استحالة الديمقراطية وقيام الدولة الحديثة في الشرق الأوسط

استحالة الديمقراطية وقيام الدولة الحديثة في الشرق الأوسط

إذا نجح العراقيون في الاتفاق على تجاوز أزمة العراق الدموية نحو وضع أكثر أمناً واستقراراً، فإن المقترح الأنسب للجميع، كما بات معلوماً، هو إنشاء إقليم للسُنّة في المحافظات السنّية الخمس.

وداعاً للدولة الحديثة

المناقشات بين القادة السياسيين من الطائفة السنية العراقية والمسؤولين الأميركيين قطعت شوطاً بعيداً في هذا المجال. والأرجح أن مثل هذا الإقليم سيرى النور في وقت ما في غضون العامين المقبلين، سواء كلّف إنشاؤه مزيداً من الدم، أو قام بالتراضي مع سائر القوى العراقية.

هذا المنحى التقسيمي بات الغالب على كل المناطق التي تشهد حروباً أهلية ساخنة أو باردة، من العراق إلى سوريا فلبنان وصولاً إلى اليمن والبحرين فتونس والجزائر. وغلبة هذا المنحى تجعل من كل ما يشاع عن إنجاز حققته ثورات الربيع العربي، على مستوى التجرؤ على دول الاستبداد ونظمها مجرد قبض ريح. فلو قُيّض لهذا المنحى أن يعمّ ويستشري، قد ينجح سكان هذه البلاد الملتهبة في العيش في أمن واستقرار بعد سنوات من الدماء. لكن ما خسروه هو احتمال قيام الدولة الحديثة.

سوريا العلمانية؟

في المفاوضات التي يجريها السوريون اليوم برعاية الأمم المتحدة في جنيف، يتحدث الطرفان المتنازعان زوراً، وربما جهلاً، عن الدولة العلمانية المدنية، ويضيفون غالباً على هاتين الصفتين، حين تسعفهم الذاكرة، صفة الديمقراطية.

أقوال جاهزة

شارك غردالصراعات الحالية في المنطقة لم تُبقِ مكاناً لأي حديث عن أنظمة ديمقراطية أو حتى دولاً حديثة، ولو استبدادية

المتخندقون في خندقي الأزمة السورية على مستوى العالم كله، والإقليم بصورة خاصة، يتخذون من هذه المفاهيم حججاً لسلب خصومهم ـ أعدائهم حججهم. فمن كان منهم موالياً للنظام السوري، يعترض على المعارضين بالادعاء أن راعي هذه المعارضات، وهو المملكة العربية السعودية، لا يقيم في بلاده نظاماً ديمقراطياً. والمعارضون لنظام الأسد يحتجون ببنية النظام السوري نفسه، وبراعيه الإيراني الذي يمكن سوق آلاف الحجج التي تفيد بأنه ليس نظاماً ديموقراطياً بأيّ وجه من الوجوه.

وداعاً للديمقراطية

الطرفان يغفلان، عمداً أو جهلاً، عن واقع أن الصراعات الحالية التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط من أقصاه إلى أقصاه، لم تُبقِ مكاناً لأي حديث عن أنظمة ديمقراطية أو حتى دولاً حديثة، ولو استبدادية كما كان الحال في مصر والعراق وسوريا والجزائر قبل عقود.

حتى إسرائيل التي نشأت على ادعاء أنها واحة للديموقراطية في محيط من الاستبداد، تبدو اليوم أقل دولة في المنطقة يمكنها الادعاء بصحة نظامها الديمقراطي. ذلك أن فكرة دولة المواطن التي احتجت بها إسرائيل طوال عقود دفنت مع جدار الفصل، وتم إهالة مزيد من التراب عليها مع الإلحاح الإسرائيلي على مطالبة الفلسطينيين بالاعتراف بإسرائيل دولةً لليهود.

نهاية الدولة الجامعة

واقع الأمر أن ما حدث ويحدث في المنطقة يشكل انتكاسة لا قيامة بعدها لفكرة الدولة الجامعة التي في كنفها يولد المواطن وتترعرع الديمقراطية. ذلك أن الانقسامات العمودية الحادة التي تمّ تسويرها بالدم من كل الجهات، هي بالتعريف انقسامات غير تاريخية، وغير حديثة، بمعنى أنها انقسامات يقوم فيصل العداوة فيها والخصومة على المغايرة في الاعتقاد والانتماء.

