كيف أصبحت الدول الغربية مستعدة للتعاون مع النظام السوري؟

كيف أصبحت الدول الغربية مستعدة للتعاون مع النظام السوري؟

الحروب التي تدور بعيداً عن حدودنا يمكن منحها بعض الوقت قبل التدخل لإيجاد حلول لها، حتى لو كان ثمن الانتظار إزهاق أرواح عشرات آلاف الضحايا. تكاد هذه الفكرة تلخص سياسة الدول الغربية تجاه العالم العربي وبالأخص تجاه الأزمة السورية في السنوات الماضية. ولكن سيول اللاجئين العابرين حدود الاتحاد الأوروبي وتفجيرات باريس أعادت تذكير هذه الدول بأن العالم "قرية أمنية كونية".

زحف اللاجئين "يوقظ" الغرب

إذا أراد أحد ما في المستقبل تأريخ تغيّر المواقف الغربية من الأزمة السورية، فسيتحدث كثيراً عن تأثيرات عبور مئات الآلاف من اللاجئين حدود الاتحاد الأوروبي.

تفجيرات باريس شكّلت صفعة لكل الأصوات الغربية التي كانت تماطل في الاعتراف بما يمكن أن يشكّله هذا الزحف من تحديات للمنظومة الأوروبية برمتها. قبل أسابيع كان "الشرير" الأوروبي هو رئيس حكومة المجر لأنه من أوائل الذين رفعوا صوت القلق الأوروبي عالياً. الآن، كل الأوروبيين تقريباً يقولون تماماً ما كان يقوله ولو كانت عباراتهم أكثر ديبلوماسية.

وهذا الأمر مفهوم خاصة أن اثنين من منفذي اعتداءات باريس قدما بحسب الترجيحات من سوريا. هذه النقطة مهمة جداً في الوعي الغربي لما يحصل "وراء البحار"، وتنبّه إلى ذلك الرئيس السوري بشار الأسد فاستخدمها في مقابلة قبل أسبوع قال فيها إن هنالك إرهابيين بين اللاجئين السوريين الذين يشقون طريقهم إلى أوروبا. وبمعزل عن كل شيء، هذه حقيقة.

نظرة جديدة إلى الأزمة السورية

تتنامى القناعة الغربية بأن حسم المعركة العسكرية ضد تنظيم داعش يحتاج إلى "إيجاد قوات برية مستعدة للإجهاز عليه"، بحسب تعبير وزير الخارجية جون كيري خلال اجتماع لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبية، في بلغراد. هذه القناعة ليست وليدة اللحظة ولكنها تبلورت خلال السنوات الماضية وكان أول مفاعيلها التقارب الأميركي مع القوات العسكرية الكردية في العراق وسوريا.

أقوال جاهزة

شارك غردالغرب أيقن أن الأزمة السورية يجب أن لا تطول كثيراً لأن نيرانها وصلت وستصل مجدداً إليه، ولكن...

شارك غردكيف دفعت أزمة اللاجئين الدول الغربية إلى التعاون مع النظام السوري؟

ولأن الغرب أيقن أن الأزمة السورية يجب أن لا تطول كثيراً ما دامت نيرانها وصلت وستصل مجدداً إلى مركزه، لم تعد التفاصيل التي كانت تؤخر إنتاج حلول عسكرية لمواجهة داعش كما كانت بل لانت مسقطةً بعض ما كان يعتبر ثوابت غربية.

وكان جون كيري قد قال كلاماً غير مسبوق في هذا الخصوص حين تجاوز، قبل أيام قليلة، وعلى الأرجح إلى غير رجعة، لازمة ضرورة رحيل الرئيس السوري بشار الأسد قبل التفكير في أيّ حلّ. فخلال مؤتمر صحافي عقده في أثينا، قال إن تعاون الجيش السوري النظامي مع كتائب معارضة ضد داعش ليس مشروطاً برحيل الأسد بل بـ"الوضوح بشأن مستقبله".

