من كتاب المسرح للإعلاميين، مصر تغرق في مستنقع نظرية المؤامرة

من كتاب المسرح للإعلاميين، مصر تغرق في مستنقع نظرية المؤامرة

لا نعرف على وجه التحديد من وضع البذرة الأولى، ولا السبب، لكننا تربينا على هذه الحكايات. كانوا يقولون لنا ونحن صغار إن "الإسلام مستهدف"، بل "الجينات العربية" مستهدفة من قنبلة إسرائيلية، تصيب العرب، ليبقى الإسرائيليون أصحاء... قصص خرافية، أتذكرها الآن، وأجدها لا تختلف في الكثير عن سياسات الأمن القومي، بأن مصر مستهدفة من الإرهاب في الداخل والخارج، ومن المعارضة والنقد، وكتابة الرأي، ومن السياح، وبريطانيا، وأمريكا كذلك.

تبدو نظرية المؤامرة كأشجار تنمو بكثافة داخل هذا المجتمع لتظلل أدمغتنا، وتمنعنا عن التفكير. مع سقوط الطائرة الروسية في 31 أكتوبر الماضي، في منطقة الحسنة وسط شبه جزيرة سيناء، لم تقدم الحكومة المصرية أي معلومات، ومع قانون يمنع نشر أي أخبار لها علاقة بالإرهاب بخلاف التصريحات الرسمية، نفد حديث المؤامرة.

أقوال جاهزة

شارك غردفي مصر، تحوّل حديث المؤامرة إلى واجب وطني

شارك غردحجب المعلومات وصمت مسؤولي الحكومة في مصر يسمحان للمؤامرة أن تنمو بسرعة

لينين يكشف المؤامرة 

حتى يُحكَم هذا الحديث، ويتسع مجال انتشاره لا بد أن يكون هناك طرف واع، وآخر غافل، وحتى تشعر أحداً أنه غافل يجب أن تحاصره، وهذا يتناسب تماماً مع العديد من العلاقات في مجتمعاتنا، أبرزها مثلاً الرئيس والشعب، التلفزيون والجمهور، الذي لا يمكنه نشر أي معلومات إلا التصريحات الرسمية، الغائبة حتى الآن، وآخرها علاقة المؤلف المسرحي لينين الرملي (1945) بجمهور مسرحياته.

كان الرملي قد توقف منذ فترة عن الكتابة للمسرح، كما توقف الجمهور عن مشاهدة المسرح. إلا أن لينين كتب مؤخراً مقاله "جنون العالم"، الذي يعد مصدراً لنظرية المؤامرة في أحدث تفسيراتها.

مقالات أخرى

كيف سقطت الليبرالية من ذاكرة مصر؟

هل يستطيع السيسي إغلاق فيسبوك؟

 يعتبر الرملي أن "الدول القوية متعطشة للدماء بشكل دائم، وتحب شن الحروب، لكن شعوبها لم تعد تحتمل مزيداً من الحروب العالمية. لهذا تشمل هذه الدول الشريرة بلادنا بالرعاية ليستتب لها الأمر على حسابنا، وتستعين بالفتوات وقطاع الطرق، بل والمجانين، وتمولهم بالمال والسلاح، لتنهب بعض هذه الشعوب الضعيفة"، هكذا يرسم الرملي هذا السيناريو المحكم.

سلامة الطائرة

يوم 31 أكتوبر الماضي أكد الطيار أيمن المقدم، رئيس الإدارة المركزية لتحليل حوادث الطيران، أن الطائرة سالمة وأنها في الأجواء التركية، بينما كانت الطائرة حينذاك، قد شطرت في الجو إلى نصفين، بعد وفاة كل من كان على متنها، 224 شخصاً. صرامة هذا التصريح الحكومي كان سبباً في بداية حديث المؤامرة، إذ لم يلتفت المصريون لتصريحات منسوبة لولاية سيناء بشأن إسقاط الطائرة، بسبب قانون الإرهاب إياه، بل تداول الناس حديثاً عن مخطط يشبه مسلسلات الجاسوسية. تستند هذه الفرضية إلى كون مصر وضعت عبوة ناسفة على متن الطائرة، لتسقط داخل تركيا وتحرج نظام أردوغان دولياً، بالتزامن مع انتخابات البرلمان التركي. لم يصمد هذا الطرح بالتأكيد، لأن كارثة إنسانية كبيرة مثلها لا يمكن أن تفسر بهذا السخف.

