كيف غيّرت الثورة السورية المنطقة والعالم

كيف غيّرت الثورة السورية المنطقة والعالم

أدّت التظاهرات التي انطلقت في منتصف مارس عام 2011 في عدّة مدن سورية إلى تغيير دراماتيكي غير مألوف في المشهد السوري، سرعان ما انتقل إلى إحداث تغيير في المنطقة، وترك ذلك آثاره في المشهد الدولي برمّته.

وبقدر ما كانت سوريا تحتفظ بصيغة ثابتة تقريباً لقرابة نصف قرن، وكان من الممكن التنبؤ بشكل الحكم فيها أو بواقع مجتمعها لعقد أو عقدين مقبلين، بقدر ما تحوّلت خلال خمس سنوات إلى شكل مختلف تماماً، لا يمكن معه التنبؤ بشكل مستقبلها، ولا حتّى بشكل حدودها، أو اسمها، أو بأيّ تفصيل من تفاصيلها.

اعلان


 

الحوار بالرصاص أو بالكلمات؟

ولم يكن أحد قد توقع أن يحصل تغيير في سوريا، فقد تمكّن النظام البعثي خلال سنوات حكمه الطويلة من تغيير تركيبة الجيش وقوى الأمن بشكل كامل، وبناها بشبكة معقدة من المصالح التي تتقاطع في ما بينها بشكل يمكّن النظام من حماية نفسه، ولكنها لا تتقاطع بما يكفي لتسمح لمكونات القوة العسكرية والأمنية بالتوافق على إزاحة الرئيس، أو إزاحة وريثه من بعده.

أقوال جاهزة

شارك غرد30 جلسة مخصصة للأزمة السورية لم يتمكّن فيها مجلس الأمن من إدانة أيّ من المتورطين، إلا تنظيم داعش وجبهة النصرة

شارك غردهذه نتيجة العقيدة التي عبّر عنها مصطفى طلاس بقوله: حصلنا على السلطة بالقوة ومَن يريدها عليه أخذها منا بالسلاح

شكّلت القوة العسكرية والأمنية مكوناً أساسياً في استراتيجية الأسد الأب، فقد كان مسكوناً بهذه القوة، ومشغولاً بصيانتها، ولا يتورّع عن استخدامها وصولاً إلى الإفراط في ذلك عندما يشعر بأنّ سلطته يمكن أن تتعرّض للخطر.

ومثّل هذا المحور العقيدة الحقيقية للنظام الذي اعتبر دائماً الجيش وقوى الأمن مشروعه الوحيد. وقد عبّر وزير الدفاع السابق مصطفى طلاس عن هذه العقيدة بشكل مختصر، عندما قال في مقابلة مع صحيفة دير شبيغل الألمانية: "لقد حصلنا على السلطة بالقوة، ومَن يريد السلطة عليه أن يأخذها منا بالسلاح".

انعكست هذه العقيدة على طريقة النظام في التعامل مع الاحتجاجات البسيطة التي بدأها الأطفال في درعا في نهاية فبراير 2011، ومع الاحتجاجات الواسعة التي بدأت في منتصف مارس التالي. وانتقلت هذه العقيدة إلى خارجه عبر متخرّجين من سجونه، ممن "صودف" خروجهم من سجون النظام في هذه الفترة الحرجة، وهو ما سرّع في انتقال الاحتجاجات السلمية إلى صدامات مسلحة، بتبرير واحد: هذا النظام لا ينفع معه إلا القوة.

ومع مرور الوقت، أصبحت المطالبة باستخدام القوة بأقصى درجاتها شعار المعسكريْن، ومعها لم يعد من الممكن بسهولة سماع أصوات المطالبين بحلول أخرى لا تتضمّن استخداماً مفرطاً للعنف. تضاءلت التظاهرات التي كانت تشهدها أكثر من 600 منطقة في سوريا كل يوم جمعة في عام 2011، حتى وصلت إلى تظاهرتين أو ثلاث في عامي 2014 و2015.

لكن العنف والصراع المسلح لم يتمكّنا من القضاء على الحراك السلمي المعارض للنظام، وإن تمكنا من تحييده عن واجهة الأحداث لعدة سنوات. فقد شكّل هذا الحراك واحداً من أبرز الصامدين في وجه العنف، وما إن هدأت أصوات المدافع وخفّ تساقط البراميل مع بدء سريان الهدنة في 27.2.2016 حتى عادت التظاهرات إلى المدن السورية، وعاد الحراك المدني ليتصدّر الحدث السوري كما كان في بداية الثورة.

 

الأوراق المختلطة

شكّلت المواجهة بين قوات الجيش والأمن السورية وجموع المتظاهرين في المدن السورية معضلة حقيقية للنظام. لذلك، احتاج شهوراً طويلة حتى تمكّن من تحويل استراتيجيته النظرية إلى واقع عملي.

وبرغم المزاعم التي كان النظام يُقدّمها في الأيام والأشهر الأولى عن وجود المسلحين، أو حتى عن وجود مقاتلين أجانب في فترة لاحقة، فإنّ هذه الروايات لم تكن قابلة للتسويق إلا لدى جمهور محدود كان سيتقبّل أيّة نظرية تقريباً.