وشرح أن هذا النوع من التعاون يتطلّب فقط منح "الذين يقاتلون الأسد شعوراً باليقين بأن تسوية أو حلاً يلوحان في الأفق"، لأنه إذا لم يتحقق ذلك "فإن المقاتلين سيشعرون بأنهم يساعدون على ترسيخ الأسد في السلطة، وهو أمر غير مقبول على الإطلاق".

هذا يعني أن ثمن التعاون هو وعد بأن الأسد سيرحل بعد القضاء على داعش أو وعد بإجراء إنتخابات رئاسية فور القضاء عليه، وبطبيعة الحال فإن ما يُترك للمستقبل قد تأتي أحداث كثيرة لتغيّره. صارت القضية إذن مسألة نيّات وفي السياسة لا شيء أسهل من بيع النيّات. وهذا تغيّر لافت جداً ويؤشر إلى تضييق الهوّة الكبيرة التي كانت تفصل الموقفين الروسي والإيراني عن الموقف الغربي.

طبعاً كيري لم يغرّد وحيداً وتصريحاته لم تكن هفوة بل إشارة واضحة إلى حيث تميل التوازنات الدولية في هذه المرحلة. وللتأكيد على ذلك، يمكن الإشارة إلى ما قاله نظيره الفرنسي لوران فابيوس، مع الإشارة إلى أن فرنسا هي صاحبة أقوى المواقف المؤكدة على ضرورة رحيل الأسد، ولطالما اتُّهمت بأن مواقفها تساير المملكة السعودية لأغراض صفقات تجارية.

المهم أن فابيوس قال من جانبه إن الانتقال السياسي "لا يعني أن الأسد يجب أن يرحل قبل الانتقال، لكن يجب أن تكون هنالك ضمانات للمستقبل". وتشابه تعابير الوزيرين يحمل دلالات كثيرة، وأبسط ما يمكن استنتاجه منها هو أنه أتى تجسيداً لتفاهمات وراء الكواليس.

لماذا ربط التغيّر باللاجئين؟

يقرّ البعض بالتغيّرات الحاصلة في المواقف الغربية من أطراف الأزمة السورية ولكنه يفضّل ربطها بعوامل أخرى غير مسألة اللاجئين. وبالتأكيد لهذه التغيّرات أسباب عدّة كما كل شيء في عالم السياسة ولا يمكن اختزالها بتأثير عامل منفرد.

ولكن القلق من اللاجئين وما يمكن أن يأتي معهم من مشاكل أمنية هو محوري. جون كيري كان خلال الأسبوع الماضي بوصلة صدرت عنها إشارات كثيرة. وصف أزمة المهاجرين بأنها "أزمة عالمية" ينبغي التعاون لحلها، وهذا عادي، ولكن غير العادي هو اعترافه بأن السعي إلى حل أزمة اللاجئين في أوروبا "هو سبب تكثيف جهود الائتلاف لمحاربة داعش" وإضافته أنه "لهذا السبب أطلقنا مبادرة ديبلوماسية جديدة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار وانتقال سياسي في سوريا".

والقلق من اللاجئين أدى إلى نجاح السياسة التركية في ابتزاز الاتحاد الأوروبي بفتح الحدود التركية أمام خروجهم إليه. فلوقف تدفقهم إليه، تعهد الأوروبيون بمنح تركيا ثلاثة مليارات يورو سنوياً وبإلغاء التأشيرة للأتراك الراغبين بزيارة الاتحاد الأوروبي وبإعادة الحياة إلى مسار انضمام تركيا إليه. ولكن سياسياً، ارتد ذلك سلباً عليها إذ تنامت قناعة ضرورة التعاون مع النظام السوري.

صحيح أن داعش كان يمكن أن يهاجم أوروبا حتى لو أن اللاجئين لم يتدفقوا على أوروبا ولكن صحيح أيضاً أن أكثر ما يقلق الدول الأوروبية هو عودة مواطنيها من بلاد المعارك مع خبرات قتالية كبيرة، ومسألة اللاجئين تزيد هذا القلق لأنها ستزيد نسبة أعداء الغرب القادرين على تنفيذ أعمال إرهابية على أرضها. كما أن الأعداد مسألة حساسة لأنها تغذّي الحركات اليمينية التي كانت قاعدتها الشعبية أساساً في حالة تنامٍ متخذةً من كره الأجانب خطاباً للتعبئة، وهذا ما يفرض على الحكومات مراعاة الميول الشعبية في سياساتها الخارجية.

طبقات عدّة للقلق الأمني

العمليات الإرهابية التي ارتكبها داعش ويهدد بارتكاب أخرى مثلها في الدول الغربية تقع على رأس أسباب القلق الأوروبي الأمني. ولكن برغم خطورتها الفائقة، هنالك آثار أخرى لا تقل أهمية لا بل قد تكون أكثر أهمية ولكن لا يجري الحديث عنها كثيراً.

كشف زحف اللاجئين الكبير خلال الأشهر الماضية نحو أوروبا عن انكشاف هشاشة المنظومة الأوروبية. بدا واضحاً أن الهمّ الوطني يقع على رأس أولويات الجميع وبأن الإحساس بالهمّ الأوروبي المشترك أو بما قد يلحق بالجيران في الفضاء الأوروبي من ضرر ليس أولوية ملحّة. وقد استغل اليمين المتطرّف مخاوف المواطنين ليوجّه ضربات إلى خصومه. فمثلاً اتهمت زعيمة اليمين الفرنسي المتطرف مارين لوبان ألمانيا بأنها فتحت حدودها للاجئين لتستفيد منهم اقتصادياً ولكن على حساب عيش الفرنسيين وباقي الشعوب الأوروبية بأمان.

فشل الاتحاد الأوروبي في الاتفاق على طريقة مشتركة لإدارة حدوده الخارجية وظهرت تناقضات هائلة. إذ أحياناً كانت تتشدّد دول الاتحاد الحدودية مع اللاجئين فتصرخ دولة من الداخل أن اتركوهم لأن أرضكم ستكون فقط محطة ترانزيت للوصول إلينا، وأحياناً أخرى كانت تصرخ دول داخلية مطالبة الدول الحدودية بضبط حدودها. لذلك ليس غريباً أن تكون تحليلات كثيرة قد أشارت إلى أن اتفاقية "شنغن" دخلت في مرحلة طوارئ.

والخطير أن زحف اللاجئين شكّل عاملاً أعاد التذكير بمعاناة نموذج الدولة الأوروبية المنسجمة ثقافياً وخاصة في حالة فرنسا. كان التعدد الذي خلقه المهاجرون المغاربة وأبناؤهم قد أصاب النظام الفرنسي بعطب بسبب عدم قدرته على تحمّل الاختلاف. وكان نموذج الدولة الأمة المنسجمة ثقافياً قد بدأ ينازع في أكثر من مكان بسبب الاختلاف الثقافي. وأتى زحف اللاجئين ليحمّي السجالات المنطلقة من هذا الأساس، ثم بعد تفجيرات باريس ازداد عدد الأوروبيين "الأصليين" الذين ينظرون إلى المسلمين كأنهم طابور خامس داخل دولهم.

للسيطرة على كل عناصر التوتر التي أحدثها سيل اللاجئين أو أيقظها، صارت الدول الغربية تريد حلاً يُعيد الأمن إلى سوريا بأسرع ما يمكن. خطوط سياسية كثيرة كانت حمراء ولكنّها ستبيّض قريباً.

الآن، تريد الدول الغربية إبعاد الخطر عن نفسها. وهذا ليس جيّداً، إذ قد نرى سياسات دولية تمجّد مجدداً كل سطوة أمنية تضبط المجتمعات العربية حتى لو كانت سطوة أمنية يمارسها إسلاميون متطرّفون. فالمهم الآن بالنسبة للغرب هو إبقاء "اللعب" بعيداً عنه.

عماد هاشم

كاتب لبناني مقيم في فرنسا

التعليقات

المقال التالي