الكل يخسر والكل يريد مواصلة القتال في سوريا

الكل يخسر والكل يريد مواصلة القتال في سوريا

ما إن أعلن مستشار وزير الدفاع السعودي العميد أحمد عسيري استعداد بلاده لإرسال قوات برية لمحاربة داعش في سوريا حتى توالت الردود الإيرانية على تصريحه. اللواء محسن رضائي، أمين مجمع تشخيص مصلحة النظام في إيران، وصف الاستعداد السعودي بالعمل الجنوني، وأضاف أن تنفيذه "سيدخل المنطقة برمتها في حرب تحرق المنطقة والسعودية أيضاً... إلا أن أيران ستكون بعيدة عن هذه الحرب".

على نحو مماثل، كان المسؤولون الأميركيون، وعلى رأسهم الرئيس الأميركي باراك أوباما ووزير خارجيته جون كيري، قد أكّدوا أن التدخل الروسي في الحرب السورية سيُدخل موسكو في مستنقع يشبه مستنقع أفغانستان.

اعلان


روسيا تخسر وتستمر

هل أخذ القادة الروس مثل هذا الاحتمال بالحسبان؟ بالطبع. مع ذلك قرروا خوض مغامرتهم. وأيّ ناظر في موازين الربح والخسارة بالنسبة إلى روسيا في حربها السورية، قد يخلص إلى نتيجة مفادها أنه لو قُدّر لروسيا أن تحقق ربحاً صافياً في هذه الحرب فلن يعادل هذا الربح كلفة الصواريخ التي أسقطتها على طول سوريا وعرضها. وامتلاك قاعدتين عسكريتين في حميميم وطرطوس لن يعوّض الخسارة الروسية.

أقوال جاهزة

شارك غردالحماسة للمشاركة في الحرب السورية تنتشر كالوباء، وجميع الأطراف يصوّرون الخسارات على أنها انتصارات

شارك غردالحرب السورية تفتقد إلى المنطق، لكن الجميع يخوضونها بحماسة منقطعة النظير

وإذا ما أخذنا في اعتبارنا الخسائر الصافية التي تصيب الاقتصاد الروسي جراء حرب أسعار النفط التي تشنها المملكة العربية السعودية ضد روسيا وإيران، فسنستطيع إحصاء خسائر روسية فادحة.

وفي نهاية المطاف، لن ينتج التدخل الروسي في سوريا ربحاً صافياً يدعم الحلم الأمبراطوري لدى القادة الروس. حتى في أفضل الأحوال، ولو افترضنا أن روسيا تريد الهيمنة على سوق تجارة النفط وإنتاجه، عبر التحالف مع إيران التي تهيمن على عدد من مفاصل السلطة في العراق، ويمتد نفوذها البحري إلى ممرات ناقلات النفط الأساسية، خصوصاً مضيق باب المندب ومضيق هرمز، فإن مثل هذه النظرية تتطلّب أن تقدم روسيا للسعودية مشروعاً سياسياً يرضيها ولا يزعج إيران في الوقت نفسه.

ففي ظل العلاقة المتوترة بين واشنطن والرياض، على خلفية الأزمة السورية والأزمات الأخرى في المنطقة، من شأن خطة روسية للهيمنة على تجارة النفط أن تجعل من روسيا لاعباً أساسياً في الاقتصاد العالمي، وهذا مشروع يستحق أن تخاض لأجله مغامرات حربية.

ولكنّ واقع الأمر مختلف. فالسعودية تخوض حالياً معركة في قطاع النفط من شأنها أن تلحق ضرراً فادحاً باقتصادها واقتصاد حلفائها الخليجيين الذين يعتمدون جميعاً بشكل شبه كامل على مردود النفط. وهذه المعركة ستحجّم قدرة أي طرف قد يفكّر في السيطرة على شطر مهم من إنتاج النفط وتجارته، وتمنعه من منافسة الكبار في العالم كالصين واليابان والولايات المتحدة. كما أن معركة النفط التي تدور حالياً قد تؤدي في نهاية المطاف إلى خسارة هذا السلاح قيمته الاقتصادية أو تضاؤلها على أقل تقدير.

