تقرير "مراسلون بلا حدود" 2016: الصحافة تتراجع عالمياً... وسوريا بين الأخطر

تقرير "مراسلون بلا حدود" 2016: الصحافة تتراجع عالمياً... وسوريا بين الأخطر

مهنة الصحافة ليست بخير والجميع يعلم بذلك. هل ضروري أن ينتظر أحد مؤشراً يؤكد تراجع هذه المهنة عالمياً ووقوع مؤسساتها رهينة في أيدي بعض الدول والمصالح الخاصة والنزعات الإيديولوجية؟ كيف ذلك والانتهاكات بحق الصحافيين والمؤسسات أكثر من أن تعد وتحصى، لا سيما في المناطق التي تشهد نزاعات واشتباكات عسكرية وسياسية.

لكن معرفة الداء لا تنفي الحاجة إلى دراسات واضحة ومحددة، تسهم في مكافحة التطبيع مع واقع مرعب وتدفع باتجاه استمرار التنديد به والعمل على مكافحة محاولة اختطاف الصحافة التام. هنا يأتي التصنيف العالمي لحرية الصحافة في كل عام منذ العام 2002 بمبادرة من منظمة "مراسلون بلا حدود"، كـ"أداة أساسية في عملية الدفاع عن حرية الإعلام واستقلاليته، وذلك على أساس مبدأ المنافسة بين الدول، إذ يمكنه انتشاره الواسع من التأثير بشكل متزايد في وسائل الإعلام والسلطات العامة على الصعيد الوطني والمنظمات الدولية كذلك"، بحسب موقع المنظمة.

يستند التصنيف على قياس حالة حرية الصحافة، انطلاقاً من مؤشرات عدة أبرزها تقييم مدى التعددية واستقلالية وسائل الإعلام ونوعية الإطار القانوني والبنية التحتية وسلامة الصحفيين في 180 بلداً. وتستند المنظمة في بياناتها إلى استبيان تضعه بعشرين لغة مختلفة، بمساندة خبراء من جميع أنحاء العالم. كما تلجأ إلى تحليل نوعي للمعطيات، فيما تأخذ في الاعتبار عدد أعمال العنف المرتكبة ضد الصحافيين خلال الفترة المدروسة.

في نسخته لهذا العام، يكشف التقرير أن أوروبا الغربية لا تزال في صدارة الدول التي يتمتع صحافيوها بأكبر قدر من الحرية حيث حازت 19.8 من النقاط، وكان الفرق شاسعاً بينها وبين من يليها في القائمة وهي أفريقيا بـ36.9 من النقاط. أما اللافت فكان تفوق الأخيرة على نحو غير مسبوق على الأميركيتين اللتين جاءتا في ترتيب النقاط بـ37.1. ويردّ التقرير هذا التصنيف إلى العنف المتزايد الذي تشهده أميركا الجنوبية ضد الصحافيين. في المرتبة الرابعة جاءت منطقة آسيا بـ43.8 نقطة تليها أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى بالتساوي بـ 48.4 من النقاط.

ولا جديد في بقاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في أسفل القائمة بـ50.8 نقاط، فالمنطقة بحروبها المشتعلة وقمعها المتزايد لا يزال صحافيوها يرزحون تحت ضغوط هائلة، سياسية وأمنية واجتماعية، والكثيرون منهم كان مصيرهم السجن أو القتل في بلدان عدة.

وبطبيعة الحال لا تتشابه البلدان الموجودة في المنطقة الواحدة. وهذا يفسره التقرير باحتلال ثلاث دول في شمال أوروبا لصدارة ترتيب الحرية. وهنا تظهر التجربة الفنلندية كحلم بالنسبة لصحافيي العالم، فالبلاد تتربع على القمة منذ العام 2010، تليها هولندا ثم النروج. بينما لاحظ التقرير تراجع بولندا من 29 إلى 47 بسبب "الحملة التي أطلقها الحرب المحافظ المتشدد للاستيلاء على وسائل الإعلام".

في المقابل، تبقى الصورة العربية قاتمة، وإن كانت تونس قد بددتها قليلاً بتقدمها 30 مرتبة خلال عام واحد.

