كيف بدأت قصة "وثائق بنما" بلسان أصحابها؟ وكيف ستغيّر مفهوم العمل الاستقصائي؟

كيف بدأت قصة "وثائق بنما" بلسان أصحابها؟ وكيف ستغيّر مفهوم العمل الاستقصائي؟

في ما اعتدناه في مجال الصحافة حول العالم، يصعب تصور فكرة 370 صحافياً يعملون على مشروع واحد في أكثر من ثمانين دولة. مشروع بقي سرياً، إلا في بعد الأوساط الضيقة، وخرج إلى النور محدثاً زلزالاً صحافياً هز العالم. حدث ذلك تحت إدارة "الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين"، فكانت قصة العمل على المشروع وآلياته إنجازاً بحدّ ذاته، إلى جانب الضجة التي أثارتها المعلومات التي نشرت في الرابع من أبريل الجاري.

يقدم المشروع مقاربة جديدة في العمل الاستقصائي، فهو يأتي بعد خمس سنوات على قضية التسريبات الأشهر "ويكيليكس"، وبعد حوالى 45 عاماً على تسريبات دانيال إيلسبرغ Daniel Ellsberg لـ"وثائق البنتاغون" بشأن حرب فييتنام، والتي تعدّ الأشهر في تاريخ التسريبات التي غيّرت مجرى أمور كثيرة حول العالم. وإن كانت "وثائق بنما" امتداداً طبيعياً لمفهوم التسريبات والصحافة الاستقصائي تاريخياً، فهي تتميز في آلية التعاطي مع الوثائق وفي كيفية معالجتها، فضلاً عن إرسائها لمفهوم جديد في هذا المجال يرفع سقف المعايير عالياً في المستقبل.

كيف بدأت قصة "وثائق بنما"؟

في العام 2014، تلقى الصحافي باستيان أوبرماير Bastian Obermayer في صحيفة "سودوتشيه زيتونغ" Süddeutsche Zeitung الألمانية العريقة، ذات التوجه اليساري، رسالة مشفرة من مجهول يعرف نفسه بـ"جون دو"، تسأله إذا كان مهتماً بالحصول على وثائق تتيح "فضح الجرائم أمام الرأي العام". وحذر المصدر الصحافي في الرسالة بأن "حياته أو حياتها في خطر"، وأنه يستطيع التواصل عبر الرسائل المشفرة ولا يمكنه إجراء أي مقابلة شخصية. استمر الصحافي بالتواصل، كما قال لموقع "وايرد" Wired، عبر قنوات مشفرة يجري تغييرها باستمرار والحرص في كل مرة على محو تاريخ المحادثة من دون فضح الطرق المعتمدة. وكان الطرفان يتفقان على أسئلة ليتحقق كل منهما من هوية الآخر كـ"الطقس مشمس" فيأتي الجواب "القمر يمطر". بعد الاطلاع على عدد من الوثائق تواصلت الصحيفة الألمانية مع "الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين" ICIJ الذي كان مشغولاً بالعمل على وثائق "سويس ليكس" منذ العام 2013، وطار فريق من الاتحاد إلى ميونخ للتنسيق مع الصحيفة الألمانية. وترفض الأخيرة التصريح عن الطريقة التي تم بها تسليم الوثائق تباعاً إلا أن الأرجح أن ذلك تم عبر أقراص مدمجة وليس عبر البريد الالكتروني.

من جهتها، تتذكر مارينا ووكر Marina Walker، نائبة رئيس "الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين"، عندما سمعت مصدراً يقول إنه يملك وثائق "أكبر من أي شيء رأته من قبل"، بحسب ما نقله عنها موقع "ماشابل" Mashable.

وهكذا كان. حصل الاتحاد على 2.6 تيرابايت من المواد التي تصل إلى 11.5 مليون وثيقة، وفيها 4.8 ملايين ايميل، و3 ملايين قاعدة بيانات، و2.1 مليونا وثيقة "بي دي أف"، أي تقريباً ما يغطي أعمال الشركة خلال أربعين عاماً. وسط كل ذلك بقي المصدر سرياً ولم يتعرف إليه أحد شخصياً، ما قد يحميه من أن يواجه مصيراً كمصير جوليان أسانج Julien Assange صاحب تسريبات "ويكيليكس".