مهمة جديدة للمقدم

توالت التحركات الدولية، والمعلومات والتحليلات، وكرد فعل على ذلك تزايد حديث المؤامرة داخل مصر. وسط الصمت الحكومي، كان المقدم يتولى مهمة جديدة، إذ صار رئيساً للجنة التحقيقات المُشتركة بين مصر(بلد الحادث)، إيرلندا (بلد وجهة تصنيع الصندوق الأسود)، روسيا (بلد شركة الطيران)، فرنسا (بلد تصميم الطائرة)، وألمانيا (بلد التصنيع)، بحسب ما ينص قانون الطيران المدني الدولي.

وفي 3 نوفمبر، طرح باراك أوباما احتمال وجود قنبلة على الطائرة المنكوبة، وهو ما أكدت احتمالية حدوثه اللجنة الدولية، خلال مؤتمرها الصحفي الأول بعد 4 أيام، إذ سجلت "ضوضاء" في الثانية الأخيرة من رحلة الطائرة المأسوية، وهذه الضوضاء لا تزال مجهولة المصدر وتخضع لتحليل دقيق. 

بمجرد قراءة أيمن المقدم لبيان اللجنة باللغة الإنجليزية، وقبل أن يقرأ ترجمته للعربية، يسأله أحد الحضور عن سر غياب بقية أعضاء اللجنة عن المؤتمر. يرتبك المقدم، لنسمع صوت الرجل مرة أخرى، من دون أن تظهره الكاميرا، أو يصرح باسمه: "أشتم رائحة مؤامرة فعلية". يحاول المقدم أن يقنعه بعدم وجود مؤامرة، لكنه يصر على أنه يريد تفسيراً أمام العالم، لكن رئيس اللجنة يؤكد أن عدم حضور الأجانب ليس له أي دلالة.

داخل فقاعة

رغم ذلك تحوّل حديث المؤامرة إلى واجب وطني، فدخل غالبية صناع الإعلام المصري، والشخصيات العامة كذلك، حرباً من طرف واحد ضد كل من يطرح معلومة حول الحادث. على شاشة الجزيرة تحدث مجدي شندي، رئيس تحرير جريدة المشهد، عن وجود أطراف في ولاية سيناء تعمل لصالح أجهزة استخباراتية بريطانية، لتدبير شيء في الخفاء لمصر، وهو تفسير نشرته جريدة الوفد الحزبية المصرية كذلك.

كما توافدت طواقم تصوير البرامج التلفزيونية المحلية على مدينة شرم الشيخ جنوب سيناء بكثافة، للتأكيد أن مصر آمنة، ومطاراتها تخضع حتى وزراء الحكومة، في جلسة تصوير للدعاية، لتفتيش ذاتي. كأن الناس بلا عقول ويصدقون كل ما يقال على الشاشات، حتى إذا لم تقدم لهم أي معلومات، كما أصدر رؤساء تحرير الصحف المصرية بياناً يوم 11 نوفمبر يدين الحملة الغربية الشرسة.

خارج الفقاعة المحلية، أكدت روسيا صحة فرضية وجود قنبلة تزن ما يقارب الكيلو من مادة T.N.T، مع تحديدها لمبلغ 50 مليون دولار مكافأة لمَن يقدم معلومات حول مُرتكِبي الحادث. أما داخل الفقاعة، فقد جاءت الخطوة الحاسمة بتكليف مجلس الوزراء المصري لوزير السياحة بالتعاقد مع شركات علاقات عامة لرسم صورة ذهنية محسنة عن السفر إلى مصر. كما لم تصدر أي تصريحات عن النيابة العامة، جهة التحقيق، إذ تعتبر اللجنة الدولية لجنة فنية وليست جنائية. 

الحديث مستمر

مع تصاعد الهلع بعد اعتداءات باريس، يبدو كاتبنا المسرحي أكثر تمسكاً بحديث المؤامرة، فيكتب لينين: "كالعادة ينقلب السحر على الساحر، كما حدث لأمريكا عندما أحرق بن لادن وأتباعه برج التجارة في أمريكا. والدور سيأتي على إنجلترا قريباً جداً كما وصل إلى فرنسا وغيرها عدة مرات". ليستمر صمت الحكومة، وغياب المعلومات، في حين راحت مدينة شرم الشيخ تستقبل الوفود الحكومية في هيئة سياح، لحمايتها من المؤامرة التي يتحدث عنها المصريون.

أحمد وائل

صحافي مصري.

كلمات مفتاحية
سياسة مصر

التعليقات

المقال التالي