لكن العمل المسلح أتاح للنظام تطبيق استراتيجية خلط الأوراق بصورة مطلقة، حتى لم يعد من الممكن لغير الضالعين في ما يحصل فهم تقاطعات الحالة السورية. وأصبحت مراكز الدراسات والأبحاث بحاجة إلى عمل مكثف لمعرفة مكوّنات كل طرف من الأطراف، وتحديد الأراضي التي يُسيطر عليها، ودراسة التشابكات بين الفرقاء المختلفين.

ومارست أطراف دولية وإقليمية ومحلية سياسة تضخيم بعض الفرقاء، وخاصة تنظيم داعش، وتجاهل أو تحجيم فرقاء آخرين، مثل حزب الله اللبناني والميليشيات العراقية.

 

عولمة الصراع

لم يقتصر خلط الأوراق على المكوّنات المحلية السورية، فقد تحوّل المشهد السوري إلى حالة سريالية من صراع الدول والفاعلين دون مستوى الدولة. وأصبح الشأن السوري حدثاً دائماً على جدول أعمال مجلس الأمن، وموضوعاً رئيسياً في لقاءات الزعماء، وفي البيانات الختامية للمؤتمرات الدولية والقمم الجماعية والثنائية.

في نهاية أغسطس عام 2013، كانت الولايات المتحدة على وشك توجيه ضربة عسكرية للأسد. وفي نهاية سبتمبر عام 2015، تدخّلت روسيا عسكرياً لدعم نظامه. وبين هذين التاريخين، تشكّل تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة لضرب تنظيم داعش، بما أوصل إلى عدّة تفاهمات روسية - أميركية، نُزع بموجب أحدها سلاح الأسد الكيميائي، وتم التوصل عبرها إلى تفاهمات جنيف الأولى والثانية، وتفاهم فيينا، كما تشكّلت تحالفات ومجموعات دولية ضخمة، مثل مجموعة الدعم ومجموعة أصدقاء سوريا، لتكون سوريا بذلك واحدة من الحالات النادرة التي تستقطب ذلك الاهتمام الكبير من دول العالم ومؤسساته، منذ الحرب العالمية الثانية.

ولم تقتصر عولمة الملف السوري على التدخل العسكري والسياسي، فقد كان الجانب الإنساني، والمتمثّل في أزمة اللجوء، واحداً من أبرز مظاهر عولمة الحالة السورية، إذ أصبح اللاجئون السوريون قضية هامة لمعظم دول العالم، إما لاستقبالهم أو لمنعهم من الوصول إليها أو لتقديم الأموال للمنظمات الدولية التي ترعاهم.

 

منظومة حقوق الإنسان: الضحية الأبرز

لم تكن حقوق الإنسان في موقعٍ يسمو على المصالح السياسية إلا في وثائق حقوق الإنسان نفسها. لكنها في الوقت نفسه لم تكن في هذا الموقع المزري منذ أن توافق المجتمع الدولي على احترام هذه الحقوق ولو بشكل نظري بروتوكولي، بإنتاجه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948.

واستفاد المجتمع الدولي على مرّ العقود التي تلت الإعلان العالمي من صعوبة توثيق انتهاكات حقوق الإنسان بشكل واضح، ومن محدودية انتشار هذه التوثيقات إن حصلت.

لكن الحالة السورية وضعت منظومة حقوق الإنسان في مأزق لم تشهده منذ تأسيسها. فالتوثيق الواسع للانتهاكات يتم ربما للمرة الأولى بجودة عالية غير مسبوقة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة وأجهزة الهاتف المحمولة، بما مكّن الجهات الدولية المعنية من توثيق الانتهاكات بصورة واسعة النطاق.

لكن تعقيدات المشهد السوري دولياً لم تترك مجالاً لمراعاة منظومة حقوق الإنسان ولو بشكل نظري، ولم تتح طريقاً إلا للتفاهمات السياسية التي لا تعبأ بتفاصيل جرائم الحرب الواسعة والموثقة. فمجلس الأمن الذي ناقش القضية السورية في أكثر من 30 جلسة مخصصة لها لم يتمكّن طوال خمس سنوات من إدانة أيّ من الفاعلين، إلا تنظيم داعش وجبهة النصرة، واكتفى التفاهم الروسي - الأميركي بتسليم السلاح الكيميائي السوري دون حتى أن يُشير إلى السبب الذي سيتم من أجله سحب هذا السلاح.

وبرغم أن اللجنة الدولية المستقلة لتقصّي الحقائق في سوريا، والتي شكّلتها الأمم المتحدة، تُصدر مرتين كل عام تقريراً مفصلاً بالانتهاكات التي تقوم بها الأطراف المختلفة، وتوثّق الانتهاكات والجرائم الواسعة التي يقوم بها النظام السوري، فإن الأمم المتحدة تُكرّس في الوقت نفسه جهدها للوصول إلى صيغة سياسية تضمن مشاركة الفاعلين أنفسهم بعدما وثّقت انتهاكاتهم، في الحل السياسي الذي تعمل على الترويج له.

 

التعليقات

المقال التالي