مضايا... جريمة إبادة جماعية تُنفّذ بدم بارد

مضايا... جريمة إبادة جماعية تُنفّذ بدم بارد

مع بداية العام الجديد، دخلت بلدة مضايا في ريف دمشق الشهر السادس من حصارها الخانق. وكان حصار البلدة التي يعيش فيها نحو 42 ألف نسمة قد بدأ في 1.7.2015، بعد نحو عام ونصف العام من فرض الحصار جزئياً عليها.

ونظراً لطبيعة البلدة الجغرافية، فقد فُرض الحصار بشكل رئيسي من خلال زرع الألغام المضادة للأفراد في المناطق السهلية المحيطة بالبلدة، فيما سيطر مقاتلو حزب الله على المرتفعات الجبلية المطلة عليها من الغرب.

اعلان


وقد ازداد تأثير الحصار على أبنائها في الشهر الأخير بسبب عوامل عدّة، أهمها أن البلدة تقع جغرافياً في محيطٍ يسيطر عليه النظام، ما عدا مدينة الزبداني المحاصرة أيضاً، والمفصولة بحزام من الألغام عن مضايا. وهكذا بات التسلل من البلدة وإليها شبه مستحيل. كما أن طول فترة الحصار الخانق تسببت بعدما تجاوزت أكثر من ستة أشهر، بنفاد مخزون الغذاء الموجود لدى العائلات. وساهم الصقيع الذي يضرب البلدة منذ بداية الشهر الماضي إلى إتلاف المزروعات والنباتات التي كان يمكن الاستفادة منها.

مضايا: النموذج المتكرر

شهدت سوريا تطبيقاً واسعاً لسياسة الحصار، وخاصة من طرف النظام، في مدينة درعا في أبريل 2011، أي بعد أسبوعين تقريباً من انطلاق الاحتجاجات الشعبية.

أقوال جاهزة

شارك غردجريمة إبادة جماعية وجرائم حرب ترتكب في حق أبناء بلدة مضايا السورية المحاصرة

شارك غردهل صحيح أن أبناء بلدة مضايا السورية يعانون من الجوع؟ لماذا هي محاصرة وكيف نتحقق من هوية محاصريها؟

ويتّصف سلاح الحصار بأنه الأقل تأثيراً على الرأي العام الدولي، بالتوازي مع تأثيره الواسع على السكان. وقد دخل عدد من المناطق في حالة من الحصار المطبق، كما الحصار الذي تشهده اليوم مضايا، ووصل سكّانها إلى حافة الموت من الجوع، مع وقوع حالات موت من الجوع فعلاً. فبحسب منظمة "أطباء بلا حدود" توفي 23 شخصاً بسبب النقص في المواد الغذائية. وأيضاً قُتل آخرون بسبب الألغام أو برصاص القناصة أثناء محاولاتهم تأمين الغذاء أو جمع أعشاب عند أطراف البلدة.

وما يحصل حالياً في مضايا شهده عدد من أحياء دمشق وريفها الجنوبي، في نهاية عام 2013، وخاصة حي الحجر الأسود ومخيم اليرموك في دمشق، ومناطق المعضمية ويلدا وعربين في ريف دمشق.

لماذا تُحاصَر مضايا تحديداً؟

مضايا 1

تُشكّل مضايا والزبداني معاقل المعارضة المسلحة الأخيرة في ريف دمشق الغربي الذي يفصل دمشق عن الحدود اللبنانية، أي عن خطوط الإمداد التابعة لحزب الله. ومع تنفيذ المرحلة الثالثة من "اتفاق الزبداني - كفريا - الفوعة" تُصبح الزبداني فعلياً خارج نطاق سيطرة المعارضة، وتبقى مضايا معقلها الأخير في هذه المنطقة.

وتمتاز مضايا من الناحية الاستراتيجية بأنّها بعيدة بضعة كيلومترات عن أوتوستراد دمشق-بيروت، وهي نقطة الخطر الأخيرة على هذا الطريق الذي يسيطر عليه النظام ويمثّل شريان الحياة الأساسي بالنسبة إليه.

فبرغم أن داريا، جنوبي دمشق، خاضعة لسيطرة المعارضة ويمكن أن تُشكّل خطراً على هذا الطريق في بدايته من جنوب العاصمة، فإن مقاتلي داريا لا يملكون أسلحة متوسطة أو بعيدة المدى تمكّنهم من تهديده. كذلك من الممكن تجاوز المنطقة الخطرة نسبياً من خلال سلوك طريق المزّة كطريق بديل، وهذا الطريق الأخير يوصل مباشرة إلى مطار المزة العسكري ومن ثمّ إلى الحدود اللبنانية.

وفي حالة السيطرة على مضايا، فإنّ تهديد داريا لهذا الطريق سوف يصبح أقل أهمية، وستُصبح حركة التنقل بين المزة والحدود اللبنانية آمنة تماماً للنظام السوري.

