لماذا لا يصل الشباب العرب إلى السلطة؟

لماذا لا يصل الشباب العرب إلى السلطة؟

عندما وصل التونسيون إلى أصعب مرحلة بعد ثورتهم، مع استحالة استمرار حزب حركة النهضة الإسلامية في الحكم لأسباب داخلية وإقليمية، لم يجدوا سوى "نبش" شخصية من التاريخ عمرها يقارب الـ90 سنة، لتتولى رئاسة جمهوريتهم المتجدّدة.

الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي ليس فقط رجلاً مسنّاً بل هو يعبّر عن حقبة سياسية تونسية يفترض أن تكون قد مضت، وهي الحقبة التي تلت مباشرة الاستقلال التونسي، أي حقبة البورقيبية التي انتهت مع انقلاب الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي على الرئيس "التاريخي" الحبيب بورقيبة، عام 1987، وذلك بعد 30 سنة من توليه الحكم.

وصول السبسي إلى رئاسة الجمهورية يشبه تخيّل عودة الحبيب بورقيبة نفسه إلى حكم تونس. هذا يشبه أيضاً تخيّل عودة الرئيس جمال عبد الناصر إلى الحكم في مصر. فأين الشباب العرب، ولماذا لا نرى أدواراً لهم في الحياة السياسية؟

"تصويب" الإشكالية

نسمع مطالبات كثيرة بـ"إشراك الشباب" في السلطة. ولعل مطلب "مشاركة الشباب" قد يكون أحد أبرز العناوين التي تصدّرت مبادرات جمعيات المجتمع المدني في العقدين الأخيرين. نرى هؤلاء يشكون من "استبعاد" الشباب و"تهميشهم"... ولكن هل هذا حقيقي؟

إذا ألقينا نظرة سريعة على أوضاع المجتمعات العربية، فسنلاحظ أن المدخل إلى فهم ما يحصل خاطئ. كيف؟

إذا كان الشباب يريدون تكرار شعارات الماضي وممارسة السياسة وفقاً لقواعده، فيُطرح عليهم سؤال بسيط: لماذا استبدال الخبراء بكم؟

في لبنان، وصلت شخصيات سياسية بوزن زعماء طوائف، أي أركان السياسة اللبنانية، إلى السلطة وهي شابة. من وليد جنبلاط، إلى طلال أرسلان، إلى سليمان فرنجية، وغيرهم، ورثوا مكانة آبائهم وهم شباب. بل أن الحرب الأهلية أفرزت قيادات شابة اكتسبت أهمية لم تتأسس على الوراثة مثل ونبيه بري أو لم تتأسس كلياً على الوراثة مثل بشير الجميل. ولا يزال الشباب يصلون إلى السلطة كما في حالة سعد الحريري، ونايلة التويني واللائحة تطول كثيراً...

وفي مصر، كان الرئيس الأسبق حسني مبارك يخطط لوصول نجله جمال إلى الحكم من بعده، وجمال شاب. في فترة أسبق، وصل الرئيس السوري بشار الأسد إلى السلطة خلفاً لوالده وهو شاب. ملك الأردن عبد الله تسلّم العرش وهو شاب. أبناء العائلات الحاكمة في الإمارات العربية المتحدة بدأوا يلعبون أدواراً كبيرة وهم شباب. وفي فترة أحدث، وصل الأمير القطري الشيخ تميم إلى السلطة خلفاً لوالده وهو شاب. وها نحن اليوم نرى ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يكاد يتفرّد بإدارة شؤون بلده وهو شاب.

على مستوى آخر، في تونس بعد الثورة، برزت ظاهرة سليم الرياحي، وهو شاب كان عمره 42 سنة حين نجح في حصد 16 مقعداً برلمانياً في انتخابات عام 2014، وهو لطالما فاخر بأن حزبه، حزب الاتحاد الوطني الحر، حزب شبابي لا يتجاوز معدل أعمار أعضائه الـ35 سنة. وفي الانتخابات البرلمانية المصرية الأخيرة، شهدنا وصول عشرات الشباب إلى مجلس الشعب...

تصويب لـ"التصويب"

حسناً، لنبدأ بأن المسألة أعمق من الحديث عن سنّ مَن يتولّون السلطة. فهذا المعيار لا يصمد أمام نظرة سريعة على أعمار كثيرين ممن يلعبون أدواراً أساسية في السياسة في الدول العربية المختلفة.

Infograph Ages of Rulers

ولكن في الوقت نفسه، فإن إشكالية عدم وصول الشباب إلى السلطة هي إشكالية حقيقية، وشعورهم بأن فضاء السياسة في دولهم يهمّشهم ويستبعدهم هو شعور حقيقي. ولا أبرز من أدلة إحجام الشباب التونسيين عن المشاركة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرتين، برغم أنها تأسيسية لمستقبل الثورة التونسية، وإحجام شباب مصر عن المشاركة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة وهي انتخابات فائقة الحساسية لأن مجلس الشعب هو القوة الوحيدة التي كان يمكن أن تلعب دوراً يواجه الميل إلى احتكار مؤسسة الرئاسة للسلطة.

