النظام المصري: عبقرية صناعة الأعداء 

النظام المصري: عبقرية صناعة الأعداء 

إن المشكلات المتناثرة حول النظام المصري، وعدد الأعداء الذين يكتسبهم يوماً بعد يوم، كفيل بخلق أزمة حقيقة له، حال تلاقيهم في نقطة قد تبدو عشوائية. بين كراهية الإسلاميين وغضب المثقفين، أصبح لهذا النظام قدرات لا محدودة على اكتساب الأعداء.

الأخوان المسلمون

النظام المصري - محمد مرسي

وصل الجنرال عبد الفتاح السيسي إلى الحكم في مصر بعد صدام دامٍ مع جماعة الأخوان المسلمين، بلغ ذروته أثناء فض اعتصام رابعة العدوية في أغسطس 2013، مخلفاً نحو 1000 قتيل.

الدم المراق في تلك المأساة وما تلاها، سد طرق العودة أمام السيسي والأخوان، وتحول المشهد من صراع سياسي إلى ثأر شخصي لدى الجماعة وأنصارها الذين يرون السيسي "قاتلاً"، في حين يراه أنصاره بطلاً أنقذ البلاد من السقوط في بئر التطرف الديني، وتالياً من التحول إلى أفغانستان أخرى.

وبعيداً عن هذا الجدل، الأكيد أن السيسي يُعتبر العدو رقم واحد للجماعة ومن يواليها في مصر، عدو يستحيل معه صلح أو توافق.

المجتمع المدني

في يوليو 2014 شنت الدولة حرباً على المجتمع المدني من خلال وزارة التضامن الاجتماعي، مطالبة منظمات المجتمع المدني بتقنين أوضاعها تماشياً مع قانون الجمعيات الأهلية لسنة 2002، وإلا فستتعرض للمساءلة القانونية.

إعلان وزارة التضامن أتى تتويجاً لحملة مداهمات لبعض المراكز الحقوقية في مصر، ما دفع 23 منظمة حقوقية لإصدار بيان مشترك تطالب فيه الحكومة بوقف محاربة المجتمع المدني، على حد تعبير الموقعين على البيان.

هجمة الدولة كانت ضربة مقصود بها إسكات المنظمات الحقوقية، التي دأبت على إصدار تقارير تتحدث عن انتهاكات الأمن للمعارضين سياسياً، في وقت كان النظام يحاول تجميل صورته في الغرب، وإسباغ الشرعية عليه، فاعتبرت الدولة منظمات المجتمع المدني خصماً لا مراقباً نزيهاً.

المثليون واللادينون

المدهش أن نظام السيسي الذي استعدى الإسلاميين، نجح أيضاً في استعداء "المثليين والملحدين"، أشد خصوم الإسلاميين.

ففي يوليو 2014، أصدر وزيرا الشباب والأوقاف بياناً مشتركاً، أعلنا فيه انطلاق الحملة القومية لمكافحة ظاهرة انتشار الإلحاد بين الشباب والاستعانة بعدد من علماء النفس والاجتماع والسياسة والأطباء النفسيين. الحملة تزامنت مع مداهمة مقاهٍ في منطقة وسط البلد في القاهرة بحجة أنها تؤوي الملحدين. وأصبح المعتاد أن تفتح الصحف المصرية لتجد الخبر التالي: "القبض على مجموعة من الشاذين في أحد فنادق القاهرة".

اعتقدت الدولة أنها بمهاجمة هؤلاء تكسب إلى صفها القطاع الأوسع من الجمهور المحافظ، وفي الوقت نفسه تقطع الطريق على خصومها الإسلاميين في المزايدة عليها بالأخلاق والتدين، والرسالة: نحن أكثر تديناً منكم. لكن هذه الرسالة كلفت الدولة الكثير، فهي لم تستعدِ أنصار الحريات في مصر فحسب، بل استعدت المنظمات المدنية في الغرب، وكانت النتيجة اقتران اسم مصر بانتهاك الحريات الشخصية في غالبية وسائل الإعلام الدولية.

رجال المال

لا يمكن الجزم بدقة حجم الخلاف بين رجال الأعمال في مصر والسلطة الحالية، هناك مؤشرات إلى أنها ليست على ما يرام. يظهر ذلك مرة في هجوم بعض الفضائيات والصحف المملوكة لرجال أعمال على النظام، وأحياناً الرئيس نفسه، لترد الدولة بالقبض على مالك إحدى أكبر الصحف، وتنشر صوره بشكل مهين ثم تفرج عنه سريعاً.

لب الخلاف كما تشير غالبية التقارير الصحفية هو "كعكعة المشاريع". فوفقاً لتقرير الـBBC توسّع النظام الحالي في إسناد المشاريع الضخمة والحديثة للجيش، ما أثار حفيظة رجال الأعمال الذين وجدوا منافساً جديداً لا قبل لهم به. وقد أصدر معهد كارنيجي تقريراً مفصلاً عن حجم استثمارات الجيش في الاقتصاد المصري، وكيف زاد بقوة عقب وصول الجنرال عبد الفتاح السيسي إلى الحكم.

