إلى أين تسير تركيا تحت قيادة أردوغان؟

إلى أين تسير تركيا تحت قيادة أردوغان؟

إلى أين تسير تركيا تحت قيادة أردوغان؟ هذا السؤال يطرحه كل مهتم بشؤون الشرق الأوسط، التي تلعب تركيا فيها دوراً أساسياً، وإن كان تقييم هذا الدور سلبياً في غالبية الأحيان.

تركيا التي بدأت منحى الصعود الاقتصادي مع تولي حزب العدالة والتنمية السلطة عام 2003، تبدو الآن مترنحة تحت وطأة سياسات أردوغان، ويكتنف مستقبلها ضباب من الشكوك والمخاوف السياسية والاقتصادية والأمنية.

نجح أردوغان في تغيير المسار الاقتصاي في بلاده منذ تولي حزبه الحكم، وتمكن من تقليم أظافر المؤسسة العسكرية الكمالية، وبدأ حواراً مع المتمردين الأكراد، وانفتح أكثر نحو العالم العربي سياسياً واقتصادياً. بدا حينها أن تركيا تمشي بخطى ثابتة نحو ازدهار اقتصادي، وريادة سياسية، تتمثل في تقديم نموذج فريد من المزاوجة بين الإسلام السياسي المعتدل والممارسة الديمقراطية الحديثة.

لكن إذا أردنا الآن أن نتوقف قليلاً، لنضع كشف حساب، فسنرى تراجعات خطيرة تعصف بكل تلك التوقعات المتفائلة عن رخاء اقتصادي تركي يصونه نظام سياسي ديمقراطي شفاف، تقوم فيه المؤسسات بدورها في توزيع السلطة والمحاسبة والرقابة.

أقوال جاهزة

شارك غردتركيا تتحول شيئاً فشيئاً إلى حالة تشبه الديكتاتوريات التي كان أردوغان يشجع الشعوب العربية على الإطاحة بها


الواقع الحالي بكل مؤشراته التي سنلخصها في النقاط التالية، يدق ناقوس الخطر لمستقبل تركيا. فهذا البلد، الذي تصورت قيادته أن دور الأستانة سيعود عن طريق هيمنة اقتصادية تفرض دوراً سياسياً قائداً في المنطقة، يتحول شيئاً فشيئاً إلى حالة تشبه الديكتاتوريات التي كان أردوغان يشجع الشعوب العربية على الإطاحة بها. إن الأعمدة الأربعة التي تحدث عنها داود أوغلو كأسس لبناء "دولة الرفاهية" بدأت تهتز بعنف.

 

المستقبل السياسي والحريات

لم يعد هناك مجال لأي أوهام في ما يخص رؤية أردوغان لشكل الحكم في بلاده. فالرجل لا يطيق المعارضة، ولا يؤمن بالمشاركة السياسية. وهذا متوقع من حزب يسير على منهجية دينية، تفترض أنها تدعو للمنهج الأقوم والأصح، والذي يعبر عن إرادة إلهية. فالتصعيد الأخير مع كل القوى الكردية الرئيسة، والهجمة الشرسة على الحريات، أثارا شكوكاً قوية حول المستقبل السياسي الواضح والمستقر الذي تحدث عنه أوغلو. وكانت المشاهد الصادمة للشرطة وهي تقتحم مبنى واحدة من أكبر الصحف التركية (الزمان)، مستخدمة الغاز المسيل للدموع والهراوات، هي التعبير الحقيقي عما يكنه أردوغان من ازدراء لمفاهيم المعارضة، والرقابة الشعبية وحق الشعب في معرفة الحقائق.

انهار وهم المزاوجة بين ما يسمى الإسلام المعتدل والديمقراطية على أيدي أردوغان وحزبه. فالمعارضة الكردية السياسية تلقت ضربات موجعة أمنية وعسكرية، لإسكات صوتها المعارض، وإعطاء مزيد من الصلاحيات للرئيس وتعديل الدستور. أما حركة فتح الله غولن، المعارض الإسلامي الرئيس لأردوغان، فأصبحت العدو الأول الذي طالت أنصاره في المناصب الأمنية والقضائية، حملات الفصل والتطهير والتحقيق. حتى الكلمة التي كانت تظهر في "الزمان" لم يعد أردوغان قادراً على تحملها، فقمعها علانية. وتم تعيين مجلس وصاية حوّل الجريدة من معارض ينشر تحقيقات استقصائية مزعجة للحكومة، إلى بوق إعلامي للسلطة.

كل هذه الإجراءات أشاعت جواً من الترهيب وسط الإعلاميين، وزادت ملف الحريات الصحافية سوءاً على سوئه. فتركيا تقبع في المرتبة 149 في قائمة ترتيب الحريات الصحافية حول العالم، من مجمل 180 دولة تم تقييمها لعام 2015. ويبدو أنها تعاني من خلل كبير في مفهوم الحريات الإعلامية، بينما يفترض أن تكون مثالاً للديمقراطية الإسلامية. أما الحديث عن مستقبل سياسي مستقر فلا يبدو منطقياً، في ظل محاولات أردوغان أسلمة الدولة، لتصبح تابعة له ولحزبه، وتطهير أجهزة الأمن والقضاء والإعلام من أي معارضين.

 

السياسة الخارجية

بدأت تركيا تدفع الآن من أمنها الداخلي، ثمن المغامرات غير المحسوبة للتدخل في الشأن السوري، وما جره من صدام مع قوى إقليمية ودولية. التفجيرات الأخيرة التي طالت المدن التركية، وتوزعت مسؤوليتها بين "داعش" و"صقور حرية كردستان"، خير شاهد على ما جرّته وستجرّه سياسة أردوغان الخارجية. من فتح للحدود السورية أمام المتطرفين، وإشعال الموقف العسكري مع الأكراد لأغراض سياسية داخلية بحتة. لقد كان خيار أردوغان في رعاية التطرف الإسلامي كتكتيك مرحلي للقضاء على نظام الأسد، رهاناً خاسراً قصير النظر. ومحاولة حشد دعم شعبي للحملة العسكرية ضد الأكراد، لم تأت لأن النظام، الذي قطع شوطاً طويلاً في التفاوض معهم اكتشف أنهم انفصاليون فجأة، وقد أصبحوا ببساطة قوة المعارضة الرئيسة، التي يمكنها أن تزعج خطط أردوغان. كما أن الأكراد هم الفصيل المعارض، الذي يمكن للنظام ضربه بمؤازرة الكماليين المتشددين والمؤسسة العسكرية من دون تردد.

وإذا أضفنا إلى ذلك، المواجهة التركية مع روسيا في سوريا، وما نتج عن إسقاط المقاتلة الروسية من توتر لا يزال قائماً بين أنقرة والكرملين، لأدركنا إلى أي مدى تدهورت سياسة "صفر مشاكل مع الجيران"، التي رفعها حزب العدالة والتنمية. فالدور التركي في سوريا يبدو كحالة مقامر يزيد من رهانه كلما مني بخسارة جديدة على طاولة القمار. وفي كل مرة يزيد فيها الرهان أملاً في استرجاع ما خسره، تزيد الخسارة. وليس هناك أمل في الفوز أو التعويض حتى الآن.

 

الاقتصاد

منذ أن بدأت حملة الهجوم على حرية التعبير والصحافة عام 2013، تصاعد خوف رؤوس الأموال الأجنبية، التي يعتمد عليها الاقتصاد التركي بشكل كبير، وبدأ المنحنى البياني للثقة في استقرار تركيا بالهبوط. الاقتصاد والسياسة متلازمان بشكل مصيري، لذا فإن التوتر والتشنج السياسي يخلقان مناخاً من الخوف لا يلائم المستثمرين المعروفين بخوفهم من التقلبات السياسية.

تواجه منجزات أردوغان وحزبه الاقتصادية تحديات ضخمة الآن، في ظل تزايد معدلات البطالة، التي وصلت إلى 10.8%، وارتفاع التضخم، وبطء نمو الاقتصاد التركي، وزيادة الإنفاق الحكومي. إضافة إلى هبوط سعر الليرة، وتراجع مداخيل السياحة بسبب التهديدات الأمنية. فالليرة التركية، التي كان سعرها أمام الدولار عام 2013، 1.9 ليرة للدولار، تقترب الآن من 3 ليرات للدولار. كما تراجعت الصادرات التركية في يناير الماضي بنسبة 22% عما كانت عليه قبل عام.

تعاني تركيا أيضاً من مشكلة مزمنة في توزيع الثروة. ففي تقرير لمجموعة كريدت سويس المالية عام 2014، يتضح أن 10% من السكان يمتلكون 78% من ثروة البلاد. وهذه الفجوة تبدو في ازدياد، خصوصاً في ظل التحالف القائم بين حزب أردوغان ورجال الأعمال، الذين يتنعمون بغالبية المنافع الاقتصادية، بينما يزداد الفقراء فقراً. ما جعل تركيا تحتل المرتبة الثالثة بين الدول ذات الفجوة الاقتصادية الأكبر بين الفقراء والأغنياء، في مؤشر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD.

إن نظرة متفحصة لدولة الرفاهية التي تحدث عنها داود أوغلو، تكشف تصدعات عميقة في أعمدتها الأربعة. فالمستقبل السياسي "المستقر والواضح" لم يعد موجوداً، في ظل العنف الذي أطلقته حملة أردوغان العسكرية ضد الأكراد. وإذا كانت عمليات التفجير، التي قام بها حزب العمال الكردستاني، أعمالاً إرهابية بلا شك، فإننا نتساءل عن الحكمة في سياسة أردوغان في الضغط على وضع محتقن أساساً، وإطلاق رصاصة الرحمة على عملية السلام مع الأكراد، التي أنتجت الوضع الحالي. آخذين في الاعتبار أن الوضع الحالي سيعود في النهاية إلى حل سياسي ومفاوضات مع المتمردين، لأن التاريخ يشير إلى أن القمع الأمني لا يحل المشاكل مهما طال الزمن.

أما الأعمدة المتبقية من "نظام اقتصادي يوفر العدالة في توزيع الدخل، ونظام حقوقي يراعي جميع حقوق وحريات المواطنين، ونظام اجتماعي يوفر الخدمات الصحية والتعليمية، التي تليق بكرامة الإنسان"، فقد أصبحت مشاريع مؤجلة بفعل التراجع الاقتصادي والسياسي الحالي في تركيا.

من المفارقة أن أردوغان، بسياسته التي تفتقد أي بعد إستراتيجي في التورط في المشاكل الإقليمية، بدأ يشكل عبئاً على منجزاته الاقتصادية والسياسية. وأهم نجاحاته الآن تتمثل في تحويل تركيا إلى مسار دولة شمولية تختنق فيها الحريات، ويحتكر السلطة فيها حزب واحد، وتتزايد فيها معدلات الفساد.

من أجل أن تعود البلاد إلى المسار السياسي والاقتصادي الصحيح، وتصبح دولة فاعلة بشكل إيجابي إقليمياً، وتبني دولة الرفاهية داخلياً، فلا بديل من خيارين: إما أن يغير أردوغان سياساته إلى أخرى أكثر حكمة وتحفظاً، أو أن يتغير هو وحزبه.

 

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

كلمات مفتاحية
تركيا

التعليقات

المقال التالي