليه هي مثل باص، ينزل منه حين يصل إلى المحطة". يبدو أن هذا القول الذي نسبه الملك عبد الله الثاني إلى أردوغان أثناء حديثه مع الرئيس أوباما بدأ يتحول إلى حقيقة. فالمحطة لا تبدو بعيدة، وأردوغان يستعد للنزول من الباص قريبا. إذ يبدو هنا أن طموح أردوغان السياسي في أن يصبح الحاكم المطلق لتركيا جعله لا يطيق حتى رئيس وزرائه المخلص، أحمد داود أوغلو، فقط لأنه لم يجارِ حماسته في تحويل البلاد إلى نظام رئاسي. وما إجبار أوغلو على الاستقالة للمجيء بمن هو أكثر خضوعاً إلا الخطوة الأولى في تحقيق ما كان يخشاه المراقبون من تراجع سياسي إلى الوراء يحوّل تركيا إلى نظام شمولي يشبه كثيراً أنظمة الحكم العربية التي طالما دعا أردوغان الشعوب العربية لاطاحتها.

أردوغان الذي شبهته صحيفة النيويورك تايمز بفلاديمير بوتين من حيث ازدرائه قيم الديمقراطية ودولة المؤسسات، أجبر داود أوغلو على الاستقالة بعد أن استطاع الأخير التوصل إلى اتفاق هام مع الاتحاد الأوروبي في شأن الحد من تدفق اللاجئين إلى أوروبا مقابل إعفاء الأتراك من تأشيرة الدخول إلى دول أوروبية. وربما كان هذا الاتفاق وما حظي به من تغطية اعلامية واهتمام سياسي في العواصم الأوروبية هو ما عجّل برحيل رئيس الوزراء. فأردوغان الذي يرى نفسه أكبر من مجرد رئيس تشريفي لا يمتلك سلطات فعلية كما هو الحال في الدستور التركي الآن، بدأ يتململ من القبول الدولي المتزايد لشخص رئيس الوزراء. فأوغلو الذي أصبح وجه تركيا في العواصم الأوروبية، والذي طلب لقاء مع الرئيس أوباما بدأ يخرج عن طوق الموظف لدى أردوغان. كما أن فتوره تجاه فكرة تحويل النظام إلى رئاسي الذي يعني فقدان منصب رئيس الوزراء لأية صلاحيات فعلية، وتحفظه عن الهجمة الأمنية على الاعلاميين أسهم في قرار أردوغان بالتخلص منه. 

وبما أن أوغلو كان المشرف على عدة ملفات، ومن ضمنها تنفيذ توجهات أردوغان فيما يخص سوريا، بعدما فشلت في تحقيق أهدافها فشلاً ذريعاً، فمن المتوقع أن يصبح أوغلو كبش الفداء لهذه الكوارث في السياسة الخارجية. ومن المرتقب الآن أن يكون لأردوغان دور أساسي في اختيار خليفة لأوغلو في مؤتمر الحزب الذي سينعقد في 22 مايو الجاري. 

لقد جاء التخلص من أوغلو نتيجة طبيعية للتفكير الاستبدادي المتزايد الذي بدأ يتميز به أردوغان. ففي يوم الجمعة السادس من أيار أصدرت محكمة تركية حكمها بالسجن خمس سنوات على الصحفيين التركيين جان دوندار وارديم غل بتهمة إفشاء أسرار دولة.

وكان هذان الصحفيان قد كشفا إمداد الحكومة التركية للمعارضة السورية بالأسلحة عبر الحدود بالصور والوثائق تحت ستار مساعدة التركمان هناك. وفي حوادث مشابهة ألقي القبض على صحفية هولندية وصفت أردوغان بالديكتاتور على تويتر، كما أن أردوغان يلاحق الآن قضائياً ممثلاً كوميدياً ألمانياً بحجة إهانته.

إن هذا التضخم في الذات على المستوى الحكومي، أو على مستوى التعامل مع الصحافة، والفن أجنبياً كان أو تركياً، يبين بوضوح كم هو محدود هامش الاختلاف المسموح به في عرف أردوغان. 

