الأمير محمد بن سلمان: نحو مستقبل لا نفطي كلفته 2000 مليار دولار

الأمير محمد بن سلمان: نحو مستقبل لا نفطي كلفته 2000 مليار دولار

في مطلع العام الماضي، زار الأمير محمد بن سلمان عمه الملك عبد الله في روضة خريم. كان ذلك قبل دخول الأخير بأيام قليلة إلى المستشفى. العلاقة المتينة التي نمت بين الرجلين، بفارق عمري يصل إلى ٥٩ عاماً، لم تكن مكشوفة أمام كثيرين من الديوان الملكي السعودي. ما ظهر من مشترك بينهما لاحقاً، كان يرتكز على رؤية موحدة بالحاجة إلى تغييرات جوهرية في المملكة، وإلا كان الخراب مصيرها في عالم يحث الخطى باتجاه حقبة ما بعد النفط.

بهذه المقدمة بدأت شبكة "بلومبرغ" الأميركية تقريرها المطول عن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان وسياسات تحضير الاقتصاد السعودية ليصبح غير معتمد على النفط، ركيزته الأساسية حالياً. تشير الشبكة إلى أنه، على مدى عامين كاملين، وبتشجيع ملكي، كان الأمير يحضر لإعادة هيكلة حكومة المملكة واقتصادها، تحقيقاً لما يسميه "أحلاماً مختلفة" لجيل جديد سيعيش في مستقبل ما بعد الكربون/ النفط. وأتت وفاة الملك عبدالله، وتولي سلمان، والد الأمير محمد، زمام السلطة لتدفع باتجاه تحقيق هذه الأحلام. فقد أولى الملك ابنه سلطة غير مسبوقة على قطاع النفط، وصندوق الاستثمار الوطني، ورسم السياسات الاقتصادية، ووزارة الدفاع. وبحسب التقرير، يمسك الأمير محمد اليوم السلطة الحقيقية في مملكة تعد الأقوى في العالم. وهذا ما جعل الدبلوماسيين الغربيين يلقبونه بـ"سيد كل شيء" (Mr. Everything) وهو في عمر الـ31.

اعلان


تنقل "بلومبرغ" عنه القول "في الساعات الـ12 الأولى، كان كل شيء قد حسم" و"في أول عشرة أيام تم تشكيل حكومة جديدة".

السعودية تتحرر من النفط؟

في العام الماضي، أشيعت حالة من الذعر بين مستشاري الأمير بعد اكتشاف تناقص الاحتياط الأجنبي للمملكة بشكل أسرع من المتوقع، وقد أدى تراجع أسعار النفط وتغير سياسات المناخ العالمية إلى خسارة بحوالي 200 مليار دولار. مع العلم بأنه، تاريخياً، اعتمد الاقتصاد السعودي على النفط في 90 في المئة من عائدات النفط في الموازنة العامة وعلى أكثر من النصف في الناتج المحلي الإجمالي. وعليه يستعد الأمير في الخامس والعشرين من نيسان/ أبريل الجاري للكشف عن "رؤيته للمملكة العربية السعودية"، عبر مخطط تاريخي يشمل تغييرات اجتماعية واقتصادية واسعة. ويتضمن المخطط إنشاء أكبر صندوق سيادي عالمي فيه تريليونا دولار تكفي لشراء الشركات العالمية الأكبر "آبل" و"غوغل" و"مايكروسوفت" و"بركشاير هاثاوي" مجتمعة.

وسيتم تخصيص أقل من 5 في المئة لشركة "آرامكو" الوطنية للنفط التي ستتحول إلى أكبر المجموعات الصناعية في العالم. أما الباقي فسيخصص لتنويع الأصول إلى غير نفطية، ما يحمي بلاده من الاعتماد الكلي على عائدات النفط. ويتابع التقرير، الذي كتبه بيتر والدمان، ناقلاً عن الأمير قوله "إذاً، وخلال عشرين عاماً، سنصبح اقتصاداً أو دولة لا تعتمد بشكل أساسي على النفط".

وبحسب التقرير، يأتي هذا التغيير ليمسّ صلب العقد الاجتماعي الذي كرسته العائلة المالكة في السعودية على مدى 80 عاماً، إذ تحتفظ بالسلطة المطلقة مقابل تقديمات سخية تسبغها على الرعية. لكن الأمير قد بدأ الآن بتخفيضات واسعة في الإعانات على البنزين والكهرباء والماء، ومن المرجح أن يفرض ضرائب على رسوم على السلع الكمالية ومأكولات معينة. ومن المتوقع أن يدخل ذلك عائدات غير نفطية تصل إلى 100 مليار دولار سنوياً مع العائدات غير النفطية الأخرى بحلول العام 2020. ويوضح الأمير بأنه يحاذر ممارسة الضغط المالي على الجميع، بل فقط على الأشخاص الميسورين.