كيف تصرف الاتحاد مع الوثائق؟

يقول رئيس الاتحاد جيرار رايل Gerard Ryle "نحن لسنا ويكيليكس. حاولنا أن نظهر كيف يمكن أن تكون الصحافة مسؤولة"، بحسب تصريح له لموقع "وايرد". لم ينشر الاتحاد الوثائق التي حصل عليها بشكلها الخام، كما جرى الأمر مع وثائق "ويكيليكس"، بل قام بدراسة الوثائق على مدى عام كامل وتحليلها وربطها بعضها ببعض كي يتسنى تشكيل قوة ضغط هائلة عند نشرها. يفسر رايل ذلك أيضاً بأن الاتحاد يحرص على عدم توريط أناس أبرياء، وثمة الكثير من المعلومات الحساسة والخاصة التي تحويها الوثائق. ولا يبدو أن هناك اتجاهاً لنشرها قريباً، في وقت يوضح رايل أن بعض الوثائق سينشر الشهر المقبل، لكن من الممكن أن تحصل الجهات المعنية على الوثائق التي تريدها حسب الطلب. سياسة الاتحاد، الذي تأسس في العام 1977 على يد الصحافي الأميركي تشاك لويس Chuck Lewis ويعرف عن نفسه عبر موقعه بأنه يهدف إلى بناء فريق استقصائي عالمي يعمل على مواضيع عابرة للحدود كالجريمة والفساد ومحاسبة السلطة، كانت تفترض مجهوداً إضافياً هائلاً لدراسة الوثائق. وهي تتخطى بالحجم أكثر من 2000 مرة حجم وثائق "ويكيليكس"، فكيف إذا كانت تحتاج للمعالجة؟

كيف جرى التواصل والعمل مع الصحافيين؟

تقول ووكر "بعد تسلم الوثائق، لجأنا سريعاً إلى خطوتين: تواصلنا مع صحافيين استقصائيين حول العالم يمكنهم العمل على هذه المعطيات لشهور، وكنا أمام تحد آخر هو تقني للقيام بجعل المادة قابلة للقراءة والمشاركة بسرية تامة. لقد استغرقنا الأمر شهوراً لتنظيف وفلترة وتحضير المواد ومن ثم تحميلها، ومشاركتها مع  370 صحفياً من 100 وسيلة إعلامية في أكثر من 80 بلداً". أما الرغبة في إشراك وسائل إعلامية من دول مختلفة تنبثق من الوثائق نفسها، فمع تورط قادة وفنانين وشركات من مختلف أنحاء العالم، كانت الحاجة إلى البحث عن صحافيين ذات معرفة محلية بخلفية هذه المعطيات، بحسب رئيس الاتحاد. يقول الصحافي في الاتحاد مايك هادسون Mike Hudson في مقابلة مع "بوينتر" Poynter إن اختيار الصحافيين جاء وفق اعتبارات عدة، إلى جانب كفاءتهم العملية، أبرزها: القدرة على مشاركة المعلومات ونشرها، وتبادل المصادر والمخطوطات والمقابلات والأفكار. يضيف هادسون "كان على هؤلاء أن يعرفوا أن 100 وسيلة اعلامية تنشر في الوقت نفسه، وهذا لا يعني جمهوراً  أقل بالنسبة لهم". الصبر على مشروع يستغرق عاماً كاملاً كان مطلوباً، إضافة إلى امتلاك روح الفريق، والقدرة على رؤية الصورة الكاملة وعدم التحيز. ولم تكن الصعوبة في المشروع كامنة في دفع الجميع إلى التعاون بل في التأكد من الالتزام بهذا التعاون بما في ذلك من صعوبة وتعقيد".

في المقابل، كان لافتاً غياب صحف أميركية بارزة كـ"نيويورك تايمز" و"وول ستريت جورنال" و"واشنطن بوست" عن العمل بهذه الوثائق، ولاحقاً عن إيلائها التغطية الكافية على صفحاتها الأولى. كما غاب الصحافيون الذين عملوا بشكل أساسي على تسريبات "ويكيليكس" مثل غلين غرينوولد ولورا بويتراس عن العمل.