وقد أبدى الاتحاد الأوروبي مخاوف على مصير الاتفاق مع تركيا بعد غياب مهندسه داود أوغلو. فمصير الاتفاق الآن معلق على رغبة أردوغان في تنفيذه. ومن المعروف أن أردوغان، الذي كان قد هدد أوروبا سابقاً بإغراقها باللاجئين، لم يكن مرتاحاً لمسار المفاوضات التي يجريها أوغلو. وقد صرح أردوغان في يوم الجمعة السادس من مايو خلال افتتاحه عدداً من المشاريع في اسطنبول وبنبرة تحدٍ أن أوروبا التي تطالب بتغيير قانون الارهاب للموافقة على اسقاط التأشيرة عن الأتراك تسمح لحزب العمال الكردي بنصب خيام في بروكسل قرب مقر الاتحاد الأوروبي. "إمضوا أنتم في طريقكم، وسنمضي نحن في طريقنا"، هكذا خاطب أردوغان أوروبا المترقبة لما سيحدث بعد غياب أوغلو عن الساحة السياسية.

ورغم أن أردوغان دعا في هذه المناسبة نفسها إلى تنظيم استفتاء حول النظام الرئاسي في البلاد مشدداً على أنه لمصلحة تركيا وليس لمصلحته الشخصية، فإننا يمكن أن نقول إن النظام الرئاسي في تركيا قد بدأ بالفعل. فالمرشحون لمنصب رئيس الوزراء هم من أقرب المقربين لأردوغان ولن يكونوا سوى أدوات تنفيذية بيديه بانتظار أن يتحول واقع الحال إلى نص دستوري ويخرج أردوغان إلى العلن كحاكم أوحد لتركيا بعد أقرار التعديلات الدستورية. إن مقولة "لا ينبغي أن تنسى كيف وصلت إلى منصبك"، التي وجهها غاضباً إلى أوغلو تعكس كيف ينظر أردوغان إلى الأعضاء البارزين في حزبه. فهو صاحب الفضل الأول عليهم في أية مناصب حكومية، ولعل هذا يعيد إلى الذاكرة خلافه الشهير مع رفيق دربه عبد الله غول رئيس الجمهورية السابق. 

كيف ستؤثر هذه التطورات على السياسة التركية في المنطقة إذن؟

لقد كان أوغلو، رغم ضعفه وولائه لأردوغان، عاملاً مساعداً في تخفيف غلواء الاندفاع عند رئيسه فيما يخص السياسة الداخلية والمواجهة مع الخصوم، وفيما يخص سياسة تركيا الخارجية وخصوصاً مع أوروبا. أما الآن، وحين يأتي رئيس وزراء أشد ولاء وأكثر طواعية فإنه لن يكون سوى واجهة أو قفاز يرتديه أردوغان لاعتبارات دستورية لتنفيذ سياسته بشكل مباشر وبدون مراجعة أو تخفيف.

وبقراءة هادئة لسجل أردوغان الداخلي والخارجي منذ أن كان رئيساً للوزراء وحتى تسلمه رئاسة الجمهورية، يتبين أن هناك تصعيداً تلوح معالمه في الأفق في التعامل التركي مع مشاكل المنطقة. فبعد أن دفن حزب العدالة والتنمية شعاره "صفر مشاكل" مع الجيران، أصبح بقيادة أردوغان المباشرة يخلق المشكلة تلو الأخرى لهذا الجار أو ذاك. 

إن واحدة من أخطر الآفات التي تعاني منها منطقتنا هي غياب الرغبة في التعايش مع الآخر المختلف عنا. والحالة التركية ليست بعيدة عن هذا المنظور. فأردوغان الذي يمثل الفكر الديني الإقصائي الذي يحتكر الحق، وبالتالي لا بد له أن يحتكر السلطة، فشل في التعايش مع معارضته الداخلية، ومع صحافته الحرة أو ما تبقى منها، واختلف بقسوة مع حلفائه الأوروبيين والأمريكان واتجه إلى صدام قصير النظر مع الروس، وقمع بعنف دموي مواطنيه الأكراد. لقد وصل أردوغان في رفضه للآخر إلى حد إقصاء رفيقه في الفكر والعمل الحزبي لمجرد أنه اختلف معه على استحياء. سيترجل أردوغان من الباص قريباً، وربما سيتوقف عندئذ خط المواصلات هذا عن العمل مطلقاً.

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

كلمات مفتاحية
تركيا

التعليقات

المقال التالي