تحالف عالمي لمحاصرة حزب الله مالياً​

تحالف عالمي لمحاصرة حزب الله مالياً​

يمرّ "حزب الله" بأسوأ مرحلة منذ تأسيسه عام 1982. إذ لم يسبق أن اشتد الخناق عليه مالياً وسياسياً وعسكرياً وشعبياً، كما هو الحال اليوم. وقد بدأت الأزمة بانغماس الحزب في المستنقع السوري، وفشله في حسم المعركة لمصلحة النظام، تلته عقوبات أميركية ساهمت إلى حد كبير في تجفيف مصادر تمويله في أميركا اللاتينية وأفريقيا. ثم تصنيفه منظمة إرهابية من قبل دول الخليج، واتخاذ إجراءات طالت وستطال المنتمين إليه أو المؤيدين له.

فقد صدر عن محكمة أميركية في نيويورك والقاضي بتغريم إيران 10.5 مليارات دولار لعلاقتها باعتداءات 11 سبتمبر 2001، ولتورّط الحزب في تقديم مساعدات وتوجيهات لعدد من منفذي تلك الاعتداءات. وأشارت الوثائق التي استندت إليها المحكمة، إلى أن بعض الذين نفذوا الهجمات زاروا إيران خلال الفترة القصيرة التي سبقت الهجمات، ولم تحمل جوازات سفرهم ختم الدخول إلى الأراضي الإيرانية.

اعلان


أما الضربة الأحدث التي تلقاها الحزب، فتمثلت في تصنيف الحزب منظمة إرهابية في قمة دول منظمة التعاون الاسلامي في اسطنبول يوم 17 ابريل الماضي، والأكثر دلالة كانت زيارة الرئيس الفرنسي للبنان يوم 16 ابريل وإجتماعه بممثلين لجميع الاطراف اللبنانية مستثنيا حزب الله!

ولا يمكن تجاهل تزامن هذه الإجراءات والاتهامات بفارق شهور قليلة. إذ يشير توقيتها إلى أن قرار محاصرة أنشطة "حزب الله" المالية وتجفيف مصادر تمويله اتُخذ، وبدأ يُنفذ بالتعاون بين عواصم عديدة.

وبالفعل، بدأ الحزب يشعر بخطورة هذه الأزمة المالية، إذ أكدت مصادر مطلعة أنه خفّض رواتب بعض كوادره بنسب تصل إلى 50%، وتأخر بدفع مستحقات في شهر ديسمبر الماضي. كما قلّص المساعدات الشهرية لحلفائه في لبنان. وأشارت إلى حالة من التململ في صفوف بعض رجال الأعمال المقرّبين من الحزب، نتيجة الخسائر المالية الضخمة التي يتكبدونها بسبب الأزمة الأخيرة مع دول الخليج، وخشيتهم من تفاقمها. كما يذكر ان نوّاب حزب الله يقبضون معاشاتهم من مجلس النوّاب نقداً وليس عبر التحويلات المصرفية وذلك لتفادي تصنيف المصرف الوسيط كراعي للإرهاب!

 

مصادر تمويل الحزب

لا يمكن تحديد إيرادات أو دخل "حزب الله" شهرياً أو سنوياً، فمصادر تمويله متعددة ومتشعبة جداً، وهي في مجملها سرية ولا تتم عبر المصارف. لكن المعلوم أن التمويل الأبرز يأتي من إيران، ويراوح بين 200 و300 مليون دولار سنوياً. كما أن للحزب نشاطات اقتصادية متعددة في دول الخليج وأميركا اللاتينية، تشمل مختلف القطاعات التجارية والعقارية والخدمات، ويعتمد أيضاً على تبرعات الأثرياء الشيعة. وفي غربي أفريقيا، يقطن نحو 30 ألف لبناني شيعي، يُرجّح أن بعضهم يدير أعمالاً ضخمة ومربحة لمصلحة الحزب.

بدورها، اتهمت وكالات أمنية غربية بعض اللبنانيين بتجارة المخدرات والسلاح، وقالت إنهم قدموا دعماً مالياً لـ"حزب الله". وفي هذا السياق، كشفت "إدارة مكافحة المخدرات الأميركية" أخيراً عن عملية أمنية دولية، حملت اسم "مشروع كاسندرا"، أسفرت عن اعتقال أفراد شبكة مقرّبة من الحزب، متورطة في عمليات تهريب وتجارة مخدرات بملايين الدولارات إلى أوروبا والولايات المتحدة بهدف تمويل عمليات في لبنان وسوريا. وشاركت في العملية الأمنية أجهزة أمن من 7 دول، على رأسها فرنسا وبلجيكا وألمانيا وإيطاليا.