تعلق ووكر على هذا الموضوع بالقول إن الانفتاح على التعاون ضروري في اختيار الصحافيين ووسائل الاعلام المشاركة، كل طرف كان مطلوباً منه مشاركة معلومة مهمة أو ذات صلة بما يدرس، وليست كل وسائل الإعلام قادرة على ذلك، فهذا يرتبط بالسياسة التحريرية لكل منها. لكنها تضيف بأن الباب مفتوح أمام الجميع. وهذا لا يعني أنه لا يمكننا العمل مع "واشنطن بوست" أو "نيويورك تايمز". ولاحقاً فسرت "نيويورك تايمز" عدم المشاركة في مقال لـمارغاريت سوليفان Margaret Sullivan.

كيف حافظ المشروع على سريته؟

سرية المشروع خلال عام كامل كانت لافتة، نظراً لحجم الجهد ونطاقه. قبل أيام قليلة من نشره فقط، سرت بعض التعليقات التي تنبئ بشيء ضخم قادم.

للحفاظ على السرية وتسهيل العمل بنى الاتحاد محرك بحث خاصاً بالشركاء في هذا المشروع يتضمن غرف دردشة وتوثيق لتواصل الصحافيين. وبموازاة وسائل العمل التقليدية في الصحافة الاستقصائية، اعتبرت هذه التقنية بمثابة العمود الفقري للمشروع، الذي مكن الصحافيين من التواصل والتعاون بشكل آمن عبر دول عدة، وتشارك المعطيات نفسها تقريباً. هذه السرية لم تكن سرية مطلقة في الواقع، بحسب ما قالته قناة "فرنس24

إذ كان في الوسط الصحافي أشخاص وأجهزة غربية يعرفون بوجود الوثائق. أما بالنسبة للصحافيين فلم يكن هناك دافع حقيقي لتسريب هذه الوثائق. ونتيجة انتشارها عالمياً بين من يعملون عليها، لم يكن بإمكان أحد المفاوضة منفرداً مع المتورطين إذ إن الوثائق كانت قد سربت ولم يعد بالإمكان استرجاعها أو استعادتها لاحقاً. أما أجهزة المخابرات الغربية فكانت تعلم بذلك لكنها كانت تشجع نشر هذه الوثائق نتيجة حربها ضد الملاذات الضريبية، وبالتالي نشر هذه الوثائق يقدم خدمة على الأقل في الدول الديموقراطية. تذكر القناة أن الصحيفة الألمانية التي سلمت الوثائق كانت قد باعت جزءاً منها إلى ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، فيما أجرت السلطات الألمانية عدة مداهمات لمصارف وأجبر أحدها على دفع 17 مليون يورو غرامة.

ما تأثير المشروع في الصحافة الاستقصائية؟

تقول شيلا كورونيل Sheila Coronel، الصحافية الاستقصائية واستاذة الصحافة في جامعة كولومبيا، إن هذا العمل أرسى معايير التعاون الصحافي حول العالم ورفعها إلى درجة عالية. وتضيف "لم أر في حياتي تعاوناً من هذا النوع ينخرط فيه عدد كبير من الصحافيين والمنظمات والدول، ويأتي بهذا الشكل من الاستقلالية التي أعطيت لكل طرف بمعالجة الوثائق واستخراج القصص التي تعني الجمهور المحلي". وتأتي هذه الوثائق في وقت تعاني منه الصحافة أزمة حقيقية، ففرص العمل تتراجع وكثيرون تركوا أعمالهم طرداً او طواعية، فيما تحدث البعض عن إنعاش قدمته لها "وثائق بنما". عزز هذا العمل مفهوم الشبكات الصحافية، بما تمتلكه من قوة ضغط وانتشار، إذ لم نعد نرى فيها صحافياً يعمل وحيداً على كشف الأسرار. وكما نعلم فإن الكثير من التحقيقات الاستقصائية تتطلب أشهراً وسنوات، والصحافة بالمعنى التقليدي لم تعد تستطيع تغطيتها لا بالوقت ولا بالتمويل. وهكذا اتسع التحقيق الإستقصائي ليشمل العالم كله، واستعماله أصبح مطلوباً في أبعد نقطة في العالم وحتى في أماكن لا يمكن توقعها، في أماكن يمكن أن يتسبب مثل هذا العمل بمقتل الصحفي. يذكر أنه يوجد الآن أكثر من خمسين مركزاً استقصائياً حول العالم، ونصف هذا العدد قد أنشىء بعد العام 2000.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي