السياسيون اللبنانيون ووسائل الإعلام الاجتماعي، من الأكثر حنكة في استخدامها؟

السياسيون اللبنانيون ووسائل الإعلام الاجتماعي، من الأكثر حنكة في استخدامها؟

منذ أصبح عالمنا الاجتماعي يقبع في جهاز بحجم راحة اليد، تحوّل كل واحد منا إلى شخصية اجتماعية مستقلة تسعى بشتى الطرق لتقدم نفسها لدائرة معارفها بتمّيز وفرادة. نجومية لم تكن في الحسبان أصبحت متاحة بكبسة زر، شهرة وسلطة رأي ومكانة افتراضية هبطت فجأة لتحوّل الجميع من دون استثناء إلى كائنات تتغذى من كبسة الإعجاب وتستعطيها بأي ثمن. قد يكون ألطف ما في وسائل التواصل الاجتماعي أنها ساوت بين الفقير والأمير في القدرة على التأثير، إذ فَهِم كلاهما عمل هذه الأدوات الجديدة.

على الرغم من الهوية الشخصية المرافقة لمواقع التواصل الاجتماعي، فإن هذه الأخيرة لم تتردد في تبني القضايا العامّة. وقد سخّر الغرب أولاً هذه المواقع لرفع التوعية في القضايا الاجتماعية والصحية والتثقيفية، كما تلقفت الجمعيات والمؤسسات على أنواعها هذه الوسائط لنشر أفكارها وجذب التعاطف والمتابعة. لم تقف السياسة متفرجّة طويلاً على هذه المعجزة، إذ دشّن استعمال الرئيس الأميركي باراك أوباما للفايسبوك في حملته الانتخابية لولايته الأولى تزاوجاً لافتاً بين السياسة ووسائط التواصل الاجتماعي، بلغت ارتداداته أميركا بأكملها ومن بعدها العالم.

اعلان


أقوال جاهزة

شارك غردوسائل التواصل الاجتماعي مسدس ماء، إن لم تحمله بالمياه فلن تستمتع بالمرح مع الآخرين، وإن أسأت استعماله فستتبلل وحدك

على صعيد الدول العربية، جاءت الثورات العربية لتفرض هذه المواقع كذراع سياسية غير تقليدية، فتحوّلت من أداة بهجة وتعارف وتلصص على حيوات الآخرين، إلى آلة حادة تخشاها الحكومات، وتتوجسّ منها وتحسب لها ألف حساب. كانت البداية مع الثورة التونسية ثم الثورة المصرية، يوم حوّل الناشطون أدوات التواصل الاجتماعي كاليوتيوب والفايسبوك وتويتر والتدوينات لمساحات نقاش وشحن ثوري قبل البدء بأي نشاط على الأرض. لم يكتفِ الناشطون بذلك بل عملوا أيضاً على التواصل مع ناشطين من خارج الحدود وتفاعلوا معهم، ما ساهم بفرض واقع شعبي وتغطية إعلامية إقليمية وعالمية للأحداث، فاقت التوقعات وساهمت بتشكيل الواقع الذي نعرفه اليوم.

مع الوقت تنبه السياسيون العرب إلى أهمية هذه المواقع، فحاولوا بدورهم تطويعها لخدمة مشاريعهم السياسية، وذهب البعض منهم للاستعانة بفريق متخصص لتدريبه عليها، وبالتالي هناك من نجح كثيراً وهناك من جرّب ثم انكفأ.

يقول وائل اليمن، خبير الاستراتيجيات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي في بيروت، إن "وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت معياراً لمدى تأثير أي سياسي في المشهد السياسي العام للبلد، ويؤخذ لذلك بالاعتبار عدد متابعيه وتفاعلهم معه، حتى يمكن القول إن الحضور على فايسبوك وتويتر أصبح واجباً وضرورياً ليتمكن السياسي من القول: أنا موجود، وأصبح أداة أساسية للتواصل مع المناصرين ليسمعهم ويتأكد من صوابية سياساته، والتواصل مع الإعلاميين والردّ على الخصوم والحلفاء".

عن تجربة السياسيين اللبنانيين مع مواقع التواصل الإجتماعي، يقول اليمن: "تجربتهم في تصاعد إيجابي لكنها لم تكتمل كلياً لأنهم لا يستعملون هذه الوسائل بالطريقة الكاملة بل بأوجه محدودة. فالتواصل مع الجمهور غير موجود إلا نادراً، ويكتفون باستعمالها لنشر بياناتهم، وصور نشاطاتهم ولقاءاتهم. وهناك من يستعيض بها للتعبير عن موقفه بدل البيانات الصحفية المعتادة. باختصار هم يستعملونها من جانب واحد في وجه منافٍ لطبيعتها الاجتماعية".

