مقاربة أخرى للأسباب التي تدفع آلاف الشباب إلى ترك كل شيء والالتحاق بداعش

مقاربة أخرى للأسباب التي تدفع آلاف الشباب إلى ترك كل شيء والالتحاق بداعش

ثمة فكرة يرددها الساسة الأميركيون بشكل شبه يومي مفادها أن العنف الذي مارسه الأسد ضد شعبه فتح الباب واسعاً لولادة التنظيمات الإرهابية العنيفة. العبارة في السياسة قد تكون صحيحة مئة في المئة، إذا افترضنا أن الإرهاب الذي تتحدث عنه هذه العبارة هو بالإجمال ما تكوّن بوصفه رداً على عنف النظام السوري المفرط.

ولكنْ ثمة سؤالان مقلقان في هذه الحلقة المفرغة. ما الذي يدفع الأسد أو أيّ نظام معاصر اليوم إلى ممارسة كل هذا العنف ضد شعبه؟ وما الذي يدفع ألوف الشباب من خارج سوريا إلى تحمل مشقات السفر إليها والقتال إلى جانب داعش، والتخلق بأخلاقه العنيفة؟

في محاولة الإجابة عن السؤال الأول ثمة نظريات جاهزة: هذا نظام توتاليتاري مستبد، ومثل هذه الأنظمة تتماسك وتحصل على لحمتها من قدرتها على القمع غير المحدود.

أقوال جاهزة

شارك غردما الذي يدفع الديكتاتوريات إلى ممارسة العنف؟ وما الذي يدفع آلاف الشباب للقتال مع داعش؟ هذه المقالة تحاول الإجابة

شارك غردمن دون حل مشكلة العنف في نيويورك وسيدني، ليس مجدياً أن يقترح الأميركيون والأستراليون حلولاً لمشاكل الشرق الأوسط

وفي محاولة الإجابة عن السؤال الثاني، ثمة أيضاً نظريات جاهزة للتبرير والإدانة. المبررون يقولون إن التهميش والإقصاء والقمع العاري في أحيان كثيرة هي أبرز الأسباب التي تدفع هؤلاء الشباب إلى محاولة إثبات أحقيتهم في تصدر المشهد العام في السياسة والإعلام على امتداد العالم كله. ونظريات الإدانة تفترض أن هؤلاء إنما يأتون من بطن التاريخ، وهم ليسوا معاصرين بأي حال من الأحوال.

أحسب أن مثل هذه التبريرات النظرية غير قادرة كثيراً على الصمود. قطعاً، داعش ليس آتياً من بطن التاريخ كما أن التهميش الذي يعاني منه هؤلاء الشباب، في المجتمعات الغربية خصوصاً، ليس دافعاً للانتقام العنيف على نحو آلي.

الأرجح أننا، كمدّعي معاصرة وحداثة، يجب أن نبحث عن العلل في قلب معتقداتنا أولاً. القيم التي نبجلها تحتاج منا اليوم إلى إعادة نظر جذرية. أليس من المنصف أن نسأل أنفسنا لماذا لم تنجح المدن الغربية الكبرى في دمج المهاجرين فيها؟ ثم أليس منصفاً أيضاً أن نتفكر قليلاً في كمية العنف المسكوت عنه، في مقابل العنف المعلن عنه؟

بلجيكا التي تحكمها 19 حكومة محلية لم تكن يوماً، طوال العقدين الماضيين على الأقل، آمنة على نحو ما بشرتنا به الدعاية الديمقراطية. هذا هو أيضاً حال مرسيليا ونابولي ولندن ومانشستر ونيويورك وشيكاغو ولوس أنجلس وساو باولو وتل أبيب.

لا يمر أسبوع في تل أبيب من دون أن يقع قتلى وجرحى على خلفية جنائية. لماذا يكون دم القتيل الذي يُهدر على خلفية جنائية أقل إثارة للرعب من دم القتيل الذي يهدر على خلفية دينية أو سياسية؟

تحوّل تنظيم داعش، وأيّ تنظيم متطرف اليوم، إلى نوع من حل أخلاقي لهؤلاء الشباب الذين يُحشرون في المدن الحديثة في زاوية العنف ويُمنعون من الخروج منها. فبالنسبة لمَن يعيش تحت سلطة عصابات الأحياء في المناطق التي لا تطأها قدم القوانين في المدن الحديثة، يبدو أمر ممارسة العنف لأجل وهم ديني أنسب أخلاقياً من الغرق في العنف من أجل المافيات المتحكمة في الأحياء المهمشة في هذه المدن.

والحال، فإن المسألة الأولى التي ينبغي أن نتصدى لها تتعلق بخفض منسوب العنف في المدن الحديثة، قبل أن نبحث في أسبابه. ذلك أن العنف الذي مارسه صلاح عبد السلام أو إبراهيم البكراوي وشقيقه خالد، باسم الانتماء إلى الإسلام لا يختلف كثيراً عن العنف الذي ربما كانوا يمارسونه هم أنفسهم في الأحياء التي كانوا يعيشون فيها، دفاعاً عن صفاء الحي الإثني، أو انتصاراً لعصابة الحي على عصابات الأحياء الأخرى، أو تسهيلاً لتجارات وأعمال غير قانونية. العنف نفسه هو المتأصل وما قدمه داعش لهؤلاء ليس أكثر من تغيير إطاره العام.

