ما الذي على لبنان أن يفعله لتحسين العلاقات مع السعودية؟ الحلفاء والخصوم يجيبون

ما الذي على لبنان أن يفعله لتحسين العلاقات مع السعودية؟ الحلفاء والخصوم يجيبون

اللعبة في لبنان باتت واضحة المعالم، قواعد الاشتباك فيها محددة سلفاً، يتسع هامشها ويضيق وفق اعتبارات حلفاء وخصوم الداخل، وتوازنات الإقليم والعالم. مناسبة الكلام لعبة الفتنة المذهبية السنية - الشيعية التي تطفو على السطح كل حين، لتعود وتتموضع وفق الوضع المستقر المراد للبنان أن يكون عليه في فترة الاشتعال الإقليمي. هذه المرة كان الخطاب على خط الرياض - بيروت أكثر حدة، واقترن بخطوات عملية بدأت بوقف الهبة السعودية للجيش، أما الهدف المعلن للجميع: وقف هيمنة "حزب الله" على الشرعية اللبنانية، وما وراءه الكثير من الأغراض الأخرى.

سؤالان طُرحا بعدما وصلت الأمور إلى ما هي عليه، إذ طالبت السعودية لبنان بالاعتذار، ووقف تدخل حزب الله في سوريا، وكف يد وزير الخارجية المتهم بارتهانه للقرار الإيراني المتمثل بحزب الله. وما تبع ذلك من محاولات حلفاء المملكة من تأكيد المؤكد (في الدستور اللبناني) على العمق العربي للبنان (ضد إيران الفارسية)، وهي محاولات وصفها الطرف المقابل بـ"المهينة". السؤالان تم طرحهما على محللين وصحافيين مطلعين على أجواء أبرز الأقطاب السياسية الفاعلة في البلد، ويتمثلان بالخطوات الممكنة وفق المعطيات اللبنانية لإصلاح الحال مع السعودية، وفي حال تعذرها، ما قد تكون السيناريوهات الواردة في حال الاستمرار في التصعيد؟

"السعودية تبحث عن التوتير لأجل التوتير"

"التصعيد لأجل التصعيد بذاته هو مشروع السعودية اليوم"، ينطلق الباحث والمحلل السياسي حسام مطر، المقرّب من أجواء "حزب الله"، ليؤكد أن المملكة تسعى إلى الحفاظ على جو التوتر القائم في المنطقة، بعدما وصلت مع إيران إلى أقصى حالات التوتر. في المقابل، يحافظ "حزب الله" على الهدوء لاحتواء التصعيد قدر المستطاع، فـ"القيادة مصرة أن لا تجاري السعودية، لأن اللعبة المذهبية تصب دائماً في صالح الأخيرة".

وبالانتقال إلى إمكانية التصعيد، يستبعد استعادة سيناريو 7 أيار 2008 (الاشتباك بين حزب الله وتيار المستقبل الذي اتخذ طابعاً مذهبياً بشكل أساسي)، لكنه يرجح استمرار تجميد الهبة السعودية للجيش اللبناني، وطرد لبنانيين من الخليج، حتى ولو بقي الإجراء محدوداً، لأن السعودية لن تغامر بمخالفة القانون الدولي عبر طرد تعسفي لأعداد هائلة. وقد تتطور الأمور إلى ظهور صيغ مشابهة للشيخ أحمد الأسير، يعمدون إلى التحريض المذهبي، ووقوع توترات أمنية من احتكاكات مذهبية في المناطق المختلطة وصولاً إلى التفجيرات. أما التصعيد الأخطر الذي يبقى في إطار السؤال نظراً لحساسيته: هل تعمد السعودية إلى ضرب مواقع لحزب الله في محيط حلب؟ هذا الطرح وإن كان مستبعداً، إلا أن حصوله قد يغيّر قواعد الاشتباك ويرخي ثقله بشكل كبير على الأوضاع في سوريا واليمن ولبنان.

"الكرة في ملعب السعودية"

وللبقاء في الأجواء نفسها، ينتقل السؤالان إلى الحليف الأقرب لـ"حزب الله"، "حركة أمل" مع الصحافي والكاتب السياسي نبيل هيثم. يرى هيثم أن السعودية رفعت السقف عالياً، وأفرطت في رد الفعل، من هنا فإن كرة إصلاح الحال في ملعبها. وعليه، وفقاً للكاتب المطلع على أجواء الحزب الشيعي الثاني في البلاد، فإن التوقيت المحتمل لعودة المياه إلى مجاريها مرتبط حصراً بالسعودية، "عندما يكتشف السعودي بأن هذا القرار لن يؤدي إلى هدف، وحينها لا بدّ أن يتراجع. ولكن يمكن أيضاً أن تنتظر المملكة من يأتي لينتشلها من هذا المستنقع، وتحديداً نتحدث هنا عن الدور الأميركي الذي يؤكد على عدم السماح للبنان بالغرق في هذا المستنقع الذي سيكون أول ضحاياه الحلفاء". يمكن هنا استعادة ورقة اللاجئين التي تشكل أحد أبرز عناصر الضغط على المجتمع الدولي. أكثر من مليون ونصف لاجئ يشتكي من ثقلهم لبنان، يعطون المجتمع الدولي سبباً للحفاظ على استقرار البلاد، وإلا الخوف الأوروبي من موجة نزوح كبيرة.

ثمة اعتقاد بأن السعودية وصلت إلى سقف التصعيد الممكن، وقد تشهد الأيام المقبلة تراجعاً في حدة التوتر. وهنا يطرح السؤال عن موقف "حركة أمل" في هذا الإشكال، فمعروف عن الحركة أنها حليف عضوي لـ"حزب الله"، لكنها تتمايز بشخص رئيسها، وهو رئيس المجلس النيابي في موقفها من السعودية. هنا يأتي الردّ بأن بري كان دائماً صلة الوصل الموجودة مع كل الأطراف. "صحيح أن الارتباط بحزب الله وثيق، لكن بري يبقى ضابطاً لارتباط الداخل وينجح فيه انطلاقاً من حاجة البلاد إلى خيط معلق على بعض المنطق". حزب الله يفهم هذه العلاقة، إذ يشكل نصرالله وبري شخصيتان متكاملتان تحتاج الواحدة للأخرى لتشكلان ضابط أمان للطائفة والبلاد"، وفقاً لهيثم. وهنا يمكن استعادة لقاء الحريري - بري الأخير (29 فبراير) الذي أكدا فيه على أن "قادة الرأي في لبنان والقيادات السياسية والدينية ومختلف المؤسسات الإعلامية والثقافية مطالبة بالتصدي للحملات المشبوهة، ومواجهة كل محاولة لإشعال نار الفتنة حرصاً على لبنان واللبنانيين".

"المجموعة العربية كاملة، مسؤولة"

تزامن التصعيد السعودي مع عودة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري للاستقرار في لبنان، سحب البساط سريعاً من تحت جرعة التفاؤل التي حملها قدومه بشأن تحريك ملف رئاسة الجمهورية. يجيب الصحافي والكاتب في جريدة المستقبل راشد فايد، والمطلع على أجواء تيار المستقبل، قائلاً إن "المجموعة العربية كاملة تتحمل المسؤولية، ولا سيما السعودية ومجلس التعاون الخليجي، فهم لم يتنبؤوا مسبقاً بما يقوم به حزب الله من تسخيف للدور العربي في لبنان، لا سيما بعد حرب يوليو 2006، إذ  تناول حزب الله الدور العربي بشكل شخصاني يمس بالكرامات". وفقاً لفايد، وعت هذه القيادات متأخرة خطورة الأمر، وتحديداً بعد الهيمنة الإيرانية وتخلي الحليف الأميركي عنها، فلجأت إلى خطوات عدة كان أبرزها "عاصفة الحزم" في اليمن، وآخرها التصدي لحركات حزب الله في لبنان.

ردّ فايد بأن "ليس هناك من حلول واضحة في الأفق، لكن التصعيد لا يصل إلى ما يروجه البعض عن طرد جماعي للبنانيين من الخليج، علماً أن الهبة جمدت ولم تلغ كما يسعى البعض إلى التهويل. على خط متصل، يدرك الجميع أن المصلحة تقتضي البقاء على خط التهدئة. في حين أن الرئيس سعد الحريري وتيار المستقبل لم يقصرا في تعليق أهمية قصوى على انتخاب رئيس للجمهورية كما الدعوة لحلّ الأمور في مجلس النواب".

"المملكة الجديدة"

ينطلق الصحافي والكاتب السياسي أسعد بشارة من أحقية السياسة السعودية الجديدة، أو ما يمكن اصطلاحه بـ"المملكة الجديدة" بمقاومة نفوذ إيران في المنطقة، وحثّ الجميع على الوقوف بوجه حزب الله من أجل الشرعية في لبنان. ويتساءل الكاتب، المطلع على أجواء القوات اللبنانية عن إمكانية أن يتدخل طرف لبناني مسلح في الكويت والبحرين واليمن، مستعيداً ما كشفه وزير الداخلية نهاد المشنوق عن وجود خلايا لحزب الله في هذه البلدان. يطالب أيضاً بوضع حدّ لوزير الخارجية جبران باسيل، على اعتبار أن هذه حكومة ائتلافية أو حكومة ربط نزاع وليست حكومة حزب الله في لبنان.