البعض يعزو ذلك إلى رغبة السيسي في الحفاظ على ولاء الجيش له، لكن في سبيل الحفاظ على هذا الولاء يخاطر النظام بعداوة رجال المال، التي لو تفاقمت لتسببت بأرق قد لا تحمد عقباه.

مجموعات الألتراس

النظام المصري - الألتراس

ربما يكون صدام الدولة مع الألتراس هو الصدام الأبرز، الذي انتقل من فترة المجلس العسكري ليمر بنظام مرسي حتى يصل إلى نظام السيسي.

فكانت مذبحة بورسعيد الشهيرة في فبراير 2012، التي فقد فيها 74 من مشجعي النادي الأهلي حياتهم في استاد بورسعيد في أحداث مؤسفة لم يعرف حتى الآن حقيقة ما حدث فيها، ليحمّل أعضاء الألتراس المجلس العسكري مسؤولية الدم، إما تقصيراً أو تآمراً.

علاقة السيسي بالألتراس لم تكن أفضل كثيراً، فإن كان عهد طنطاوي شهد مذبحة، فالأمر نفسه تكرر مع السيسي، لكن مع ألتراس نادي الزمالك، وعلى يد الأمن. ففي فبراير 2015، سقط 22 قتيلاً من جماهير الزمالك، حين أطلقت قوات الشرطة الغاز عليهم، ليلقى الكثيرون حتفهم اختناقاً، وإن كانت الداخلية نفت مسؤوليتها عن الكارثة مؤكدة أن الوفاة ناتجة عن تدافع الجماهير الذين لم يكن في حوزتهم تذاكر.

المذبحتان والتصريحات العدائية المتبادلة، وأحكام السجن على كثير من قيادات الألتراس، هذه كلها زرعت عداوة بينهم وبين النظام يصعب تلافيها أو السيطرة عليها.

المراكز الثقافية

النظام المصري - Townhouse

وكأن النظام المصري لم يكتف بقائمة أعدائه، ليزيد الشعر بيتاً بمعاداة المبدعين والمثقفين. فمنذ عام 2015 والضربات توجه إلى المراكز الثقافية، وأول المراكز التي تم القضاء عليها مركز "المورد الثقافي"، الذي اضطر إلى تصفية أعماله في مصر على خلفية المضايقات التي تبدو كلها إدارية، لكن تظهر بوضوح يد الدوله في الخلفية.

المورد الثقافي لم يكن وحده، فمركز الصورة المعاصر الثقافي أيضاً تعرض لهجمة أمنية وأغلق، وفي الوقت نفسه تقريباً، تم إيقاف مهرجان الفن ميدان، الذي كان يعد أحد أبرز الأحداث الثقافية في مصر، بحجة تطوير ميدان عابدين. بعد ذلك اقتحمت الشرطة دار "ميريت" للنشر، وقبضت على أحد العاملين فيها، بعد يوم على إغلاق غاليري "تاون هاوس"، ومسرح "روابط" في منطقة وسط البلد. صحيح أنه تم فتحهما مرة أخرى لكن الرسالة وصلت: "أنتم غير مرحب بما تفعلونه هنا، لا نريد أي وسيلة أو نقطة تجمع الشباب حولها وإن كان نشاطاً ثقافياً".

المبدعون

لكن عداء الدولة لم يقتصر على المراكز بل بدأ يطاول الأفراد. ففي يناير 2016، ألقت قوات الأمن القبض على رسام الكاريكاتير إسلام جاويش، عقب رسمه لكاريكاتير سخر فيه من الرئيس. لكن وزارة الداخلية نفت أن يكون هذا السبب، مؤكدة أن التهمة هي أنه يدير موقعاً خاصاً به على شبكة المعلومات الدولية من دون ترخيص.

التهمة أثارت سخرية الجميع، فمنذ متى كان هناك تصريح لصفحة على موقع Facebook؟ لكن الضغط الجماهيري وشعبية إسلام، عجلا في إطلاق سراحه واحتواء الأزمة سريعاً.

وفي الشهر التالي لحادثة إسلام، وجهت الدولة ضربة أعنف تمثّلت في  الحكم على الروائي المصري أحمد ناجي بالحبس عامين، بتهمة بدت عبثية ومخالفة للماده 67 من الدستور المصري. فناجي متهم بخدش الحياء العام لاحتواء روايته على ألفاظ اعتبرتها النيابة والمحكمة غير لائقة. الحكم العبثي على ناجي أثار غضب الروائيين والمثقفين والمبدعين في مصر، واعتبروه تهديداً واضحاً وصريحاً ضد حرية الإبداع، لتكسب الدولة خصماً جديداً بلا داع أو مبرر.

السؤال الآن

إذا كان النظام المصري يستعدي كل هؤلاء، فمن يقف معه ويسانده؟ ربما تتعدد الجبهات التي فتحها النظام المصري على نفسه وتتسع، وهذا ما دفع الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى أن يصرخ غاضباً في آخر خطبة له موجهاً حديثه للعدو المجهول: انتو مين؟

ماجد عاطف

صحافي مصري عمل مراسلاً لمجلة نيوزيويك، ويعمل الآن مراسلاً لموقع Buzzfeed الأمريكي.

كلمات مفتاحية
النظام المصري مصر

التعليقات

المقال التالي