هل يدرك اللبنانيون ما يعنيه العصيان المدني فعلاً؟

هل يدرك اللبنانيون ما يعنيه العصيان المدني فعلاً؟

صباح لبنان كان محزناً ومعيباً يوم الاثنين. بعد جلسة الوزراء الأخيرة، التي لم تأت بنتائج مرضية وسط تكدس النفايات في الشوارع وانتشار الأوبئة، بدت عودة الحراك اللبناني إلى الشارع مفرحة، ولو بشكلها الصوري.

تظاهرة يوم السبت الماضي نجحت في تذكير الناس بحجم المشكلة ووقاحة المتسببين بها، لكن السؤال الذي يعقب هذه الفرحة الخجولة، هو هل يكفي التذكير فقط بعد ما آلت إليه الأوضاع في لبنان؟ إذ لم تجد السلطة أي حرج في الحديث عن إعادة فتح مطمر الناعمة، واستحداث مطمرين آخرين، مع رشى تدفعها للمناطق المتضررة من المطامر، على شكل مشاريع إنمائية تعد حقاً في الأحوال العادية، ومع عودة شركة "سوكلين" التي نهبت خزينة الدولة لعقود، وإنشاء شركات شبيهة بها لضمان تقاسم الحصص.

هل يمكن للانفعال الشعبي وحده أن يواجه هذه السلطة؟ صحيح أن الأخطاء هي في صلب أي تحرك شعبي يواجه باللحم الحي الطبقة الحاكمة، في غياب أي تحرك نقابي فاعل، لكن هل يمكن أن ترتكب الأخطاء نفسها بعد ثمانية أشهر على بدء الحراك؟

"الإضراب العام"، "العصيان المدني"، "إقفال الطرقات"... كلمات قد تهز أي سلطة حين يطلقها الشارع، لكن ليس في لبنان. القوى السياسية تبدو مطمئنة على مصالحها، وهي تراهن على كم الأخطاء المتراكم لدى المعتصمين، وعلى حالة السلبية التي كرستها على امتداد عقود طويلة، والأهم على غياب المشروع البديل لدى من يتحرك ضدها.

أقوال جاهزة

شارك غرد"الإضراب العام"، "العصيان المدني"، "إقفال الطرقات"... كلمات قد تهز أي سلطة حين يطلقها الشارع، لكن ليس في لبنان


هذا كان الحال عندما دعت حملة "طلعت ريحتكم" ومعها بعض المجموعات الصغيرة إلى عصيان مدني وإضراب عام. لم تستنفر السلطة، بل اكتفت بالمراقبة. سرعان ما تنصلت مجموعات أخرى من المشاركة، واتهمت بعضها بالانفعال والتحرك الفردي. ثم خفض المنادون بالتصعيد السقف، على اعتبار أن العصيان "كلمة كبيرة"، فدعوا إلى إقفال مداخل العاصمة من السادسة والنصف صباحاً حتى العاشرة. اكتفت السلطة بتصريحات لوزير الداخلية يحذر من إقفال الطرقات، ولوزير التربية يستثني المدارس من الإضراب.

لكن ليس ذلك ما جعل المشهد باهتاً، فالانقسامات الداخلية وسط الحراك جعلته خارج معادلة السلطة منذ وقت طويل، وتفرق الناس من حوله، أتى عليه بضربة قاسية. يكفي هنا متابعة ردود الفعل على قرار إغلاق الطرقات، وكأن النفايات في عالم آخر لا يعنيهم، حتى أن البعض اشتكى من عدم قدرته للوصول إلى مقهاه المفضل لتناول قهوته الصباحية قبل العمل!

حال الطقس السيئ لم يكن وحده المتآمر على نقاط التجمع الثلاث التي حددت لقطع الطرقات، فالحركة كانت خفيفة، وفتحت الطرقات حتى قبل الموعد المحدد لفتحها. المجموعة المنظمة اعتبرت التحرك رسالة، فهي واجهت تحت المطر سيارات الناس والقوى الأمنية، لم تشعل الإطارات وبالتأكيد لم تحمل السلاح. رسالة لا يمكن تحميل مسؤولية عدم وصولها لهذه المجموعة وحدها، فالجلد هنا يجب أن لا يحيد عن المسؤول الأول والأخير: السلطة.

مع ذلك تبقى الأسئلة المطروحة إزاء هذا الواقع ضرورية. حين أعلنت حملة "طلعت ريحتكم" الإضراب العام يوم الاثنين فاجأت الناس، إذ بدا أن التصعيد غير مقترن بخطة مدروسة، واقترنت المفاجأة بانسحاب  مجموعات "بدنا نحاسب" و"جمعية الحراك المدني الديمقراطي"، و"من أجل الجمهورية" و"حقوقيون ضد الفساد"، و"حملة إقفال مطمر الناعمة" معللة ذلك "بسبب عدم تنسيق هذه الخطوة بشكل مسبق مع الحملات والنقابات والقطاعات والمناطق".

صحيح أن الحملة فسرت قرارها بأن "العودة إلى التصعيد، الذي قد يصل إلى سقف العصيان المدني، سيترجم عبر خطوات تصاعدية، تبدأ بإقفال مداخل العاصمة في خطوة أولى، لتوجيه رسالة إلى الحكومة، ثم تتبعها خطوات أخرى لتجميع الجهود مع بقية مكونات المجتمع اللبناني". لكن القرار ووجه بانتقادات عدة، اعتبرت أن المبادرات الفردية غير كافية لمواجهة السلطة السياسية، بينما المطلوب إعادة النظر في آلية العمل، وتوحيد الطاقات لخلق موازين قوى جديدة لمواجهة السلطة.

وبينما يترسخ الإحساس بالعجز، يتعزز الاكتفاء بالتعبير الساخر على مواقع التواصل الإلكتروني وشاشات التلفزة، كنوع من التعويض الذي يساعد على تفريغ القهر، وإعلاء الشعور بـ"الإنجاز". هذا الأسلوب، على أهميته، يفرغ القضايا من محتواها ويجعل وسائل التعبير فضفاضة غير ذات جدوى.

وعلى الرغم من أن الشخص السلبي، الذي يكتفي بـ"الفرجة" على هذه التراجيديا الوطنية، لا يحق له الاستهزاء بمن يتحرك مهما كان شكل تحركه، إلا أن المؤسف أن الأخير الذي اتخذ طابعاً فولكلورياً يصب في أحيان كثيرة في مصلحة هذا الدرك الذي وصل إليه لبنان ومعه مسؤولوه.

 

ولكن ماذا عن مصطلح العصيان المدني؟

الفشل في القدرة على قيادة الناس بات واضحاً والتخبط في أوجه. هنا لا بد من العودة إلى مصطلح العصيان المدني الذي يتكرر مراراً. العصيان فعلاً "كلمة كبيرة"، وفي كل مرة يطرح ليعود ويستبدل بتحركات خجولة نوعاً وأكثر خجلاً تطبيقاً، يعزز الإحساس بالخيبة.

نعود هنا إلى جذور هذا المصطلح وتجاربه، والبحث في التاريخ اللبناني عن أبرز تجارب العصيان المدني، عل ذلك يساعد في الحذر من استخدام هذا المصطلح في كل مرة، فيتم "تكبير الحجر" وتكبر معه كرة الخيبة نتيجة عدم توفر الظروف الملائمة للعصيان المدني.

ظهرت أولى صور العصيان المدني مع أسطورة أنتيغون التي ضربت فيها البطلة بقوانين المدينة عرض الحائط، لتكفل لشقيقها مدفناً لائقاً. لكنها تكرست رسمياً مع الكاتب الأمريكي هنري ديفيد ثورو عام 1849، حين رفض دفع الضرائب كفعل احتجاج ضد العبودية والحرب المكسيكية الأميركية. وعرف العصيان المدني كرفض الخضوع لقانون أو لائحة أو تنظيم أو سلطة تعد في عين من ينتقدونها ظالمة. ووفقاً لما ذكره جون راولز، يمكن تعريف العصيان المدني أنه عمل عام، سلمي، يتم بوعي كامل، ولكنه عمل سياسي، يتعارض مع القانون ويطبق في غالبية الأحوال لإحداث تغيير في القانون أو في سياسة الحكومة.

وفي سياق متصل، يحفظ التاريخ لغاندي نجاحه في القيام بأكبر عصيان مدني، ومع ذلك لم يسلم عصيان غاندي الذي نجح في طرد الاستعمار البريطاني من الهند، من النقد. بحسب ما كتب في تلك الفترة، نجح غاندي في ثني بريطانيا عن التمسك بالهند، لكنه لم ينجح في ردع الرابطة الإسلامية عن فكرة تقسيم الهند.

لكن نقد فكرة العصيان المدني في لبنان لا يصب في إطار التهويل منه بل البحث في فاعليته. فاليوم تغيب النقابات عن الساحة اللبنانية بشكل فاضح، في ظل شلل لدى الكتل الفاعلة غير الرسمية، التي تعد مؤثرة (سائقو الأجرة مثلاً، العمال…)، فتصبح ضرورة ملحة الإجابة عن أسئلة مثل من يضمن أن إقفال الطرقات لساعات سيشل الحركة الاقتصادية؟ وكيف يتم تقدير حجم هذا الشلل؟ ومن يحدد الطرقات المؤثرة؟ ومن يلزم المواطنين الخائفين على اللقمة والأمن بهذا العصيان، الذي يفترض أن يكون جماعياً؟ وكيف يجري التلويح بالعصيان ومجموعات الحراك نفسها تتخبط بعضها في بعض؟ وأسئلة كثيرة أخرى من هذا القبيل.

قد تنفع هنا العودة إلى تجارب ماضية للاستفادة منها، وأبرزها ما حصل حين اجتمع اللبنانيون في وجه شركة الكهرباء في أوائل الخمسينيات لرفض التعرفة الباهظة التي حددتها الشركة، في ظلّ تردي خدماتها. قرروا اللجوء إلى العصيان المدني بدعم من أحزاب المعارضة المنادية بالإصلاح السياسي، ونجحوا بعد ثمانية أشهر في إجبار الشركة على إعادة النظر في سياستها الجائرة. وكان لافتاً انضمام الأهالي من جهة والتجار وأصحاب المؤسسات من جهة أخرى، فنجحت مشاركة الطبقة الوسطى الواسعة في الإضراب في إيجاد حالة ضغط فاعلة في مدينة قلما شهدت هذا الائتلاف بين أهاليها.

 

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

كلمات مفتاحية
لبنان

التعليقات

المقال التالي