أسواق بيع الأسلحة على Facebook: تجارة رابحة في الشرق الأوسط

أسواق بيع الأسلحة على Facebook: تجارة رابحة في الشرق الأوسط

أصبح موقع "فيسبوك" بازاراً لبيع الأسلحة في الشرق الأوسط. بعدما تحول إلى منبر للمجموعات الجهادية، ومن ثم مركزاً لتجنيد الكثير من العناصر، نشطت عبره عمليات بيع السلاح وشرائه. هذه العمليات لاقت اهتمام الموقع الذي يمنع حسب مبادئه عمليات الاتجار بالسلاح، فعمد إلى إقفال بعض هذه المواقع لكن الكثير منها لا يزال ناشطاً، وتحديداً في ليبيا وسوريا والعراق واليمن.

قد لا تكون هذه العمليات أساسية في المعارك، مقارنة بآليات التسليح الضخمة التي تتم، لكنها بلا شك تكرّس ثقافة الاتجار بالسلاح، وثقافة الأمن الذاتي بما يحمله من خطر انتشار الجريمة، وازدياد استخدام مواقع التواصل الاجتماعي بما تؤمنه من تسهيلات للأغراض العسكرية.

وتوفر هذه المواقع الأسلحة على أنواعها من الخفيف حتى الثقيل، من المسدسات إلى الرشاشات والقنابل حتى قاذفات الصواريخ، وتنشط بشكل أساسي في المناطق التي تسيطر عليها "الدولة الإسلامية". في دراسة مطولة أجراها موقع "أرمامنت" ونشرتها صحيفة "نيويورك تايمز"،رُصد عدد من الصفحات والمواقع، ولعبت الصحيفة دور الرقيب حيث أعلمت موقع "فيسبوك" بسبع صفحات لبيع السلاح بين ليبيا وسوريا، فعمد الموقع إلى إقفال ست منها.

 

غرف مغلقة وأسلحة ثقيلة

تمّ ترتيب الكثير من عمليات البيع التي قام بها مستخدمو "فيسبوك" عبر مواقع مقفلة وسريّة، تعمل على طريقة الإعلانات الرقمية المبوبة وتصل إلى جمهور متخصص. في هذه المواقع تعرض صور للأسلحة المنوي بيعها، وفي جزء كبير منها بحسب الدراسة، أسلحة باعتها الولايات المتحدة لعملائها في الشرق الأوسط. وفيما تتنوع الأسلحة المعروضة بين مضادات للطائرات وقاذفات قنابل وصواريخ وبنادق ثقيلة، توثق الدراسة حوالي 97 محاولة بيع سرية تمت في ليبيا على سبيل المثال منذ العام 2014، للأسلحة المسروقة من المستودعات بعد العام 2011.

وفي الدراسة وثق الموقع عرض ليبيين مضاداً للطائرات من طراز "ستينغر" الذي يدّعون امتلاك اثنين منه، بالإضافة إلى صاروخين وثلاث قطع تمثل أخمص البندقية. مع العلم أن مضاد الطائرات القديم من طراز "أس إيه 7 اس" المعروض يُعد أكثر فعالية ضدّ المروحيات والطائرات التجارية من الطائرات الحديثة.

 

مواقع تبيع السلاح التقليدي للمسلحين

إلى جانب الأسلحة الثقيلة، التي تمثل جزءاً صغيراً من تجارة السلاح الإلكترونية، تنتشر بشكل كبير تجارة البنادق والأسلحة الخفيفة المخصصة للمشاة، وكل ذلك ينتهك سياسة "فيسبوك" التي منعت في كانون الثاني الماضي البيع الشخصي للأسلحة، بحسب ما ذكرت مديرة تطوير المحتوى في "فيسبوك" مونيكا بيكرت.

أقوال جاهزة

شارك غردفيسبوك وأسواق السلاح الإلكترونية: تجارة مربحة وتورط رسمي ومكافحة قاصرة

شارك غرديمكن شراء الأسلحة على أنواعها على فيسبوك اليوم، من المسدسات إلى الرشاشات والقنابل حتى قاذفات الصواريخ

وأضافت بأن الموقع منع ستة مواقع بعد التبليغ عنها، أما الموقع السابع الذي ذكرته "نيويورك تايمز" ولم يقفله "فيسبوك" فهو يناقش عمليات بيع السلاح من دون أن يسهلها. وتشرح بيكرت بأن "فيسبوك" عندما انطلق لم يكن ذا بعد تجاري أساساً، ولكن في العام الماضي سمحت الشركة للمستخدمين بالانخراط في عمليات دفع عبر خدمات المسنجر لديها، وأضافت خاصيات عدة تسهل عمليات البيع والشراء. ولكن عاد الموقع للتأكيد أن ذلك لا يتناسب مع الاتجار بالسلاح بأي شكل كان. لكن ذلك لا يعني أن هذه المواقع يمكن حصرها تماماً، فبحسب الدراسة يتم رصد ما بين 250 و300 عرض بشأن أسلحة شهرياً في ليبيا وحدها. في وقت جرى رصد حوالي 6000 عملية بيع، في الشرق الأوسط "لا يمكن الجزم بأنها الوحيدة بسبب صعوبة ضبط هذا السوق"، كما ذكرت الدراسة.

 

المستخدم المخبر

يعتمد "فيسبوك" بشكل أساسي على المخبرين من مستخدميه للتبليغ عن مواقع مماثلة، وذلك عبر خاصية التبليغ "ريبورت" التي تترافق مع أي بوست ينشر على الموقع. وهو ما تسميه بيكرت "مجموعات عمليات" تلعب دور المراقب للمواقع الناطقة بعشرات اللغات ويمكنها أن تفحص ما ينشر وتمنع العنيف والخطر منها. ولكن هذا لا يعني بأن عملية الرقابة والمحاسبة فعالة تماماً. بعض المواقع التي راقبتها "نيويورك تايمز" كانت فاعلة منذ أكثر من عامين، وتجمع آلاف المستخدمين والمعلنين. وهذا تفسره حال الخوف والضغط التي يعيشها الناس تحت سلطة الجماعات المسلحة من "داعش" و"القاعدة" التي تستخدم هذه المواقع.

وتميّز الدراسة أنواعاً متعددة من البائعين والمشترين. فهؤلاء يمكن أن يكونوا أشخاصاً عاديين يسعون لامتلاك سلاح فردي، وهذا يفسره كذلك خوف الناس من انتشار الجريمة خلال الحرب وغياب الأمن، وبالتالي البحث عن الأمن بأساليب فردية، أو ممثلين لمجموعات مسلحة يسعون لشراء أسلحة ثقيلة تتطلب أكثر من شخص لاستخدامها بفعالية، أو يظهرون لبيع أسلحة لم تعد المجموعات بحاجة إليها.

07libya-fb-articleLarge-v3

 

العراق وسوريا واليمن

تعتبر الصحيفة أن أسواق الأسلحة على "فيسبوك" في العراق تأتي في إطار فشل برامج التدريب والتسليح التي نقلتها القوات الأميركية بإيعاز من البنتاغون الى العراق خلال عملية الاحتلال الطويلة. وهذه الأسلحة تتضمن بنادق "أم 4" القصيرة، وبنادق "أم 16"، و"أم 249" الأوتوماتيكية، ومسدسات رشاشة آلية "أم بي 5" ومسدسات "غلوك". الكثير من هذه الأسلحة لم تزل تحمل توقيعاً أميركياً أو إضافات مخصصة للقوات والفرق الأميركية.

مثل هذه الأسلحة كان معروضاً لفترة طويلة في الأسواق السوداء العراقية، مع أو من دون الإعلان على مواقع التواصل الاجتماعي. ولكن يبدو أن "فيسبوك" وغيره من هذه المواقع يسهل عمليات البيع والشراء، فالبائع يجد زبائن أكثر، ومع زيادة الطلب ترتفع الأسعار، والشاري تصبح الخيارات أمامه أوسع من تلك الموجودة في الأسواق العادية. أما في سوريا، فتلحظ الصحيفة أن الأسلحة نفسها التي قدمتها الولايات المتحدة للمقاتلين أصبحت معروضة على "فيسبوك" للبيع. على سبيل المثال، عرض بائع في شمال سوريا، يعرف عن نفسه بأنه طالب ومصور وقناص، كلاشينكوف للبيع يقول إن مصدره "حركة حزم" التي تلقت السلاح من الولايات المتحدة قبل أن تهزمها "النصرة". وأشار إلى أن الرشاش لم يطلق طلقة واحدة، وممكن لشاريه الحصول معه على هدية أو تخفيض في السعر. مثال آخر، عرض أحد المواقع صاروخ موجه مضاد للدروع، أميركي الصنع، من الطراز نفس الذي قدمته الولايات المتحدة للمسلحين، يضاف إلى العرض رقم هاتف مزود بخدمة التواصل عبر "واتساب".