تحتل تونس اليوم المرتبة 96 من بين 180 بلداً، وهي المرة الأولى التي تتصدر فيها قائمة الدول العربية في التصنيف العالمي لحرية الصحافة. وعلى الرغم من بعدها عن التصنيف الأوروبي، إلا أن ما حققته بدا إنجازاً مقارنة بالمرتبة 164 التي كانت تشغلها أيام نظام بن علي ثم المرتبة 133 في العام 2012 و126 في العام 2015. وتلاحظ "مراسلون بلا حدود" هنا انخفاضاً في عدد المحاكمات ضد الإعلاميين على الرغم من أن الاستنطاقات البوليسية ضدّهم بحجّة مقاومة الارهاب تبقى مقلقة. ويأتي لبنان بعد تونس في المرتبة 98 تليه الكويت في المرتبة 103، وتأتي قطر في المرتبة 115 والجزائر في المرتبة 129 ثم المغرب 131.

وصنف التقرير بلداناً باعتبارها خطيرة في المنطقة، هي العراق بترتيب 158 ثم السعودية بترتيب 165 والبحرين بـ 162 وليبيا 164 واليمن 170. أما سوريا فحافظت على موقعها في أسفل القائمة كأخطر بلد عربي بترتيب 177، تليها تركمانستان وكوريا الشمالية وأريتيريا في المرتبة 180. وكانت العراق وسوريا تصدرتا، بحسب تقرير المنظمة لعام ،2015 قائمة الدول الأكثر خطراً على الإعلاميين بعدما أحصت مقتل 110 صحافيين في العالم، كان بينهم 11 قتلوا في العراق و10 في سوريا. في حين تصدرت سوريا قائمة الدول المجاورة لأعلى عدد صحافيين محتجزين، وصل إلى 54 صحافياً.

وسلط التقرير الضوء على تراجع مصر مرتبة لتحل في الـ 159، حيث يجد الصحافيون المصريون أنفسهم أمام نظام يقمع الأصوات الناقدة تحت ذريعة الاستقرار والأمن القومي. وبحسب المنظمة "على الرغم من الوضع الإعلامي الذي يشهد رواجاً كبيراً، إلا أن وسائل الإعلام في البلاد أصبحت مرآة لمجتمع يئن تحت وطأة الاستقطاب بين مؤيدي السيسي ومعارضيه، حيث تخضع الصحافة لسيطرة نظام استبدادي يحكمها بيد من حديد". يُذكر أن البلاد في نهاية عهد مبارك كانت تحتل حينها المرتبة 127 (من أصل 173 دولة). وفي المقابل، كانت مصر قد تراجعت في عهد الرئيس مرسي، عامي 2012 و2013، إلى المركز 158 (من أصل 178 دولة).

حرية الصحافة

واعتبر التقرير مصر "من أكبر السجون بالنسبة للصحفيين على الصعيد العالمي"، حيث لا يزال أكثر من 20 إعلامياً قيد الاعتقال بذرائع زائفة. وكانت الحكومة المصرية تبنت في آب/ أغسطس الماضي قانوناً جديداً لمكافحة الإرهاب يستهدف الصحافيين مباشرة من خلال المادة 33 التي تُلزم وسائل الإعلام باعتماد الرواية الرسمية في تغطيتها "للهجمات الإرهابية"، تحت طائلة الحكم على الصحفيين بدفع غرامة تفوق راتب سنة كاملة.

وعلّق الأمين العام للمنظمة كريستوف ديلوار على التقرير قائلاً : لسوء الحظ، يُلاحظ أن عدداً هائلاً من المسؤولين في جميع أنحاء العالم يظهرون نوعاً من الريبة ضد الممارسة المشروعة للعمل الصحفي، مضيفاً أن المناخ العام الذي يطغى عليه الخوف يؤدي إلى كراهية متنامية حيال النقاش والتعددية، وأيضاً إلى إقدام بعض الحكومات على حجب وسائل الإعلام في انجراف تام نحو نزعة سلطوية سالبة للحريات، ناهيك بوقوع مؤسسات إعلامية بشكل متزايد في أيدي شركات القطاع الخاص خدمة لمصالحها. وتجدر الإشارة إلى أن التصنيف لا يمثل مؤشراً لجودة الإنتاج الصحافي الذي يشكو منه كثيرون في العالم العربي.

 

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي