كيف تحول عالم لعبة كاونتر سترايك الافتراضي إلى واقع لدى الشباب السوريين

كيف تحول عالم لعبة كاونتر سترايك الافتراضي إلى واقع لدى الشباب السوريين

خمسة أعوام على الحرب، والمشهد السوري يزداد عنفاً كل عام، لكن قتال الشوارع ما زال حاضراً بقوة، ومنذ العام الأول من الحرب تقريباً. هذا القتال في الأزقة السورية، مشاهد القنص والمناورة، الرمي من وراء السواتر الرملية، قذائف الآربي جي والقنابل اليدوية، احتلال الساحات والشوارع وتحويلها إلى ميدان اشتباك، الكر والفر... كل هذا قد لا يكون جديداً على السوريين خصوصاً الشبان منهم، فالأعمار التي تراوح بين العشرين والثلاثين، هي الفئة الأكثر حضوراً في الشارع السوري المقاتل من الطرفين.

خلال ما يقارب العشر سنوات الأخيرة في تاريخ سوريا، كانت هذه التكتيكات الحربية والقتالية حاضرة في كل شارع وحي سوري، إن لم نقل في كل بيت. كل شاب سوري يقاتل على الجبهات اليوم أو حتى يشاهد من وراء الشاشة الصغيرة، لا بد أنه كان مقاتلاً في يوم من الأيام، وأنه استمتع بالقتال وحمل أسلحة متنوعة واكتسب مهارات عالية في لعبة الشبكات الأشهر كاونتر سترايك Counter-strike. لعبة القتال الفردي الأولى في تاريخ ألعاب الفيديو، التي لم تفقد بريقها على الرغم من تقادم الزمن عليها، وظهور ألعاب أكثر دقة وأكثر حقيقية.

أقوال جاهزة

شارك غردليس مبالغة القول إن الشبان السوريين أدمنوا الاقتتال الافتراضي لأعوام كثيرة سبقت الثورة السورية

شارك غردهكذا تدرب السوريون لعقد من الزمن على الحرب الأهلية، أتقنوا قواعدها وأصولها...

من النادر فعلاً أن تجد شاباً سورياً لم يلعب هذه اللعبة مع رفاق المدرسة أو أبناء الحي. صالات اللعب التي تتضمن عدداً من أجهزة الكومبيوتر الموصولة على شبكة واحدة، أصبحت ثيمة للأزقة الداخلية في سوريا، أينما تنقلت ستجد تلك الصالات التي تراوح في الحجم والنوعية تبعاً للطبقة الاقتصادية التي تسكن المنطقة. ليس مبالغة القول إن الشبان السوريين أدمنوا الاقتتال الافتراضي لأعوام كثيرة سبقت الثورة السورية، كل أسرةٍ سورية ستروي قصتها مع الأبناء، الذين قضوا معظم ساعات شبابهم في صالات اللعب، التي بدورها تحولت إلى ملتقى اجتماعي كبير يجمع الفئات العمرية المنقطعة عن التفاعل الاجتماعي السوي بفعل الاستبداد.

كاونتر سترايك لعبة قتالية تم تطويرها عام 1999 من قبل شركة الألعاب الأميركية "فالف" Valve. تتألف اللعبة من فريقين، الإرهابيين ورجال الشرطة، يظهر الإرهابيون ملثمين بلباس مموه، بينما يظهر الشرطيون باللباس الرسمي والبذلات السوداء مع خوذة واقية. يختار اللاعبون الأرض التي سيتقاتلون عليها، وعلى الشرطيين أن يحرروا الرهائن الذين احتجزوا من قبل الإرهابيين في مقرهم مسبقاً، هذا التفصيل ليس ذا شأن بالنسبة إلى المقاتلين، المهم هو القتال وتصفية الطرف الآخر. ثمّة العديد من المراحل، وهناك ما هو مفضل منها, كالـ"مصنع" والـ"بلود سترايك" والـ"إيز". يتم غالباً اختيار المكان تبعاً لعدد اللاعبين، فهناك ساحات قتال صغيرة وضيقة، وهناك ساحات كبيرة تتسع لعشرات اللاعبين. الخلاف الحاد الذي قد تصادفه في جميع صالات اللعب، بعد أن تنشأ التحالفات المليشيوية بالطبع ويُحدد من سيقاتل من، هو من سيلعب دور الإرهابي ومن سيلعب دور الشرطي. يفضل معظم السوريين دور الإرهابيين على دور الشرطة، لأنهم يتمتعون بموقع هجومي، بينما على الشرطيين أن يصدوا الهجوم.