الأرجح أن فشل الحداثة والأنظمة الديمقراطية في بناء مدن صلبة وقابلة لتكوين اجتماع مسالم هو أصل المشكلة التي يبحث البعض عن حل لها في أمكنة أخرى من العالم. ومن دون حل مشكلة العنف في نيويورك أو سيدني أو ريو دي جانيرو، ليس مجدياً أن يقترح الأميركيون أو الأستراليون حلولاً لمشكلات غزة أو دمشق أو بيروت.

والحال، فإن تهرب المثقفين الحديثين من مسؤولية انتشار العنف الذي يشهده العالم كله على نحو ما، أكان العنف سياسياً أم جنائياً، سيمنح هذا العنف قدرةً على اختراق كل أسوارنا، وفق صيغ ومآلات لا تخطر على بالنا الآن وليس بالإمكان تخيل مساراتها، وسيؤدي تالياً إلى تدمير كل ما تبقى لنا من قيم يقوم عليها اجتماعنا الحديث.

لكن الفشل الحداثي في بناء مدن تحتضن مجتمعات قادرة على التعايش تحت سقف القانون ليس التفسير الوحيد لانتشار العنف واحتلاله معظم المجال السياسي في منطقة الشرق الأوسط وبعض آسيا وأووربا.

والثابت أن الأنظمة الديمقراطية فضلت تناسي المشكلة على التصدي الحاسم لها. فبات العيش في ظل القانون وتحت سقفه في المدن الحديثة امتيازاً يتمتع به من يمارس عملاً منتظماً ومجزياً ويستطيع دفع ضرائبه وفواتيره، فيما تُركت الأحياء الفقيرة غير القادرة على مواكبة متطلبات المجتمعات الحديثة للعيش في ظل قوانينها الخاصة، أكانت تلك القوانين عائلية، أو إثنية، أو عرقية، أو جنسية.

والأرجح أن الدول الديمقراطية فضّلت أن تسوّر مناطق العنف وتعمل على قضمها تدريجياً وتفريق كتلها الاجتماعية على نحو مبرمج، وهذا ما حصل في بعض أحياء العاصمة الأميركية واشنطن وفي بعض أحياء نيويورك التي كانت تعاني إلى نحو عقد مضى من عنف منفلت من عقاله، وتتمنع بصورة واضحة عن الامثتال لنص القانون وهراوته على حد سواء.

لكن المجتمعات الديمقراطية التي يتكون اجتماعها عموماً من أفراد مختلفي المشارب والأنساب، ويتحلقون في المدن ضمن جماعات حداثية، أو نطاقات اجتماعية على ما كان يصفها الفيلسوف الفرنسي الراحل بيير بورديو: مهندسون، مديرون، قضاة، محامون، رجال أعمال، لم تستطع أن تعمم نموذجها على حواضر العالم القديم ودوله المرتجلة.

فالحال في دمشق يختلف اختلافاً جلياً عن أحوال نيويورك. إذ يتكون الاجتماع الدمشقي من طوائف وعائلات وأنساب وشعوب، وهو اجتماع بالغ التعقيد بحيث يصعب ضبطه تحت سقف قانون محدد، أو حتى إخراجه كلياً عن سلطة القانون.

وعلى هذا لم تتورع الأنظمة الاستبدادية عن محاولة تفكيك العصبيات في الدول التي تحكمها بالقوة العارية. ذلك أن الأحياء المهمشة في هذه المدن التي تشكل عصب دولنا الحديثة، في وسعها أن تحتل بسرعة المجال السياسي وأن تتنطح إلى المطالبة بالحكم ما لم يتم قمعها على نحو دامٍ ومنتظم.

فالإعاقة الكبرى التي تضرب أنطمة الاستبداد هي بالضبط سعيها العنيف لاحتلال المجال السياسي من دون مقومات لاحتلاله غير القوة العارية. ولهذا ليس في وسع هذه الأنظمة أن تتسامح مع أي اعتراض، لأن المجال السياسي في هذه الدول هش ويمكن احتلاله بقوة الحشد وحده. في حين أن احتلال المجال السياسي في الأنظمة الديمقراطية الغربية يحتاج إلى مقومات ثقافية واقتصادية واجتماعية يندر أن تتوفر في الحشود.

لقد وعدتنا الحداثة بمجتمعات تقوم على التعايش السلمي. والحداثة نفسها انبثقت من تمجيد لوسائل الاتصال بين الناس، ابتداء من البريد الذي وحّد أميركا، وصولاً إلى الإنترنت الذي ادّعي المنظرون له أنه قادر على توحيد العالم وتصغيره. لكن وسائل الاتصال هذه لم تنجح مرة واحدة في التاريخ في إنشاء حوارات ومحادثات تنشد معرفة الآخر وكسر الحواجز بين الجماعات. على العكس، نجحت هذه الوسائل في زيادة عزلاتنا وجعلنا أقرب إلى التوحش وأبعد ما يكون عن الاجتماع.

 

كلمات مفتاحية
العالم داعش

التعليقات

المقال التالي