هل الديمقراطية سفينة يقودها الحمقى؟

هل الديمقراطية سفينة يقودها الحمقى؟

تخيّل أنك في سفينة ضخمة على متنها عدد كبير من المسافرين، بالإضافة إلى قبطان وبعض البحارة الخبراء القادرين على قيادتها إلى بر الأمان. وفي الوقت نفسه، قرر الركاب أن يتبعوا نظاماً ديمقراطياً في قيادة السفينة، بحيث يتم أخذ رأي الأغلبية في كيفية توجيه الدفة ومواجهة العواصف والأمواج العاتية.

وتبعاً لهذا النظام الجديد تولدت بعض المعضلات التي تهدد حياة الجميع. وبينما يستطيع بعض الركاب المجيدين للبلاغة والخطابة لكنهم غير خبراء بأمور الإبحار، أن يوجهوا معظم الركاب للتصويت على قرارات غبية، يفشل القبطان الخبير في إدارة السفينة في إقناع الناس برأيه فقط لأنه لا يمتلك قدرة كافية كالآخرين على الإقناع. سفينة كهذه في الغالب سوف تهوي إلى أعماق البحر أو ستظل هائمة على وجهها إلى ما شاء الله وسط الأمواج والعواصف.

ربما يستغرب كثيرون حين يعرفون أن الشخص الذي يطرح هذا المثل بقصد هجاء الديمقراطية واصفاً إياها بـ"سفينة الحمقى" هو أفلاطون، أحد أهم الفلاسفة على مر التاريخ. والحقيقة أن أفلاطون لم يكن وحيداً في هذا الرأي أو هذا الهجوم، بل تبعته في ذلك مجموعة من أهم المفكرين.

أقوال جاهزة

شارك غردتخيّل أنك في سفينة ضخمة وأن المسافرين قرروا اتباع نظام ديمقراطي في قيادتها وأن القبطان خسر في الانتخابات...

شارك غردما هي أهم عيوب الديمقراطية؟ وهل هنالك نظام حكم أفضل؟

مساوئ الديمقراطية

في كتابه "قضية مرفوعة ضد الدولة الديمقراطية"، يحدّد الفيلسوف الإيرلندي جوردون جراهام ثلاث خصائص للديمقراطية أولاها قدرة أفراد الشعب على أن يملوا على السياسيين الكيفية التي سيحكمونهم بها؛ والثانية قابلية أكبر عدد من الناس للمشاركة في الانتخابات؛ أما الخاصية الثالثة فهي أن يكون لكل شخص من أفراد الشعب البالغين (عدا السجناء والمجانين) الحق في الإدلاء بصوته وتالياً القدرة على المشاركة في الحياة السياسية بغض النظر عن المؤهلات الثقافية أو العقلية التي يحملها. ويعزو جراهام أهم مساوئ الديمقراطية إلى هذه الخاصية الثالثة.

يقول جراهام "إن الفكرة التي قدمها أفلاطون عن سفينة الحمقى تثبت أن الديمقراطيات القديمة أو الحديثة تحتوي في داخلها على مشكلات غير قابلة للحل، حيث أن مشاركة جميع الأفراد في الحياة السياسية تعني أنه لا بد أن يمتلكوا جميعهم نفس مستوى الذكاء والوعي والخبرة بالأساليب المثالية للحكم حتى يمكنهم الاختيار على هذا الأساس، هذا بالإضافة إلى اتفاقهم على نفس الاهتمامات السياسية في كل مرة يدلون فيها بأصواتهم، وهو الشيء الذي يستحيل تحقيقه عملياً، ويجعل من الحكم أداة في أيدى عصبة من الجهلاء وعديمي الخبرة".

ويناقش جراهام في كتابه المذكور نوعين من الديمقراطية، أولهما هو "الديمقراطية الاجتماعية" وهي، برأيه "تعكس قدرة أغلبية الشعب على اتخاذ القرار أياً كان نوعه. فإذا صوتت الأغلبية على سبيل المثال على قتل مليون شخص، فإن الحكومة سوف تكون ملزمة من واقع المبادئ الديمقراطية بقتل هؤلاء أو على الأقل بمحاولة قتلهم".

أما النوع الثاني من الديمقراطية الذي يقدمه جراهام فهو "الديمقراطية الليبرالية" التي تطبقها معظم دول أوروبا وأميركا اليوم، وهي نظام الحكم الذي تخضع فيه الحكومة لرأي الأغلبية على ألا يضر هذا الرأي بالحريات الشخصية للأفراد وحقوقهم، من حرية المعتقد والتعبير عن الرأي بأيّة وسيلة سلمية مهما كان نوعها إلى حق الملكية. باختصار هو نوع الديمقراطية التي تحترم حقوق الإنسان وتمنع الأغلبية - على الرغم من حقهم في اتخاذ القرار - من الفتك بالأقليات.