المنطقة اليوم باتت تتشكل من طوائف لا لبس في انتماء أبنائها إليها. وهذا ما جهدت كل القوى السياسية الدينية في أواخر القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين لتجنبه والتحايل عليه.

لقد ولدت فكرة القومية العربية ونمت على خلفية تنازل الطوائف عن بعض ما تعتبره حقاً إلهياً. ومع هذا التنازل أُفسح المجال، خصوصاً في سوريا، لولادة مواطن ولو كانت مواطنته مشتبهاً فيها. وعليه، كان ثمة في سوريا النصف الأول من القرن العشرين موقع مؤثر للمدن الكبرى المأهولة منذ آلاف السنين والمختلطة طائفياً وإثنياً بطبيعتها. كانت مدن سوريا تشكل حتى وقت قريب، وقبل اندلاع الثورة عام 2011، أملاً في تجاوز الانقسامات العمودية الطائفية إلى نوع من الانقسامات الجغرافية ـ الاقتصادية التي تقوم على أدوار المدن في صناعة الهويات الحديثة.

وما يؤخذ على السلطة القمعية التي احتكرها علويون في سوريا، هو أن اجتهادها في استيطان المدن، كان في واقع الأمر محاولة فجة للتواصل مع العصر ومفاهيمه. وهذا الكلام لا يندرج لا في إطار المديح ولا الذم.

تدمير المدن

لم تتوانَ القوى المتصارعة في سوريا عن تدمير المدن. الصور الحالية لحمص المأهولة منذ ألوف السنين توضح معنى هذا التدمير ومآلاته. سماح المجتمع الدولي بتدمير المدن مثّل الضربة القاضية لأيّ تواصل سوري مع العصر. وبهذا المعنى، دخل المجتمع الأهلي في سوريا في سجن أهليته المؤبد. والأرجح أن أيّة محاولة قريبة أو في المستقبل القريب أو المتوسط لاستعادة الصلة مع العصر ستبوء حكماً بالفشل.

تحوّلت الانقسامات في سوريا اليوم إلى انقسامات لا تتأثر قطعاً بالأدوار الاقتصادية أو الثقافية لأيّة فئة من فئات المجتمع. ولم يعد ثمة ما يمكن الاعتداد به على صعيد توليد ديمقراطية عبر الانتخابات، لأن الانقسامات التي ترسّخت في البلاد باتت انقسامات لا تتصل بأي معنى من المعاني بأدوار اجتماعية وثقافية واقتصادية حديثة.

بات كل السنّة سنّة، ولم نعد نلحظ أية فروق بين مهندس وعامل وتاجر وجندي. كما أصبح كل العلويين علويين وكل الأرثوذوكس أرثوذوكساً. وبالتالي، فإن دولاب الديمقراطية المتمثل بالانتخابات ما عاد بإمكانه أن يدور وتدور معه عجلة السلطة وتنتقل من فئة إلى أخرى. بات العامل الحاسم في تحصيل السلطة هو عدد أبناء الطائفة لا أدوار الأفراد والمؤسسات. وتالياً، بات كل طرف من الأطراف المتصارعة يطمح إلى قتل أكبر عدد من أبناء الطائفة العدو، حتى يستقيم على سدة السلطة بوصفه ممثلاً للأكثرية.

والحق، إن شرط توافر الانقسامات العلمانية في المجتمع هو الشرط الأهم لولادة الدول الحديثة وترعرع الديمقراطية في أكنافها، وهو الشرط الذي تغفل عنه نظريات وأفكار يتحفنا بها بعض مفكري الغرب في سياق سعيهم لحل الأزمات في المنطقة، ويتبعهم في ذلك مثقفون ومفكرون من المنطقة يحسبون أن إجراء انتخابات نزيهة كفيل وحده في إنقاذ البلاد من حمامات الدم.

كلمات مفتاحية
العراق سوريا

التعليقات

المقال التالي