الحرب في سوريا - طفل أمام الحاسوب

اللعب يتم على جولات، يستخدم المتقاتلون فيها مختلف الأسلحة، من المسدسات المتنوعة والرشاشات الثقيلة والقناصات الأوتوماتيكية والقنابل. تبقى القناصة هي السلاح المفضل للاعب السوري، لما فيها من احترافية، ولما تتطلبه من دقة في التصويب. لكل فريقٍ قناصه الخاص الذي يتمركز في مكان معين ويقنص الأعداء في رؤوسهم وقلوبهم، ولكل حي قناصه المحترف، فلا يخلو الأمر من مباريات بين أحياء مختلفة بالقتل.

القتل بالسكين يحضر أيضاً في اللعبة، وهو موضوع إشكالي وحرج لدى الكثير من اللاعبين، فالمقتول بالسكين هو "خروف". تنتهي الجولة عندما تتم تصفية أحد الفريقين كاملاً، وتُحسب نقطة للفريق الآخر. الفريق المنتصر ينتشي فيذهب إلى أرض العدو ويكتب على الحيطان كلمات وعبارات مهينة وساخرة. ثم تعود اللعبة لتخلق الفريقين في مكانين منفصلين من جديد، ليستعدا بشراء الأسلحة والدروع ويذهبا إلى خطوط القتال.

على الرغم من أهمية الذبح بالسكين للحط من قيمة الفريق الآخر، إلا أن معظم اللاعبين يفضلون إنشاء خطوط تماس واضحة، ويتفقون على قواعد للاشتباك ثابتة لا يجوز تجاوزها، "هنا أرضنا وهناك أرضكم"، ويمنع مثلاً في بعض الجولات استخدام القنابل المسيلة للدموع والمتفجرة، أو الرشاشات الثقيلة جداً. يفضل السوريون أن يتمترسوا خلف الحواجز ويقنصون بعضهم بعضاً، أو يناورون بين الأبنية ويتمركزون خلف الشبابيك، في آخر النفق أو في أوله، على مدخل الكاراج، فوق الجسر، على سطح مرتفع. كل هذا يحتاج إلى تنسيق بين اللاعبين وحماية ظهور بعضهم بعضاً. السلاح فردي، لكن العمل جماعي بالضرورة كي يؤدي إلى النصر. ثمّة نسخة أخرى في اللعبة، تتضمن أسلحة غير تقليدية وحديثة، لا يتوانى فريقٌ فيها عن استخدام أسلحة كيمياوية تبيد الفريق الآخر كاملاً بكبسة زر.

اللعبة، هي محاكاة افتراضية تشابه الواقع الحالي إلى حد بعيد، ليس السرد السابق عن تفاصيل اللعبة إلا صورة المحيط الذي نشهده منذ بداية الحرب في سوريا.

هكذا تدرب السوريون لعقد من الزمن على الحرب الأهلية، أتقنوا قواعدها وأصولها، فرقوا بين الأسلحة، بين دقة الإم سيكستين وثباتها، وغزارة الكلاشينيكوف وحيلة استخدامه لتحقيق الإصابة الدقيقة. تقاسم السوريون الأرض منذ وقت سابق، ووزعوا الأدوار ورسموا خطوط التماس وقواعد الاشتباك، انتصروا وصاحوا الله أكبر، تلك الشاشة سقطت منها النقطة الحمراء، في وسط عدسة القناصة إلى الواقع، لتحذف رأساً حقيقياً وتثقب قلباً حيّاً.

التعليقات

المقال التالي