من أين يأتي التمييز بين الضحايا؟

من أين يأتي التمييز بين الضحايا؟

يستغرب كثيرون أن تثير بعض الجرائم تضامناً مع ضحاياها أكثر من جرائم أخرى. ولكن العالم الحديث قائمٌ على أساس التمييز بين الضحايا.

بشر خارج التصنيف

الحضارة بطبيعتها قائمة على التمييز بين الضحايا. ما تتضمّنه مواثيق وإعلانات حقوق الإنسان من مساواة بين البشر لا يعني البتّة أن موت أيّ بشري هو كموت بشري آخر.

فكل حضارة حين تُنشئ مفاهيمها المؤسسة، كالمساواة بين البشر في حالتنا، إنّما تُنشئها مع سَتر حقائق أخرى، أهمّها إقصاء بعض الجماعات من دائرة تطبيق هذه المفاهيم.

للمثال أولى الحضارات التي وصلتنا عنها معلومات كافية لفهم كيف كانت تسير الأمور فيها، وهي الحضارة اليونانية. في الكتابات الفلسفية اليونانية نقرأ عن المساواة بين البشر، ولكن هذا المفهوم كان يتأسس على استثنائين، الأول له صلة بعلاقة الحضارة اليونانية مع خارجها إذ كانت تعتبر نفسها حضارة في مواجهة بربرية، والثاني له صلة بعلاقتها مع داخلها إذ كان مفهوم المساواة بين الناس يستثني العبيد والنساء.

وهم المحورية

يمكن الاستدلال على حقيقة تأسيس الحضارة على التمييز بين البشر من خلال جملة وقائع تجري أمام أنظارنا ولكننا نقفز عنها ونتجاوزها دون التفكير فيها كثيراً.

فلو عممنا مفهوم المساواة بين البشر، لكان قتل رجل في شارع في أوروبا لن يثير الاستنكار أكثر من موت الآلاف بسبب الجوع في أفريقيا. هل يحصل هذا؟ بالتأكيد لا.

أقوال جاهزة

شارك غردما تتضمّنه مواثيق وإعلانات حقوق الإنسان من مساواة بين البشر لا يعني أبداً أن موت أيّ بشري هو كموت بشري آخر...

شارك غردالشعوب التي تتعرض اليوم لمآسٍ وتغضب لأن العالم نسيها لا تسأل نفسها لماذا تعامت سابقا عن موت مجاني طال بعض فئاتها

ولكن كل شعب حين يمرّ بأزمة يشعر وكأنّ واقع التمييز بين الضحايا موجّه ضده تحديداً، ونراه يفاجأ باكتشاف هذا الواقع. هكذا، مع كل أزمة، نسمع أصواتاً تستنكر صمت العالم تجاه سقوط ضحايا من أبناء شعبها، مع أن هذه الأصوات نفسها لم تنبس ببنت شفة حيال ما حدث ويحدث من جرائم بالقرب منها أو بعيداً عنها.

الإنسان الذي يظنّ نفسه محور الكون، لا ينتبه إلى شذوذه هو عن بعض القواعد الأخلاقية ولكنه يلاحظ بسرعة أيّ تجاوز لهذه القواعد إن كان التجاوز يضرّ به. لذلك نرى أن بعض الشعوب العربية التي تعاني من حروب قاسية حالياً تصرخ أنها منسيّة ولكنها لا تسأل نفسها لماذا لم تتضامن مع ضحايا الشعوب الأخرى في السابق وحالياً.

مع العلم أن التمييز ليس موجوداً بين الشعوب فقط بل هو موجود داخل الشعوب نفسها أيضاً. فالشعوب التي تتعرض حالياً لمآسٍ وتغضب لأن العالم نسيها لا تسأل نفسها لماذا تعامت قبل سنوات عن موت مجاني طال بعض فئاتها. وبطبيعة الحال، هي لن تقبل بحقيقة أنها بالنسبة إلى العالم مثلها مثل الجماعات التي نُكّل فيها قبل سنوات بالنسبة إليها.

وهذا الواقع ليس عربياً وليس موجهاً ضد العرب بل يحدث داخل الشعوب المتقدمة نفسها. كل شعب يتأسس على فكرة تراتبية تتنافى مع المساواة. ففي أميركا، سرعان ما خبا السجال الناتج عن إطلاق رجل أبيض النار داخل كنيسة للسود في مدينة تشارلستون في ولاية ساوث كارولاينا، ولم يكن هذا ليحصل لو كانت الآية معكوسة، أما لو كان القاتل مسلماً فيمكنك تخيّل ما كان ليحصل.

مستويات أخرى

وعلى مستوى أدنى، هنالك نوع آخر من التمييز بين الضحايا ينتج عن الغائية السياسية. فمثلاً، صمتت قوى المعارضة السورية عن القتلى المدنيين ضحايا طائرات التحالف الدولي بينما راحت تصرخ حين سقط ضحايا مدنيون بسبب قصف الطائرات الروسية.

بحسب تقارير المنظمات الإنسانية والحقوقية، يخلّف القصف الروسي ضحايا أكثر ولكن هذا ليس كافياً للصمت المطبق قبل بدء الحملة العسكرية الروسية. وقس على ذلك مَن يبرّرون سقوط ضحايا بسبب قصف التحالف العربي وعمليات الطائرات بدون طيار الأميركية في اليمن...

ويضمر التمييز بين القتلة تمييزاً بين الضحايا، فنرى ضحية تأخذ حقها في التضامن معها أكثر من ضحية أخرى سقطت في ظروف مشابهة.

وعلى مستوى آخر، فإن اعتياد مشاهد القتل يحوّل فكرة سقوط ضحايا أبرياء إلى أمر عادي. ولهذا يتعاطف العالم مع ضحايا أحداث محدودة تقع في مجتمعات مستقرة أكثر مما يتعاطفون مع شعوب تنزف آلاف الضحايا، وكأن هذا من عاداتها.

الصراعات المقلقة

يزداد التمييز بين الضحايا أو بين الجناة حين يشهد المجتمع سجالاً حاداً له علاقة بالهوية الجامعة. ففي هذه الحالة، يُعتبر وجود أصحاب الهويات المختلفة ضرراً على الهوية الجامعة، وتضمر الأغلبية رغبة في إقصائهم وفي استئصالهم، وينتج عن ذلك الاستخاف بسقوط ضحايا ينتمون إليهم مقابل تعظيم أيّة جريمة يرتكبها أحدهم.

وقد وقعت ضحيةً لهذا التمييز أقليات كثيرة في العالم العربي لم تتضامن معها الأكثريات لأنها اعتبرتها تهديداً لخرافاتها حول الهوية، بدءاً من الأقليات القومية إلى الأقليات الدينية وصولاً إلى مجموعات كشباب الإيمو الذين قتلوا في شوارع بغداد.

وفي أوروبا حالياً، هنالك سجال حول الخطر الناجم عن وجود عرب ومسلمين في المجتمعات الأوروبية وتنظر فئات واسعة إلى ذلك على أنه تهديد لـ"الأمة". ولذلك يكون الاعتداء على هذه الفئات مسألة بسيطة بينما يكون أيّ فعل عنيف يرتكبه مسلم مسألة عظمى.

ومن هنا نفهم الضجة التي حدثت بعد الاعتداءات الجنسية المقيتة التي ارتُكبت في ألمانيا في احتفالات رأس السنة، بينما تمرّ اعتداءات مشابهة تحدث سنوياً خلال التجمعات الكبيرة مثل مهرجان البيرة الشهير، وكأن شيئاً لم يكن. فهذه المرة اشتُبه بأن المرتكب هو "الوحش" الذي يهدّد المجتمع.

وفي الولايات المتحدة، أدينت جريمة سان برناردينيو أكثر بكثير مما تدان جرائم القتل الكثيرة التي تحدث دورياً في تلك البلاد. إن متوسط عدد الضحايا الذين يقعون ضحية انتشار السلاح في أميركا هو 30 ألف سنوياً بينهم أكثر من 10 آلاف قتيل. ولكن إذا ارتكب مسلم أحدى هذه الجرائم فإن فعلته ستُحدث ضجة حول العالم.

التمييز الحاصل حالياً هو تمييز مستتر لا أحد يعترف به علناً ولكنّه أمر واقع. ويمكن اعتبار ذلك تقدّماً قياساً بما كان يحصل قبل عشرات السنوات حين كان التمييز فجّاً وصريحاً. فالمفاهيم الإنسانية تتقدّم تدريجياً ويبدو أن البشرية تحتاج إلى المزيد من الوقت لكي يصبح مفهوم المساواة واقعاً.

عماد هاشم

كاتب لبناني مقيم في فرنسا

التعليقات

المقال التالي