07libya-tilt-articleLarge

وفي اليمن ازدهرت هذه المواقع بعد ثورة العام 2011، بعدما كان السلاح يباع في الأسواق التقليدية بشكل علني. ويعتبر البائعون أن هذه الخطوة جيدة، علماً أن بعضهم لا يقيسها في ميزان الربح والخسارة باعتبارها افتراضية، لكن الاقبال المتزايد عليها جعلهم ينظرون إليها كوسيلة مهمة.

وتلعب العديد من الصفحات غير التابعة لمجموعات مسلحة بشكل مباشر، دور الوسيط في عمليات البيع والشراء، وتأخذ نسبة مئوية من الصفقة كعمولة. في وقت يستخدم البعض هذه الصفحات لطلب أنواع أسلحة معينة والسؤال عن إمكانية توفيرها. ويستفيد أصحاب هذه الصفحات من المزادات التي تجري على هذه المواقع وإمكانية زيادة نسبة الأرباح.

يذكر أن المجموعات المسلحة تستخدم هذه المواقع أيضاً لبيع معدات وأكسسوارات لا يعتبرها "فيسبوك" خرقاً لقوانينه كبيع كاميرات الأشعة تحت الحمراء والسترات الواقية من الرصاص والثياب العسكرية وأجهزة اللاسلكي وأكسسوارات السلاح الصغيرة.

 

سباق بين التجارة والرقابة

06LIBYA1-master675-v2

لم يشهد العالم قدرة على ضبط تجارة السلاح في الأسواق السوداء التقليدية، وهو تحد يواجهه كذلك مع توسع استعمال مواقع التواصل الاجتماعي لا سيما في ظل الحروب المنتشرة، ومع ذلك تزداد الرقابة اليوم والاهتمام بهذه الظاهرة. ويقول الباحث في "سمول آرمز سورفاي" نيوكلاس فلوركين إن الاهتمام في الأمم المتحدة والمراكز المتخصصة في مكافحة هذه الظاهرة يتزايد ويأخذ أكثر فأكثر شكل الرقابة والرصد".

وفي هذا الإطار، تشير الصحيفة إلى صورة تختصر الواقع الذي يصعب ضبطه تماماً. فأحد المواقع المتخصصة ببيع السلاح يتابع أيضاً عمليات تهريب اللاجئين إلى اليونان. هنا تتداخل المصالح والموارد المادية.

يذكر أن هنالك تضافر جهود في شأن المكافحة، وقد لعب الإعلام دور الرقيب كذلك كصحيفة "الغارديان" التي قامت بالتبليغ عن عدد من المواقع وأبرزها موقع "سوق الأسلحة الأولى في ريف إدلب" الذي جذب أكثر من 3000 متابع في أيام قليلة وجرى إقفاله لاحقاً، وصحيفة "فايننشال تايمز" التي تابعت الموضوع في مناسبات عدة، كان آخرها قبل إعلان "فيسبوك" قرار مكافحته للظاهرة.

لكن تبقى السيطرة لا سيما في المواقع غير الخاضعة لسلطة رسمية صعبة، فالأسلحة تباع في ساعات قليلة بعد الإعلان عنها، وبأسعار متهاودة، فيما يعمل البعض بمبدأ المقايضة فيعرض سيارته مقابل سلاح ثقيل.

06LIBYA6-articleLarge

يقف أمام صعوبة ضبط هذا الواقع كذلك، ما يُحكى عن وقوف جهات حكومية نافذة وراء بعض الصفحات، وعن عمليات شراء عبرها يستفيد منها رجال أمن، أضف إلى الميليشيات التي تشتري السلاح بعضها من بعض عبر هذه الصفحات. يذكر هنا أن الكثير من الأسماء المعلنة تنتشر عبر الصفحات بشكل واضح كما يجري تبادل العناوين وأرقام الهواتف وأماكن التسلم والتسليم، من دون أن تتم ملاحقة أي من أصحابها.

06LIBYA3-articleLarge

ومن الأمثلة أيضاً على صعوبة مكافحة الاتجار بالأسلحة إلكترونياً إن بعض المواقع جرى إقفالها من قبل إدارة "فيسبوك"، مثل "أسعار السلاح في اليمن" ليتم لاحقاً فتح صفحة جديدة بعنوان "أسعار السلاح في اليمن 2" وفيها أكثر من 56 ألف مشترك، ولا تزال ناشطة حتى الآن. وكذلك "سوق ميسان لبيع وشراء الأسلحة" الذي يشير علناً إلى إغلاقه من قبل "فيسبوك" سابقاً وفتح صفحة جديدة للمشتركين ودعوتهم إلى التفاعل لمكافحة القرار "الظالم".

 

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

كلمات مفتاحية
العالم العربي

التعليقات

المقال التالي