مضايا 2

هل حصلت المجاعة فعلاً؟

تجاهلت الحكومة السورية نشر أي إعلان رسمي عن قضية حصار مضايا، ولكن وسائل الإعلام المؤيدة لها، سواء السورية أو اللبنانية أو الإيرانية، حاولت التركيز على رسالتين متناقضتين، الأولى تقول إن دفعات كبيرة من المساعدات الغذائية قد دخلت إلى مضايا في الأشهر الماضية، وتكفي البلدة، ولكن الجماعات المسلّحة فيها استولت على هذه المساعدات وحال ذلك دون توزيعها على الناس، وعليه، فإنّها هي وحدها المسؤولة عن حالة المجاعة، والثانية تقول إن كل ما يُنشر عن المجاعة هو دعاية تبثها وسائل الإعلام المعارضة لأهداف سياسية.

هذه الرسائل أكّدها بيان لحزب الله الذي يُشرف مقاتلوه على الطرق الجنوبية والغربية المؤدية إلى بلدة مضايا، وهي تشير إلى دخول شاحنات المساعدات التي قدّمتها الأمم المتحدة والهلال الأحمر إلى بلدة مضايا في 18.10.2015. وقد بلغ عدد الشاحنات آنذاك 21 وُزّعت بين بلدات مضايا وسرغايا والزبداني. واعترفت الأمم المتحدة في 24.10.2015 بأن جزءاً من المساعدات التي دخلت إلى مضايا كان منتهية الصلاحية.

وكانت تلك المواد الإغاثية هي الأولى التي تصل إلى البلدة منذ قرابة سبعين يوماً، ولم تصل بعدها أيّة مساعدات أخرى. وبحسب ناشطين في العمل الإغاثي في مضايا، فإنّ وفد الأمم المتحدة أبلغهم أن تلك المواد يُفترض أن تكفي السكان نحو أسبوع. ولم نتمكن من الوصول إلى أي تقدير رسمي صادر عن الأمم المتحدة حول ذلك.

وجاء دخول المواد الإغاثية إلى بلدة مضايا آنذاك تنفيذاً لاتفاق جرى توقيعه بين الحكومة السورية وأحرار الشام، إحدى كتائب المعارضة المسلحة، في 20.9.2015، وبرعاية من الأمم المتحدة، وتضمّن إدخال مواد غذائية إلى البلدة بالتزامن مع دخول المساعدات إلى قريتي كفريا والفوعة اللتين تخضعان لحصار فرضته المعارضة المسلحة في ريف إدلب.

وبرغم إنكار وسائل الإعلام الموالية للنظام وحلفائه حصول المجاعة، فإنّ توثيق الضحايا لم يعد أمراً صعباً للمنظمات الحقوقية السورية والدولية، إذ يتم توثيق صورهم وأسمائهم ومعلومات أخرى عنهم. كذلك يمكن للمنظمات الدولية التحقق من واقع الحالة الإنسانية في البلدة لدى السماح لها بالدخول إليها، وهو الأمر الذي ينبغي للحكومة السورية وحلفائها تسهيله.

من الذي قام بالحصار؟

يشكّل البيان الصادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، البارحة في 7.1.2015، دليل إدانة قانونياً وسياسياً للحكومة السورية، باعتبارها الجهة المسؤولة عن حصار أهالي مضايا. فقد أشار البيان إلى أن الحكومة قررت السماح بإدخال المواد الغذائية إلى المدينة، وهذا ما يعني اعترافاً مباشراً من المنظمة الدولية بأن الحكومة السورية هي مَن كانت تمنع دخولها.

علماً أن المتحدثة الإعلامية باسم برنامج الغذاء العالمي عبير عطيفة قالت في مقابلة مع مراسل بي بي سي في القاهرة إن المنظمة الدولية حصلت على موافقة قوات النظام السوري وعناصر حزب الله على إدخال قافلتين من المساعدات إلى مضايا.

وقد حاولت الأمم المتحدة في بيانها أن تُخفف من وقع قرار الحكومة السورية من خلال الحديث عن مناطق محاصرة أخرى مثل قريتي كفريا والفوعة، ولكن تلك المناطق لا تشهد وضعاً إنسانياً مماثلاً لوضع مضايا إذ تصلهما مواد إغاثية بشكل دوري بواسطة طائرات الهيليكوبتر.

الوضع القانوني لحصار مضايا

الحصار الذي تخضع له مضايا، وخضع له عدد من المدن والبلدات السورية الأخرى، يشكّل جريمة إبادة جماعية بحسب نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية. وتنص اتفاقات جنيف الأربعة بوضوح على تجريم الحصار.

كذلك تُعدّ إحاطة بلدة مضايا بالألغام الأرضية المضادة للأفراد جريمة حرب، فهذه الألغام أسلحة محرّمة دولياً، باعتبارها سلاحاً لا يمكنه التمييز بين المدنيين والعسكريين، ويستمر أذاه إلى ما بعد انتهاء فترات الصراع.

التعليقات

المقال التالي