مع ذلك تخوض روسيا حربها من دون تردد، وتجد من يصفق لقادتها في كل مكان من العالم حتى بين الساسة الأميركيين الذين يعرفون جيداً أن بلادهم هي المستفيد الأول من غرق الجميع في حروب متنوعة ومتنقلة تسلبهم جل امتيازاتهم التي كانوا يملكونها في زمن السلم.

إيران تخسر وتستمر

السياسة الإيرانية أيضاً كان لها نصيبها الكبير من هذا الخلط بين الانتصارات المعنوية والانتصارات الحقيقية. لقد بالغ القادة الإيرانيون في تصوير الاتفاق النووي كانتصار غير مسبوق.

فإيران اضطرت إلى التفاوض حول ملفها النووي لأسباب اقتصادية في الدرجة الأولى، لأنها عانت كثيراً بسبب العقوبات الدولية وعانى اقتصادها من انكماش مديد يجهد القادة الإيرانيون اليوم للتعويض عنه بأسرع ما يمكن. هذا ولا أحد يتحدث عن عشرات المليارات التي أنفقت على بناء منشآت نووية لم يعد جلّها ذا فائدة لإيران على أيّ مستوى من المستويات.

وكما صوّرت إيران الاتفاق النووي كأنه نصر باهر، ها هي تقوم بالأمر عينه في ما خصّ تدخلها العسكري في سوريا برغم الخسائر الاقتصادية والبشرية الفادحة التي لحقت بها وبحلفائها.

وأتى دور المملكة وآخرين

وعلى غرار القادة الروس والإيرانيين والسوريين والعراقيين، سيدخل القادة السعوديون في حرب لا أحد يمكنه التكهن بنتائجها من الآن، لكنها بطبيعة الحال ستكلف الرياض ثمناً باهظاً، حتى لو انتصرت فيها انتصاراً لا غبار عليه.

وبرغم أن الحماسة للتدخل في هذه الحرب من خارج سوريا لا تملك دعائم منطقية تسندها، فإن هذه الحماسة ما زالت في بدايتها، والأرجح أنها ستجر المزيد والمزيد من الدول إلى أتونها، حتى تلك التي تبدو اليوم أبعد ما تكون عن نارها، كالولايات المتحدة الأميركية. فواشنطن حجزت لنفسها مقعداً في آلة هذه الحرب يتمثل في الحرب على داعش، وليس صحيحاً أن وتيرة حربها هذه ستبقى حكماً على حالها الراهنة من تدخل إلكتروني واستشاري من دون إرسال جنود إلى الميدان.

حرب غير منطقية

الخلاصة أن الحرب السورية تفتقد إلى المنطق طبعاً. لكن الجميع يخوضونها بحماسة منقطعة النظير، بدءاً من الرئيس السوري بشار الأسد، ووصولاً إلى معارضيه وانتهاءً بالأكراد الذين باتوا يحلمون بإنشاء دولة على امتداد كردستان برغم الكلفة الباهظة التي قد تترتب على محاولة تحقيق هذا الحلم الصعب التحقق.

يبدو كأنّ الساسة على مرّ التاريخ وعلى اختلاف الأمم والحقب لا يتقنون غير قتل شعورهم وتدمير مستقبل دولهم

وربما يكون درس الحرب السورية الأدق والأكثر مدعاة إلى النظر فيه والاعتبار منه هو ذاك المتعلّق بقصور رجال السياسة والمستشارين وقادة الدول، وعجزهم المطبق عن مراعاة مصالح شعوبهم ودولهم على نحو يتكرر منذ ألوف السنين، منذ حروب اليونان والفرس والرومان، مروراً بالعثمانيين والمغول والتتار، وصولاً إلى أساطيل الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، فالأحلام الألمانية والإيطالية واليابانية بالسيطرة على العالم أو أجزاء منه.

يبدو كأنّ الساسة على مرّ التاريخ وعلى اختلاف الأمم والحقب لا يتقنون غير قتل شعورهم وتدمير مستقبل دولهم.

كلمات مفتاحية
سوريا

التعليقات

المقال التالي