تجارة الأسلحة... كيف يحوّل الكبار نزاعاتنا إلى ثروات؟

تجارة الأسلحة... كيف يحوّل الكبار نزاعاتنا إلى ثروات؟

في منتصف القرن الماضي، تحدث الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور عن عقدة صناعة الأسلحة Military Industry Complex، وكان يقصد أن العلاقة بين السياسة وصناعة الأسلحة متشابكة ومعقدة بحيث يمكن أن يؤثر صنّاع السلاح على صنّاع السياسة.

تضم العلاقة بين السياسة وصناعة الأسلحة المشرّعين والسياسيين الذين يبرمون صفقات الأسلحة من جانب، ومصنعي السلاح الذين يشكّلون في كثير من الأحيان لوبيات (مجموعات ضغط) من جانب آخر.

قرارات مهمة كثيرة اتُّخذت ويصعب تحديد دور "لوبيات" تجارة الأسلحة في اتخاذها. العلاقة التي وصفها أيزنهاور بالعقدة قد تدفع إلى طرح بعض التساؤلات، مثل: هل من مصلحة الدول الكبرى تهدئة النزاعات في دول العالم الثالث؟

من المعروف أن أستراليا بلد هادىء لا يعاني من النزاعات. لكن تقريراً لصحيفة "إنترناشيونالست" تحدث عن دور لوبيات صناعة الأسلحة في التأثير على حكومة أستراليا لرفع إنفاقها العسكري عام 2009 بنسبة 50.2% عن المعدل للسنوات العشر السابقة.

وجرى ذلك برغم عدم بروز أية إشارات على تعرض البلاد لمخاطر عسكرية محتملة. وإذا كان الوضع كذلك في دولة لا تعاني من ويلات الحرب فما بالنا بالدول المنغمسة حتى قمة رأسها في النزاعات الداخلية والإقليمية؟

هل تصنع لوبيات الأسلحة القرارات؟

لا شك في أن لوبيات مصنّعي الأسلحة تؤثر في صنع القرارات السياسية ذات الصلة ببلدان العالم، وهذا ما يؤكده بعض الباحثين. فعلى سبيل المثال يعلّل الباحث اليهودي جويل باينرمان Joel Bainerman استمرار النزاعات في منطقة الشرق الأوسط ولا سيما النزاع العربي الإسرائيلي بشكل مختلف عن النظريات الرائجة.

أقوال جاهزة

شارك غردتثبت الأرقام والوقائع أن الحرب تتحوّل إلى آلة نقود تصب في جيوب الكبار

شارك غردهل من مصلحة الدول الكبرى تهدئة النزاعات في المنطقة؟

يرى أن المواقف المعلنة لدول مثل أميركا وفرنسا وألمانيا وروسيا قد تبدو داعية إلى التهدئة والسلام، إلا أن ما يحول دون ذلك هو المصالح الاقتصادية التي تقتضي السيطرة على منابع النفط في الشرق الأوسط أولاً ثم إبقاء النزاع من أجل ضمان استمرارية الأرباح القادمة من تجارة السلاح مع دول هذه المنطقة ثانياً. ويوضح أن لوبيات صناعة السلاح تضغط لعرقلة أيّة جهود لإحلال السلام.

وتشير تقارير المعهد الدولي لأبحاث السلام باستوكهولم SPIRI لعام 2014 إلى تصدر الولايات المتحدة لميزان صادرات الأسلحة حول العالم، ويليها في المركز الثاني روسيا ثم الصين وألمانيا وفرنسا تباعاً. وتصدّرت الهند تليها المملكة العربية السعودية ثم باكستان فالإمارات العربية المتحدة قائمة الدول المستوردة للأسلحة في العام نفسه.

ولدى النظر إلى هذه الأرقام نستنتج أن دول العالم الثالث خصوصاً تلك المنغمسة في نزاعات إقليمية أو المحاصرة بها، تدفع نصيباً لا يستهان به من ميزانياتها لشراء الأسلحة من الدول الكبرى.

وبحسب SIPRI، بلغ معدل الإنفاق العسكري العالمي، وهو الإنفاق على شراء الأسلحة وغيره، عام 2014، 1776 مليار دولار أميركي، أي بمعدل إنفاق 254 دولار لكل فرد من سكان الكوكب، وذلك برغم أن بعض الحكومات غير شفافة في الإعلان عن حجم إنفاقها العسكري.