"الازدهار يحتاج إلى حرية"

لا يمكن للازدهار الاقتصادي ألا يقترن بمزيد من الحريات، والكلام دائماً بحسب التقرير، وهنا يشير الأمير  إلى أنه سيدعم إعطاء المرأة مزيداً من الحرية، في ظل حرمانها حق القيادة أو السفر دون محرم. وينقل قوله بأنه ينتظر الوقت المناسب للسماح للنساء بالقيادة من دون الاصطدام بمتشددي المملكة، ويفسر بأن "النساء اللواتي كان يسمح لهن بسوق الجمال أيام النبي محمد، فالأغلب أن نسمح لهن بقيادة السيارات/ الجمال بشكلها العصري". ويتزامن هذا التوجه، مع القرار الذي صدر أخيراً لكف يد هيئة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" عن الاعتقال الناس بشكل عشوائي من دون التنسيق مع جهات أخرى، وتكريس مبدأ أن يكون عناصرها من حملة الشهادات الجامعية. ويلمح التقرير إلى أن هذا سيكون له آثار إيجابية على الاقتصاد، ففي الوصع القائم حالياً مهما بلغ حجم الأموال في السعودية، فإن المصرفيين وعائلاتهم يفضلون الإقامة في دبي المنفتحة.

في المقابل، وفقاً للتقرير، فإن دعم الإصلاح شيء، وجعله واقعاً شيء آخر. لقد أتت ردة الفعل من الشارع السعودي قلقة وغاضبة. وشكا ناشطون على "تويتر" من ارتفاع فواتير الماء بنسبة 1000 في المئة، كما شككوا في أداء "أرامكو" التي تعتبر الشركة الأكثر سرية، في ظل انعدام كشفها عن أي بيانات تتعلق بأدائها المالي.

ومن المرجح أن ينمو الاقتصاد السعودي بنسبة ١.٥ في المئة في العام 2016، وهي أدنى نسبة له منذ الأزمة الاقتصادية العالمية. وبحسب "بلومبرغ"، لا تزال المملكة توظف ثلثي العاملين من السعوديين، في حين أن القطاع الخاص يعتمد على 80 في المئة من الأجانب، وهذه معطيات لا تعد جيدة مقارنة بما كانت عليه قبل 10 أعوام، ومن دون وجود إصلاح حقيقي في الاقتصاد، يصعب تخيل قدرة السعودية على توليد حجم العمالة التي تحتاجها.

"ستيف جوبز السعودية"

في التقرير يرفض الأمير الدخول في تفاصيل اقتصاد ما بعد النفط، هو يعلم بأن الكثيرين غير مقتنعين بعمل الصندوق السيادي الموعود، لكنه يأمل أن يقنع الجمهور بما يقوم به، كما يأمل أن يقنع العالم. ويشير إلى أن المقاومة التي يواجهها من البيروقراطيين الذين يتهمونه بالسعي إلى السلطة منذ أيام الملك عبد الله حتى اليوم في وجهه والده، لكنه دراسته في تجربة ونستون تشرشل علمته "فن الحرب" وكيفية تحويل العداوة إلى مصلحته.

ويقول الملك المستقبلي بأنه لا يهتم إذا ارتفعت أسعار النفط أو انخفضت، فإن حصل الارتفاع يعني أموالاً إضافية في إطار العمل من أجل مستقبل لانفطي، وإن انخفضت فإن السعودية، كأقل بلد يتكلف على إنتاج للنفط، يمكن أن تستثمر في السوق الآسيوية المتنامية. وهنا يلمح التقرير إلى تهرب الأمير سلمان منذ عقود طويلة من التزام السعودية بمنظمة "أوبك"، ويتفادى اقتراح تجميد إنتاج النفط الذي طرح في 17 نيسان/ أبريل الجاري بسبب امتناع إيران العدوة عن المشاركة. وفي تدخل نادر لفرد من العائلة الحاكمة، قال الأمير "لا نهتم بأسعار النفط، سواء كانت 70 دولاراً أو ثلاثين. هذه المعركة ليست معركتنا".

وتشير الشبكة إلى لقاء الأمير مع مجموعة من الصحافيين وجوابه عن سؤال "هل المملكة على شفير أزمة اقتصادية؟" كالتالي: "لو كان هذا السؤال قبل عام واحد، لكنت مصاباً بنوبة من الذعر". وأخبر قصة لم يكن قد سمع بها أحد عن تحذير صندوق النقد الدولي من كارثة انهيار السعودية مالياً مع قدوم العام 2017، ولكن ما حصل هو قيامنا باقتطاع 25 في المئة من الميزانية وتطوير نظام الضرائب والإنفاق".

تقرير مطول أعدته "بلومبرغ" عن الأمير يمكن قراءته على موقعها، وفيه الكثير من التفاصيل عن حياته وإخوته وعائلته، وعن أحلامه منذ الجامعة وعن مقارنته بين من "يمتلكون رؤية" فيصنعون "آبل" وبين "موظفين ناجحين عاديين". يضع التقرير الأمير، أو بالأحرى، يضع الأمير نفسه في الخانة الأولى ويترك الحكم للمستقبل.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيد عن التجاذبات السياسية القائمة.

كلمات مفتاحية
السعودية النفط

التعليقات

المقال التالي