بعض السياسيين اللبنانيين يخرجون عن الوصف الذي قدّمه اليمن، وهم الرئيس الأسبق للحكومة اللبنانية الشيخ سعد الحريري والنائب وليد جنبلاط، ووزير البيئة الأسبق وئام وهاب. عن تجربة هؤلاء وفرادتها بالنسبة إلى المشهد اللبناني، يضيف وائل: "سعد الحريري هو أول من استعمل وسائل التواصل الاجتماعي للعمل السياسي في لبنان بشكل جاد وصحيح، فقد خصص جلسات للنقاش مع المتابعين على تويتر، وكان يجيب عن الأسئلة السياسية والشخصية التي توجّه إليه، ما أعطاه انطلاقة صاروخية كانت دافعاً للكثير من مناصريه للانضمام إلى تويتر للتواصل معه. تجربته دفعته ليكون الرقم واحد في لبنان من حيث عدد المتابعين، لكن ذلك لم يستمر، ولأسباب خاصة به توقف عن تخصيص الوقت لجلسات النقاش المباشرة على تويتر. مع الوقت تحوّلت حسابات سعد الحريري لحسابات تقليدية تنقل أخباره، رغم أنه كان السبّاق لدفع وسائل الإعلام التقليدية لمتابعته ونقل مواقفه عن تويتر".

السياسيون اللبنانيون ووسائل الإعلام الاجتماعي - سعد الحريري

الشهرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي عمرها قصير، تشتعل وتنطفئ بسرعة، ما ينطبق على وليد جنبلاط. يشير وائل إلى أن "وليد بك استطاع أن يستقطب الكثير من المتابعين خلال وقت قياسي، وما يتميّز به أنه يستعمله شخصياً، ويرد على متابعيه بعفوية ومرح جعلاه حديث الساعة، لكنه انكفأ بدوره ولم يعد يستعمله كثيراً إلا لإبداء اقتراح سياسي أو رأي أو موقف مع بعض المشاركات لصور نشاطاته العائلية وقراءاته التي تستهوي متابعيه".

السياسيون اللبنانيون ووسائل الإعلام الاجتماعي - وليد جنبلاط

في الجهة المقابلة لأسلوب الحريري وجنبلاط، برز اسم وئام وهّاب، وهو شخصية إعلامية قبل أن يصبح وزيراً ويؤسس حزب التوحيد العربي. يرى اليمن أن "وئام وهاب يستعمل وسائل التواصل الاجتماعي بطريقة صحيحة من ناحية التواصل اليومي مع مناصريه ومتابعيه، لكن بأسلوب اقل أناقة من المتوقع من شخصية عامّة، فلا يتوانى عن شتم من يتعارض معه، وإلغاء متابعتهم، وغيرها من الأساليب النافرة لكنه بذلك يطبق قاعدة ممتازة للانتشار الكثيف وهي الاستفزاز".

السياسيون اللبنانيون ووسائل الإعلام الاجتماعي - وئام وهبة

ويشار إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي فقدت براءتها الأولى، وأصبحت علماً قائما بذاته، وباتت تندرج تحت فئة الهندسة، إنها هندسة الأفكار والرغبات الشخصية وتوليفها لتحويلها إلى موجات معدية عابرة لأي حدود تقليدية. كل شيء مسموح  وشبه مقبول حالياً من أجل أن يصبح مضمون ما تبثه عبر مواقع التواصل الاجتماعي حاشداً لمبادئك أو لاسمك أو لمنتجك. الاستفزاز والصدمة والجوائز، وحتى اختراع أقواس قزح في عزّ الهجير، باتت استراتيجيات يبحث عنها الجميع لإيصال أفكارهم. أصبحت هناك وكالات متخصصة في استراتيجيات مواقع التواصل الاجتماعي قوامها مبدعو مضمون، روّاد واستراتيجيو تسويق قادرون على شحذّ همم مئات الآلاف من المتابعين لنقل وتحميل وبثّ الأفكار التي يريدونها. 

أخيراً، يجب اعتبار هذه الوسائل مسدس ماء، إن لم تحمّله بالمياه، فلن تستمتع بالمرح مع الآخرين، وإن أسأت استعماله فستتبلل وحدك.

إميلي حصروتي

إعلامية لبنانية مقيمة في الولايات المتحدة، اشتهرت في برامجها الإذاعية في راديو مونت كارلو الدولية في باريس، تعمل مستشارة سياسية وإعلامية مستقلة متخصصة في الإعلام الجديد وتطوير الذات.

التعليقات

المقال التالي