إلى أين ستصل معركة الصحافيين مع السلطة في مصر؟

إلى أين ستصل معركة الصحافيين مع السلطة في مصر؟

"عاش نضال الصحفيين… عاش نضال الصحفيين". كان ذلك الهتاف الموحّد بين الصحافيين المصريين في 4 مايو، عندما تظاهروا احتجاجاً على اقتحام الشرطة لمقر نقابتهم، والقبض على اثنين منهم في سابقة لم تحدث في تاريخ مصر.


ما الذي حدث؟

أصدرت النيابة المصرية، في 23 أبريل، أمر ضبط وإحضار للصحافي عمرو بدر (رئيس تحرير موقع بوابة يناير)، ومحمود السقا، الصحافي في الموقع نفسه. موجهة مجموعة اتهامات لهما، أبرزها محاولة قلب وتغيير دستور الدولة ونظامها الجمهوري وشكل الحكومة، ومنع مؤسسات الدولة وسلطاتها العامة من ممارسة عملها، والإضرار بالوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي.

اعلان


بدأت هذه القصة حين سلم الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي جزيرتي تيران وصنافير للسعودية. ما أثار غضب قطاع من المصريين، فتظاهروا تحت عنوان #جمعة_الأرض. تلتها حملة اعتقالات لعدد من النشطاء والغاضبين، ثم تراشق وتلاسن بين الغاضبين ومؤيدي الرئيس. ففي حين اعتبر الرافضون للقرار أن ما فعله السيسي هو تفريط في الأرض المصرية، أكد مؤيدو الرئيس دعمهم له وثقتهم في حكمته ووطنيته، مؤكدين أن الجزر سعودية.

وقد تبنى عدد كبير من الصحافيين الموقف الرافض للتفريط في الأرض، كان من بينهم الصحفيان عمرو بدر ومحمود السقا.

إلى هنا يبدو الأمر طبيعياً، فأي قرار سياسي له مؤيدوه ومعارضوه. لكن غير الطبيعي هو قرار السلطة القبض على صحافي مثل عمرو بدر، عرف عنه معارضته للنظام، وتوجيه تهم إليه كفيلة بإلقائه في السجن مدة طويلة، بسبب معارضته لقرار تسليم الجزر. 

وبما أن الحكم صادر عن السلطة التنفيذية ضد صحافي معارض، قرر عمرو بدر وزميله التوجه إلى مبنى نقابة الصحفيين، لإشراكهم في الموقف، فتضامنت النقابة معهما. وهذه ليست المرة الأولى التي تحدث في مصر، فقد احتمى قبل ذلك الصحافي الشهير إبراهيم عيسى في النقابة، وعبدالجليل الشرنوبي رئيس تحرير موقع أخوان أونلاين في عهد مبارك.

"كنت بنفسي هروح معاهم للنيابة الأسبوع الجاي". هكذا يستهل نقيب الصحافيين المصري يحيى كلاش حديثه، مؤكداً أن سلامة الصحافيين الشخصية  أولوية لا حياد عنها. لكن الدولة اتخذت خطوة تصعيدية غير مسبوقة في تاريخ مصر، باقتحامها  مقر النقابة وإلقاء القبض على عمرو بدر ومحمود السقا من داخلها.

أحمد محجوب مدير تحرير المصري اليوم، يقول: "ما فعلته الداخلية مخالف للمادة 70 والمادة 71 من قانون إنشاء نقابة الصحافيين، اللتين تشترطان وجود النقيب أو من يمثله وعضو من النيابة العامة مع قوة الضبط حال دخولها للنقابة. وهو ما خالفته الداخلية تماماً باقتحام النقابة منفردة".

ويعقّب اللواء أبوبكر عبدالكريم المتحدث الرسمي لوزارة الداخلية، على ذلك لرصيف22: "الماده المذكورة تتحدث عن الاشتراطات الواجبة حال تفتيش أو تشميع النقابة، ونحن لم نشمع ولم نفتش النقابة. ما حدث أن مسؤول الأمن في النقابة حين سئل إذا كان المتهمون المطلوب ضبطهما موجودين بالداخل، أجاب نعم وحدد مكانهما. فدخلت القوة وقبضت عليهما". ويضيف: "نحن نحترم الصحافة والصحافيين وحرية التعبير، وجريمة عمرو بدر ليست جريمة نشر، بل هي محاولة قلب نظام الحكم وفقاً لقرار النيابة".