وبحسب الوكالة، فإن مشروع كاسندرا اعتمد بشكل كبير على التحقيقات المرتبطة بقضية سابقة متّصلة بفضائح مالية تتعلق بـ"البنك اللبناني - الكندي"، الذي سبق أن ربطته تحقيقات أميركية بعمليات تبييض أموال، ما دفعه إلى تصفية أعماله.

 

العقوبات الغربية والخليجية

ومن أبرز الإجراءات التي اتخذت أخيراً لتجفيف مصادر تمويل "حزب الله"، القانون الذي وقعه الرئيس باراك اوباما في 18 ديسمبر 2015، في شأن مكافحة الشبكة المادية العالمية للحزب. وشمل توسيع العقوبات ضد الحزب، لتطال قواعده من خلال المصارف والمؤسسات المالية التي يتعامل معها المئات من رجال الأعمال، والتجار المقربين منه، والآلاف من مناصريه في لبنان والعالم.

خليجياً، بات اللبنانيون عموماً والشيعة خصوصاً، وكل استثماراتهم وعملياتهم المالية تحت المجهر، بعد اعتبار دول الخليج "حزب الله" منظمة إرهابية. وفي هذا السياق، صنّفت السعودية أخيراً 4 كيانات و3 رجال لبنانيين كإرهابيين، لهم صلات بأنشطة تابعة للحزب، كما حذرت مواطنيها وكل المقيمين في المملكة من أي تعاملات مع الحزب الله. مؤكدة أن من يثبت تورطه ستطبق بحقه قوانين مكافحة الإرهاب. وقامت السلطات السعودية بترحيل 90 لبنانياً، بينما العمل جار على إعداد لوائح بأسماء الداعمين أو المؤيدين للحزب، الذين ستتخذ بحقهم إجراءات مماثلة.

وفي الإمارات، حيث يقيم ما بين 20 و25 ألفاً من اللبنانيين الشيعة، بعضهم غادروا البلاد عام 2009، وباعوا مؤسساتهم وشركاتهم التي تبلغ قيمتها ملايين الدولارات، حين قررت الدولة ترحيل نحو 25 لبنانياً. وقررت الإمارات في فبراير الماضي ترحيل أكثر من 20 لبنانياً، معظمهم من بلدة الخيام الجنوبية، وهم في غالبيتهم من آل عواضة. وبدأت محكمة أمن الدولة محاكمة 7 بينهم إماراتيان، بتهمة تشكيل خلية مرتبطة بحزب الله.

وفي الكويت، نقلت تقارير عن مصادر أمنية تأكيدها إعداد لائحة تضم أسماء 1100 لبناني وسوري، لن تجدد إقاماتهم بسبب علاقتهم المباشرة بحزب الله. وأبلغ عدد منهم بضرورة مغادرة البلاد في غضون شهر، بينما سيتم إبعاد الخطرين منهم فوراً. وأعلن أمن الدولة أنه يرصد نحو 3 آلاف كويتي ومقيم يناصرون الحزب ويتعاطفون معه.

أما في البحرين، فأعلنت وزارة الداخلية في 14 مارس الجاري، إبعاد عدد من اللبنانيين اتهمتهم السلطات بالتورط في أنشطة لحزب الله.

ومن المؤكد أن هذه الإجراءات تشكل بداية الحرب الاقتصادية على الحزب، وستتكثف وتتصاعد في المقبل من الأيام. إذ تعكف دول الخليج على إعداد لوائح بأسماء المقربين والمؤيدين لحزب الله، الذين يستفيدون بشركاتهم ومؤسساتهم واستثماراتهم من أموال الخليج لرفد خزينة الحزب.

 

العقوبات المالية، الحرب الأخيرة؟

يشكل التمويل الهاجس الأكبر لحزب الله اليوم، إذ يدرك تماماً أن استمراره لم يعد يعتمد فقط على ثقافة مقاومة إسرائيل، كما كان الحال عند نشأته. فاليوم، يضم الحزب آلاف المقاتلين الذين يتقاضون رواتب شهرية، كما يتكفل بعوائل قتلاه، ويدعم مالياً معظم حلفائه في لبنان. وينفق الحزب أيضاً ملايين الدولارات على مؤسساته التربوية ومستشفياته وخدمات أخرى، تضمن ولاء المؤيدين وتعزز شعبيته.

ويعلم الحزب أن اعتماده مالياً على إيران لم يعد ممكناً بالوتيرة والحجم نفسيهما، كما خلال السنوات الماضية. فالعقوبات الغربية، التي رفعت أخيراً، وتراجع أسعار النفط أكثر من 50% منذ منتصف عام 2014، أثقلتا كاهل الاقتصاد الإيراني وأدخلتاه في عجوزات متتالية، ما أجبر طهران على تقليص مساعداتها للحزب.

 

كلمات مفتاحية
حزب الله لبنان

التعليقات

المقال التالي