توصيف آخر للمشكلة

المشكلة لا تقتصر على سنّ مَن يتولّون السلطة. المشكلة في الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. هي مشكلة عمر الأفكار والتوجّهات التي يُحكم بموجبها، وهي أفكار وتوجهات قديمة كان يجب أن تكون المجتمعات العربية قد تجاوزتها إلى أفق أرحب من الحداثة والتطور. الهرم في العالم العربي ليس هرم الحكّام. إنه هرم السياسات العامة. إنه هرم السياسة لا بل موتها، وعندما تموت السياسة يتوقّف التجديد حتى ولو حكم المراهقون الدول العربية.

أقوال جاهزة

شارك غردمشهد كل شاب وصل إلى البرلمان سيتحوّل إلى كاريكاتور لو نظرنا إلى رأس اللائحة الانتخابية التي ترشّح عنها

شارك غردالمشكلة ليست في عمر مَن يتولّون السلطة. هي في عمر الأفكار والتوجّهات التي يُحكم بموجبها

الأمثلة التي ضربناها أعلاه عن الشباب الذين وصلوا إلى السلطة تؤكد ذلك. لو تفحّصناها لوجدنا أن العامل المشترك بين معظمها هو الوصول بطريقة الوراثة السياسية. هؤلاء لم يرثوا السياسة فقط بل ورثوا أوضاعاً تجاوزها تاريخ الدول الحديثة وضخّوا فيها حياة جديدة مكرّسين قاعدة "مات الملك عاش الملك".

أمثلة تونس ومصر تختلف؟ أجل ولكن ليس كثيراً. الشباب الذين وصلوا إلى البرلمان المصري ليسوا أكثر من ديكورات زيّن بها لوائحهم الانتخابية بعض أعتى الوجوه التقليدية الذين يعبّرون عن روح النظام القديم. مشهد كل شاب وصل إلى البرلمان سيتحوّل إلى كاريكاتور لو نظرنا إلى رأس اللائحة الانتخابية التي ترشّح عنها.

وفي تونس، مَن قاد الظاهرة الشبابية الوليدة، هو أحد الأثرياء الذين لا أحد يعرف كيف كوّنوا ثرواتهم حين كان في ليبيا، وقد قادها بأسلوب من أبشع الأساليب التقليدية، أي بالمال والرشاوى الانتخابية. بالمال اشترى أصوات بعض الفقراء وبعض التائقين إلى البروز. والمفارقة أنه اشترى أصوات فقراء ليطرح برنامجاً ذا توجهات شديدة الليبرالية لا تولي اهتماماً إلا للاستثمارات الكبيرة، والمفارقة الثانية أن كبار رجال الأعمال والمتموّلين التونسيين لم يعيروا هذا الحزب الوليد الكثير من الاهتمام واستلقوا إما في أحضان حزب نداء تونس أو في أحضان حزب حركة النهضة الإسلامية.

الشباب العربي يشيخ باكراً

في التاريخ العربي الحديث خُرق الحظر الموصّف أعلاه على بروز تيارات جديدة بكل معنى الكلمة. ياسر عرفات كوّن ظاهرة شعبية حقيقية وهو شاب. أحزاب الإسلام السياسي السنّية والشيعية ظهرت بمعظمها كحركات شبابية. ولكن ماذا بعد؟ الشباب العربي، بمعنى الروح الجديدة، يشيخ باكراً. تحوّلت هذه الخروقات في التقليد السياسي العربي بسرعة شديدة إلى حالات تشبه تماماً الشخصيات التقليدية.

ياسر عرفات لم يخرج من المشهد الفلسطيني إلا بموته. وجيل شباب حركات الإسلام السياسي هرم ولكنه لا يزال يتصدّر المشهد أكنّا نتحدث عن الإخوان المسلمين في مصر أو عن حزب الدعوة في العراق أو غيرهم. ويجسّد أمين عام حزب الله اللبناني هذه الإشكالية. فحزبه الذي كان يتبنّى في مواثيقه الداخلية فكرة أن لا تجديد للأمين العام لأكثر من دورتين عجز عن فك ارتباطه بشخصيته.

محاولة للفهم

فهم حصار الحالة الشبابية وقتل روح التجديد في العالم العربي ليس سهلاً. ولكن يمكن الاسترشاد ببضعة نقاط لفهم المشكلة أكثر.