تصاعد الموقف سريعاً بين الداخلية والنقابة، وصدرت دعوات من النقابة للصحافيين للاجتماع يوم 4 مايو، في مقر النقابة لبحث الموقف. يومها، كان الأمن حاضراً بكثافة، وحاصر النقابة، ولم يسمح لأحد بالمرور، إلا من يحمل بطاقة عضوية نقابة الصحافيين.

لم يكن الأمن فقط يحاصر النقابة، بل كان خلفه، عدد من أنصار السيسي وهم يرقصون على أنغام أغنية تسلم الأيادي، ويشتمون الصحافيين في مشهد وصف بالاستفزازي.  

خلف الأبواب المغلقة

داخل مبنى النقابة، عقد اجتماع أولي اقتصر على رؤساء تحرير الصحف. ووفقاً لروايات عدة أجمعت على أنه شهد انقساماً. ففي حين تبنى خالد البلشي وكارم محمود مساراً غاضباً، كان هناك رأي آخر مثّله ياسر رزق، رئيس مجلس إدارة جريدة الأخبار والمقرب من الرئيس. فاقترح ياسر تشكيل لجنة للجلوس مع الرئيس ومناقشته للوصول إلى حل، وقد رفض ياسر كل الأفكار التصعيدية.

لم يسفر إذاً الاجتماع عن اتفاق، فرأى النقيب القلاش أن يكون الاحتكام إلى جموع الصحافيين "الجمعية العمومية". حضور الصحافيين داخل النقابة فرض أمراً مغايراً على المشهد. إذ يمكن القول إن حشود الجمعية العمومية هي التي أدارت الجلسة بهتافاتها الغاضبة، لتخرج القرارات ثورية كما اعتبرت. وأبرزها: المطالبة بإقالة وزير الداخلية، واعتذار الرئيس. وقررت الجمعية العمومية أن تنشر صورة وزير الداخيلة "نيجاتيف" إلى حين إقالته في خطوة، اعتبرت إهانة مقصودة للوزير، فضلاً عن وضع شعار على جميع الصحف "لا لحظر النشر" في تحدٍ للسلطة.

وقررت الجمعية العمومية أنه في حال عدم الاستجابة لتلك المطالب، سوف تسود الصفحات الأولى من الجرائد أو جزء منها يوم الأحد، وتتم الدعوة لاجتماع مجلس النقابة يوم الثلاثاء المقبل، لبحث اتخاذ قرار بالإضراب للصحافيين.

إلى أين ستسير الأمور؟

نظرة من الداخل تجعلنا ندرك أن هناك فرقاً شاسعاً في التعامل بين غالبية القيادات الصحافية وجموع الصحافيين الشباب. ففي حين تميل القيادات إلى التهدئة، يدفع الشباب الغاضب للتصعيد. ولعل تلك النقطة تحديداً هي النقطة المفصلية في الخطوة المقبلة.

فإذا نجح الشباب في الضغط على القيادات في الصحف، فستجد الدولة نفسها أمام خطوات تصعيدية ربما تصل إلى حد الإضراب العام. وهذه الخطوة لا يرغب فيها السيسي، لإدراكه أنها ستجعله يبدو أمام العالم، الغربي خصوصاً، في هيئة الرجل غير القادر على السيطرة على مجريات الأمور في بلاده. ما يعني أن حكمه غير مستقر، وهذا لن يقبله الجنرال الهادئ.

أما إذا نجح رؤساء التحرير في احتواء غضب الصحافيين، فربما تمر الأزمه من دون أضرار بالغة. ويكون السيسي ونظامه تجاوزا أزمة جديدة من سلسلة الأزمات التي يواجهانها، واحدة تلو الأخرى، وحتى الآن يبدوان قادران على المرور بسلام.

ماجد عاطف

صحافي مصري عمل مراسلاً لمجلة نيوزيويك، ويعمل الآن مراسلاً لموقع Buzzfeed الأمريكي.

التعليقات

المقال التالي