وبرغم أن الفيلسوف الإيرلندي يعترف بأن هذا النظام يعكس أفضل نظريات الحكم التى عرفها العالم على مر التاريخ، لا يمنع ذلك من وجود بعض العيوب الجوهرية، أولها العيب التقليدى الذي أشارت إليه نظرية أفلاطون، وثانيها قابلية هذا النوع من الديمقراطية للتحول إلى النوع السيء لأن الضمانة الوحيدة لحمايته للحريات هو احترام الحاكم لحقوق الإنسان وقدرة مؤسسات المجتمع المدنى على الدفاع عنها، وهو ما يمكن الإخلال به في أي وقت أو حتى تزييفه في ظل رضا الأغلبية عن هذا الخلل.

الديمقراطية كباب للفساد

وكانت الكاتبة سوزان روم أكرمان قد تحدثت في كتابها الصادر عام 2003 بعنوان "الفساد والحكم" عن بعض العيوب في النظام الديمقراطي وهي تتلخص في قدرة الفساد على التفشي فيه دون وجود أدوات عملية على أرض الواقع تستطيع منعه بالشكل الكافي.

الفكرة تتلخص في قدرة المؤسسات المالية الضخمة على التلاعب بأصوات الناخبين من خلال دفع الرشى الانتخابية أو تمويل الحملات الانتخابية لمرشحين لمناصب سياسية مهمة. وجميعنا يعرف كيف يحتاج حزب ما أو شخص ما ينوي الترشح لمنصب سياسي إلى تمويل حملته الانتخابية، وهذا يفتح الطريق للمال السياسي - بطرق غير قانونية - وقد يتحمل عبء توفيره الأثرياء مقابل ضمان ولاء السياسيين الآتين من صناديق الاقتراع لهم.

وبالإضافة إلى كل ما سبق يمكننا أن نتخيل أيضاً كيف يمكن أن تتحكم رؤوس الأموال بالمؤسسات الإعلامية من أجل تزييف وعي الجماهير، لتكوِّن في النهاية تياراً من الرأي العام يتوجه بدوره للتصويت على قرارات تصب في مصلحة فئة تمتلك كماً أكبر من المال.

ما البديل؟

كان معظم المفكرين الفوضويين Anarchists (أو اللاسلطويين) من أمثال المفكر الفرنسي القديم بيير جوزيف برودون والمعاصر جوردون جراهام من أكثر الذين توجهوا بالنقد للديمقراطية، على اعتبار أنها أحد أنظمة الحكم وترسخ كمثيلاتها مفهوم الدولة، بينما هم يعتبرون أن الدولة مصدر للشرور ويسعون إلى مجتمعات بدون حكام، ومن هنا يأتي مسمى "اللاسلطوية".

ولكننا لا نجد أن جراهام يؤسس لمفاهيم استبدادية للحكم تعمل على الضد من المفاهيم الديمقراطية، بل يحاول إقامة الحجة على أن المجتمعات الحديثة يمكنها الاستغناء عن السلطة تماماً وعن جميع نظريات الحكم التي ترتبط بها إستبداديةً كانت أو ديمقراطية.

موراي بوكتشين (1921- 2006) هو أحد اللاسلطويين أيضاً. كان يرى أنه لا بد أن يأتي الوقت الذي نستطيع فيه الاستغناء عن الدولة المركزية ليحل محلها في كل مدينة أو بلدية جمعيات قائمة على العمل التطوعي، ومن ثم تتعاون هذه الجمعيات في ما يشبه الاتحاد الكونفيدرالي، ويحل هذا النظام المرن محل الحكومة، وإن كان يختلف في نظرته للديمقراطية عن برودون وجراهام.

ويتحدث أستاذ العلوم السياسية ويليام و. ريتشرت عن برودون في بحث له نشرته جريدة "الدراسات التحررية" ويقول إن برودون هو أول مفكر منح لنفسه لقب "اللاسلطوي" وكان يرى أن الأفكار السائدة في المجتمعات الحديثة غالباً ما تكون انعكاساً لما يُعرف بالثقافة الجماهيرية (وهي مجموع الأفكار والمفاهيم السائدة في وسائل الإعلام والسنيما والكتب الأكثر مبيعاً)، وغالباً ما يتم تمرير هذه الأفكار إلى الجماهير دون أن تمر على معيار الدقة أو اختبار زائفها من صوابها، مما يخلق اتجاهاً عاماً في المجتمع للتصويت  لهذه الأفكار السائدة أياً كانت، في الوقت الذي يفقد فيه الفرد قدرته على تقييم الأمور وهو ما يعني فقدانه لاستقلاليته.

يونان سعد

شاعر وصحافي مصري له كتابات في مواقع عربية مختلفة ويهتم بالإشكاليات الثقافية العالمية وانعكاساتها على واقع العرب.

التعليقات

المقال التالي