دول النزاعات ترفع سقف الإنفاق العسكري

في وقت يسير العالم المتقدم نحو تخفيض الإنفاق العسكري والاستفادة من ذلك في استثمارات أخرى خاصة بالصحة والتعليم، تلجأ دول العالم النامي الفقيرة إلى رفع سقف الإنفاق العسكري نظراً لانجرافها نحو النزاعات.

وتشير تقارير SIPRI إلى حدوث قفزة كبيرة في الإنفاق العسكري عام 2014 مقارنةً بالعام الذي سبقه إذ زاد في منطقة الشرق الأوسط بنحو 5.2% وفي منطقة شرق أوروبا بنحو 8.4%. ويُرجع المعهد هذه الزيادة الملحوظة إلى اندلاع صراعات في كل من سوريا والعراق وأوكرانيا.

وفي عام 2014، أنفقت منطقة الشرق الأوسط نحو 196 مليار دولار على التسليح. كما أنفقت مناطق أخرى فقيرة مثل أفريقيا الوسطى التي تشهد حروباً أهلية وانقلابات عسكرية نحو 30 ملياراً.

وتستفيد الدول الكبرى من تصدير السلاح إلى الدول المشتعلة بالنزاعات، لا بل تتنافس على حجم حصة كل منها في هذه السوق المهمة. ونجحت أميركا في رفع نسبة صادراتها بنسبة 28% ما بين عامي 2010 و2014، وسيطرت على نحو 31% من مبيعات الأسلحة عالمياً. وبلغ نصيب الشرق الأوسط من صادراتها 32% في الفترة نفسها.

هكذا، تتحوّل نزاعاتنا في الشرق الأوسط على سبيل المثال إلى أموال طائلة في جيوب مصنعي السلاح وفي خزائن حكومات الدول الكبرى.

تجارة غير مشروعة

تشير مؤسسة مسح الأسلحة الصغيرة Small Arms Survey ومقرها جنيف في تقريرها لعام 2014 إلى تورّط بعض الحكومات في تمويل الجماعات الانفصالية المسلحة أو الجماعات الإرهابية بالسلاح في بلدان أخرى.

على سبيل المثال، مدّ السودان برئاسة عمر البشير الجماعات غير الحكومية في شمال السودان وجنوبه بالسلاح. واستخدم هذه السياسة لضمان السيطرة على هذه الجماعات، لكن من أين أتى بهذا الكم من السلاح الذي يقتل المدنيين. الإجابة هي الصين. فقد أشار تقرير لمنظمة "هيومان رايتس فيرست" إلى تورّط حكومة الصين في توريد أسلحة لنظام البشير.

وفي تقرير للأمم المتحدة صدر في مايو 2015، أن الصين قد صدّرت أسلحة بقيمة 20 مليون دولار إلى حكومة سيلفا كير في جنوب السودان، وقد استخدمت هذه الأسلحة في الحرب الأهلية الضروس التي اندلعت هنالك.

وتقوم الدول الكبرى بتصدير الأسلحة إلى أنظمة عربية ديكتاتورية بينما تندّد وزارات خارجيتها بممارساتها القمعية وبانتهاكاتها لحقوق الإنسان. والأمثلة في العالم العربي كثيرة.

مفارقات من التاريخ

في حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران والمعروفة بحرب الثمانية أعوام والتي خلفت وراءها ما يقرب من مليون قتيل ومليارات الدولارات من الخسائر، كان المستفيد الكبير من هذه الآلة الدموية الطاحنة مصنعي الأسلحة في الدول الكبرى.

ومن المفارقات أن الصين قامت بتصدير الأسلحة المتطورة إلى الطرفين المتصارعين في زمن الحرب. كما قامت المملكة المتحدة بإصلاح دبابات الجيش الإيراني، ثم قدمت الخدمة نفسها للعراق عندما استولى نظام صدام حسين على عدد كبير من الدبابات الإيرانية.

هذا بخلاف التسليح الغزير الذي قدمه الاتحاد السوفياتي السابق لبغداد والصفقات السرية التي قدمتها الولايات المتحدة لطهران بتسهيل من وسيط إسرائيلي.

باختصار، تثبت الأرقام والوقائع أن الحرب تتحوّل إلى آلة نقود تصب في جيوب الكبار.

يونان سعد

شاعر وصحافي مصري له كتابات في مواقع عربية مختلفة ويهتم بالإشكاليات الثقافية العالمية وانعكاساتها على واقع العرب.

كلمات مفتاحية
العالم العربي

التعليقات

المقال التالي