الحياة السياسية في العالم العربي "ميتة" إلى حد بعيد. والقصد من موت السياسة هو عدم حركتها أي عدم تفاعلها مع التغيّرات الاجتماعية. الظواهر الاجتماعية الجديدة لا تتسيّس بمعنى أنها لا تطالب بالاعتراف بها من خلال إسهام روّادها وأعضائها في الحياة السياسية حكماً أو تأثيراً على الحكم. قد تنقلب الأوضاع الاقتصادية رأساً على عقب فتظهر طبقة من رجال الأعمال الكبار ولكن هؤلاء يُبقون على تحزّبهم التقليدي فيوالون ويعارضون على أسس دينية أو طائفية أو عائلية أو جهوية أو غيرها من أشكال الولاءات التقليدية الموروثة من أزمان سابقة على تأسيس الدول الوطنية.

أيضاً، الحياة السياسية في العالم العربي لا تتفاعل مع التغيّرات العالمية وكأننا ننتمي إلى عالم آخر. بُعيد سقوط الاتحاد السوفياتي (رافعة اليسار) بسنوات قليلة، فاز طوني بلير في الانتخابات البرلمانية البريطانية، عام 1997، ووصل إلى رئاسة الحكومة. كان بلير تلميذاً لأنتوني غيدنز منظّر فكرة "ما بعد اليسار واليمين" و"الطريق الثالث"، ووصوله عنى قناعة شعبية بتجاوز الثنائية القديمة. هذا مثل بارز عن كيف تواكب السياسات الوطنية في الدول الحديثة التغيّرات العالمية. في العالم العربي لا يزال بعض "المثقفين" ينقادون وراء أفكار من المفترض أن يكون مكانها الوحيد كتب التاريخ، ولن نعطي أمثلة كي لا نثير حساسية البعض.

قبل ذلك، حين تزايد الوعي في العالم حول أهمية الحفاظ على البيئة تشكلت أحزاب الخضر وفي دول غربية عدّة نجحت في الوصول إلى السلطة في مناسبات عدّة. أما في العالم العربي فإن أقصى ما فعلته الحركات البيئية هو تنظيف شاطئ من هنا أو شارع من هنالك.

ولا بد من الإشارة إلى مشكلة حقيقة هي مشكلة الثقافة العربية التي لم تستطع الخروج من التفكير ضمن القوالب التقليدية للحياة بشكل عام. والتعلّق بأشكال ونماذج الحياة التقليدية يحول دون ضخّ روح جديدة في المؤسسات السياسية التي تدير حياتنا بشكل أو بآخر. بمعنى آخر، الجمهور الذي لا تعارض توجّهاته توجهات المسنّين، هذا الجمهور كيف سيكون عوناً للحركات الجديدة؟

وأيضاً هنالك ضيق أفق عند الحركات الشبابية نفسها. هذه الحركات لم تطرح يوماً برامج تستطيع كسب عقول وقلوب الناس. لست أنا المعيار لهذا النقد. المعيار لهذا النقد هو النسب العالية لمقاطعي الانتخابات. مقاطعو الانتخابات ممتعضون بشكل أو بآخر من الحالة السائدة. هل نجحت الحركات الشبابية في جذبهم، في تحفيزهم، في إخراجهم من حالة المقاطعة والسلبية إلى حالة المشاركة الفعالة في التغيير؟ تونس ومصر تؤكدان أنه لا. إذن، هنالك مشكلة تحتاج إلى أبحاث لاكتشافها.

الناس، لتتبع الجديد، على الجديد أن يكون استثنائياً في قدرته على إغرائها والتعبير عن أحلامها لا بل في قدرته على صنع أحلام لها، وعليه أن يصوغ التغيّرات الحاصلة فعلاً في المجتمع في خطابه لتشكّل رافعة له. وهذا ليس له علاقة حصراً بإبداع الحركات الشبابية بل له علاقة أيضاً بطبيعة المرحلة وبحالة العالم لحظة اقتراح البرامج والأفكار الجديدة.

هنالك عوامل كثيرة لا يمكن التحكّم بها بل لا يمكن معرفة كيف ستؤثر بالتحديد. ياسر عرفات نجح. الإسلام السياسي نجح. وقبلهما نجح الشيوعيون. والآن ينجح السلفيون وهم ظاهرة شبابية. مَن فشلوا هم المدنيون والديمقراطيون والليبراليون.

التجديد في السياسة ليس مسألة أعمار. التجديد في السياسة يحتاج إلى تغيير في قاعدة العمل السياسي وتغيير في الأولويات والمطالب، يحتاج إلى تقديم طروحات جديدة تستلهم التغيرات العالمية والوطنية أكثر. أما إذا كان الشباب يريدون تكرار شعارات الماضي وممارسة السياسة وفقاً لقواعده واهتماماته، فيُطرح عليهم السؤال البسيط: لماذا استبدال الخبراء بكم؟

عماد هاشم

كاتب لبناني مقيم في فرنسا

التعليقات

المقال التالي