لا يستبعد بشارة عودة 7 أيار مجدداً، وإن كان يستصعب الأمر نتيجة انخراط حزب الله في الحرب السورية. وبينما لا يتوقع أن يغيّر حزب الله موقفه، يرى بشارة المسؤولية على 14 آذار (حلفاء السعودية) في امتصاص الأزمة لناحية درس قضية المشاركة في الحكومة، ودرس قضية الحوار الثنائي، وإعادة درس المرشحين للرئاسة. وفي النقطة الأخيرة يأتي السؤال عن تمايز القوات (الحزب المسيحي) عن تيار المستقبل والسعودية، وكيف يمكن التوصل لاتفاق لا سيما في الشأن الرئاسي. يقول بشارة إن الحريري لا يفكر بالعودة عن فرنجية، وهو حال جعجع مع عون خصوصاً أن رئيس القوات اللبنانية قدم الترشيح في إطار المصالحة المسيحية.

وأخيراً، يعتبر بشارة توقيع العرائض والبيانات في إطار الخطوات الرمزية التي تأتي من خارج السياق، فالسعودية لم تطلب من أحد أن يقاتل معها، بينما المطلوب عودة أطراف 14 آذار إلى رؤية مشتركة تعمل على حماية الدولة والشرعية، ولكن اذا استمر كل طرف بالعمل منفرداً فالأمور تدور كبرغي بعكس الآلة.

"لبنان الخاسر، وليس حزب الله"

يؤكد المحامي طوني نصرالله، المتابع عن كثب لأجواء التيار الوطني الحرّ بزعامة ميشال عون، على اقتناع حلف الثامن من آذار بأن التوتير الذي تعتمده السعودية يأتي كردة فعل على المنطقة، وما يجري في اليمن وسوريا. لكنه يسأل هل صحيح أن حزب الله يخسر؟ ليسارع مجيباً بأن لبنان بأكمله يخسر نتيجة هذا التجييش المذهبي. مع ذلك لا يتوقع المزيد من التصعيد، استناداً إلى اتفاق دولي بالحفاظ على الستاتيكو اللبناني، وعدم المخاطرة بتهجير اللاجئين مجدداً إلى أوروبا.

ويخفف نصرالله من التهويل الإعلامي بشأن ضغط السعودية اقتصادياً، فبرأيه "النظام المصرفي في لبنان يؤمن للسعودية الكثير من الامتيازات لجهة الفوائد على الودائع (7%) والسرية المصرفية، لذلك موضوع سحب الودائع مبالغ به".

وعن موقف التيار الوطني الحرّ، يوضح أن الموقف أشبه بموقف الرئيس نبيه بري الذي يعتمد سياسة النأي بالنفس، بينما يتمايز التيار عن الحزب في الأدبيات مع السعودية، وحزب الله لا يطلب أي التزامات سوى في المواقف الكبيرة".

"الطوائف ليست جاهزة للدخول في حرب مذهبية"

يعرف عن الحزب الاشتراكي بزعامة النائب وليد جنبلاط محاولته الدائمة للعب دور بيضة القبان في المناكفات الداخلية. فشل في ذلك حيناً، ونجح في أحيان كثيرة. يرى أستاذ الجامعة والصحافي مكرم رباح، المتابع لأوساط الزعيم الدرزي البارز، أن أحد أسباب التصعيد السعودي في هذا التوقيت هو استخدام حزب الله الدولة اللبنانية (وزارة الخارجية) كغطاء ضد الملك، بعدما كان ذلك محصوراً بالمنابر، بينما يعاني النظام السعودي أزمة ثقة، لأن الأميركي فضل عليه الإيراني. برأي رباح، "ممكن إصلاح الأمور إذا تمّ عزل وزير الخارجية والحكومة عن المشهد، وإذا تمت رعاية انتخاب رئيس الجمهورية. كما يمكن أن يحصل فضّ اشتباك إذا تدخل الروس، مع العلم أن الجميع يلعب في الوقت الضائع قبل أن يحين موعد الانتخابات الأميركية، وما سيأتي معها من تغيير في السياسة الأميركية بعد أوباما".

وفقاً لرباح، لا يمكن للحزب الاشتراكي أن يقف ضدّ الإجماع العربي السني، و"ليس غريباً على جنبلاط أن يخرج ليسمي حزب الله بالجالية الإيرانية في لبنان، قبل أن يعود ليسحبها بعدما حققت المراد منها وهو ليس مضطراً للتصعيد". يختم رباح موضحاً أن جنبلاط لن يستعمل قدرته على قلب المعادلة، وهو يتجنب زجّ طائفته في الحرب السنية - الشيعية، فهو يعلم أن الاعتماد على الخليج في الحرب رهان خاطئ.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي