4 مذكرات لسياسيين ضد الرواية الرسمية لتاريخ الجزائر

تحيل كلمة المذكرات بشكل آلي في الجزائر إلى المذكرات السياسية، فالسياسي هو من يكتب مذكراته في غالب الأحيان، وهو من يتلقى الاهتمام البالغ من القراء. ومرد ذلك احتكار السلطة السياسية الحاكمة للروايات التاريخية لعقود بعد استقلال البلاد، التي تبنت نظاماً اشتراكياً يسير دفته الحزب الأوحد، جبهة التحرير الوطني، ويتحكم من خلاله في التأريخ، عبر فرض مستوى فضفاض من الروايات لأحداث دقيقة جداً، بما يشمل عدداً من الاغتيالات السياسية لقادة ثوريين.

مع الانفتاح التدريجي الذي شهدته الجزائر نهاية الأزمة الأمنية في التسعينيات، والتي تزامنت مع سقوط الأحادية الحزبية، وإجراء أول انتخابات تعددية في البلاد، والسماح بافتتاح جرائد خاصة، سقط احتكار السلطة للتأريخ لأهم الأحداث المفصلية للجزائر، وبدأت الأخبار تروج عن كتابة بعض الشخصيات الفاعلة لمذكراتها، وازدادت حدة الترقبات لما ستملؤه هذه المذكرات من فجوات كثيرة في التاريخ الجزائري.

وبما أن بعض المذكرات لا تخرج من دائرة سرد تفاصيل شخصية بصيغة وردية تغلفها الكثير من النوستالجيا، جاء اختيارنا لبعض من أهم المذكرات، مع تحديد المعطى التاريخي الذي جعل صدورها حدثاً.

الجنرال السابق خالد نزار: إيقاف المسار الانتخابي وإرهاصات العشرية السوداء

صدرت مذكرات الجنرال السابق خالد نزار (1937)، مع بداية انفراج الأزمة الأمنية عام 1999 تحت عنوان "مذكرات جنرال". ترتبط الأهمية البالغة، المفترضة، لهذه المذكرات بالمناصب التي تقلدها نزار. فقد كان وزيراً للدفاع في التسعينات، والمسؤول المباشر عن إيقاف المسار الانتخابي الذي أفرز اكتساح الحزب الإسلامي "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" لصناديق الانتخابات عام 1991 قبل أن يتم حلّه، ويحمّله الكثيرون للآن مسؤولية دخول الجزائر في دوامة العنف، التي امتدت 10 سنوات، وخلفت 200 ألف قتيل حسب الرواية الرسمية.

أقوال جاهزة

شارك غردمذكرات جنرالات ومحافظين سابقين تسقط زمن احتكار السلطة للتأريخ

شارك غردكتب مذكرات السياسيين الأعلى مبيعاً في الجزائر وبعضها يباع تحت حراسة الأمن

وبخلاف هذه الصفة، التي جعلت نزار المسؤول الأول عن تسيير دفة الوضع الأمني في الجزائر، فاسمه مرتبط بشكل كبير بما يعرف بـ"ضباط فرنسا". تاريخه يسجّل انضمامه إلى مدرسة عسكرية فرنسية عاماً بعد انطلاق الثورة الجزائرية، والتحاقه المتأخر جداً بالثورة الجزائرية عام 1958. ويتحدث البعض عن أن انضمام عدد من "ضباط فرنسا" إلى الثورة، كان مخططاً له بهدف زرع عناصر موالية لها في صفوف جيش التحرير الوطني، وهو الاتهام الذي وجهه له صراحة الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد الذي وصفه بالجاسوس الفرنسي.

ليس هذا الاتهام الوحيد الذي يلاحق نزار، فعدة دعاوى قضائية رفعت ضده تتهمه بممارسة التعذيب الممنهج في السجون، في حق ناشطين سياسيين، ما جعله مستهدفاً وعرضه لمحاولة تصفية عام 1993. مذكرات نزار تزكي الرواية الرسمية للشخصية القوية في النظام الجزائري، وهي تحمل قطعاً بعض القيمة التاريخية، خصوصاً في ما يتعلق بتحكم المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية، وتزكية الرؤساء.

وروايته لاغتيال الرئيس السابق محمد بوضياف خلال بث تلفزيوني مباشر. مذكرات تحمل جزءاً من الحقيقة في 300 صفحة من تمجيد الذات والسعي لتبرير أخطاء قاتلة.

الشاذلي بن جديد: رئيس الانفتاح السياسي

يعتبر (1929-2012)، شخصية سياسية محورية في تاريخ الجزائر، فهو المناضل الذي انضم مع بداية الثورة إلى جيش التحرير الوطني، ليتدرج في المناصب بعد الاستقلال متقلداً منصب وزير الدفاع عام 1978، ثم تولى منصب رئيس الجمهورية، بعد الوفاة الغامضة والمفاجئة للرئيس هواري بومدين عام 1979.

يحمل عامة الشعب الجزائري جانباً من الاحترام لشخص بن جديد، فهو المسؤول عن الانفتاح الذي شهدته البلاد في الثمانينات، وبسبب موقفه من التجاذبات، التي صاحبت فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالانتخابات عام 1991، والتي انتهت باستقالته الطوعية أو الإجبارية، من طرف المؤسسة العسكرية المتحكمة فعلياً في دواليب السلطة آنذاك.

ارتفعت حدة الترقب لمذكرات الشاذلي بمجرد الإعلان عن شروعه في تدوينها. وحين توفي في 6 أكتوبر 2012، سارعت دار النشر "القصبة" في إصدار الجزء الأول منها بعد 3 أسابيع، وكانت الحسرة كبيرة لتناولها الفترة الأولى من حياته، قبل توليه الرئاسة، ورغم تطمينات الدار حينها بقرب صدور الجزء الثاني الذي يتعرض إلى مجريات سقوط الأحادية الحزبية والإعلامية، وتفاصيل إيقاف المسار الانتخابي، إلا أن هذه الوعود بقيت معلقة تنتظر التجسيد.

وفي حديث لرصيف22، بدا مدير دار القصبة مصطفى ماضي منفعلاً بسبب ما وصفه بـ"المزايدات بخصوص التأخير"، الذي أخلى مسؤولية الدار عنه. ويقول: "لو وصلتني المذكرات لكنت نشرتها في اليوم نفسه، التأخير تسبب فيه كاتب المذكرات عبد العزيز بوباكير. نحن في الدار رغم صداقتنا معه نشعر بالندم لأننا أسندنا مهمة تدوينها إليه، فهو شخص يتحجج بالمرض للمماطلة، كما أنه سرب جزءاً هاماً منها لإحدى الجرائد الوطنية، ما جعلنا الآن في حيرة شديدة إزاء قرار نشرها حتى وإن وصلتنا".

واستبعد ماضي أن تضيف المذكرات أي تفاصيل جديدة بخصوص أزمة إيقاف المسار الانتخابي، غير تلك المعروفة عند الشارع الجزائري.

الطاهر الزبيري: محرك الانقلابين الناجح والفاشل

تأتي أهمية اسم الزبيري (1929) من ضلوعه في عمليتي انقلاب. نجحت الأولى عام 1965 في الإطاحة بالرئيس أحمد بن بلة، وانتهت الثانية عام 1967 إلى فشل ذريع في الإطاحة بالرئيس هواري بومدين، ليتم نفيه خارج البلاد، قبل أن يعود مع العفو الذي أصدره الرئيس الشاذلي بن جديد عام 1980 بحق عدد من المعارضين السياسيين.

صدرت "مذكرات الطاهر الزبيري/ نصف قرن من الكفاح"، عام 2011 عن منشورات الشروق الجزائرية. وأحدث صدورها ضجة غير مسبوقة، وخلف عرض العنوان في معرض الكتاب حينها تهافتاً قياسياً، فشهد جناح الدار طوابير انتهت في إحدى المرات بتداعي الجناح وانهياره بسبب الزحام الشديد، قبل أن تمنح إدارة المعرض مكاناً خاصاً لبيعها يحرسه رجال الأمن منعاً لأي فوضى.

مقالات أخرى

بنو مزاب: حضارة عمرها أكثر من ألف سنة

يوم ضربني الرئيس الشاذلي

يقول تومي عياد الأحمدي، مسؤول النشر في مجمع الشروق للإعلام، إن "صدور الكتاب كان حدثاً لانتقاله من رفوف المكتبات إلى دائرة النقاش في الشارع". ويضيف: "وجدنا صعوبة في توفير النسخ حتى بعد الصالون، في المعرض نفدت 3500 نسخة في 3 أيام، ثم وفرنا 3000 نسخة أخرى نفدت هي الأخرى. فتأكدنا أن الكتاب التاريخي هو أهم الكتب على الإطلاق".

يعزو الأحمدي السبب الرئيسي للنجاح، إلى الخطة التسويقية التي أقرتها دار النشر للكتاب. ويوضح: "اعتمدنا على جريدة الشروق الأوسع انتشاراً في البلاد. كان لها دور من خلال نشر جزء من المذكرات على شكل حلقات، للأسف الناشرين لا يفهمون أن الكتاب سلعة يجب الترويج لها مثلها مثل أي سلعة في الأخير، ونحن قمنا بمحورة حملتنا الإعلانية على كسر المذكرات لتابو الرواية الأحادية للسلطة بخصوص انقلاب 1965".

بشير فريك: الوالي الذي كشف تزوير الانتخابات

"الولاة في الجزائر: في خدمة من؟"، كتاب يروي فيه مؤلفه الصحافي والمحافظ الأسبق لولاية وهران في الفترة الساخنة بين 1994 و1997 شهادته عن فترة عمله، التي انتهت به إلى السجن مدة 8 سنوات. للمرة الأولى يؤلف محافظ سابق كتاباً بهذه المباشرة الصادمة في تقديم وقائع تزوير الانتخابات في الجزائر، والتوجيهات العليا في خصوص توزيع السكنات والمشاريع.

أهمية الكتاب الصادر عن منشورات الشروق عام 2014، تأتي من وصفه للآليات التي تقوم بها عمليات التزوير، والتي انتقل الحديث عنها من خانة التابو الحذر، إلى حالة مميعة يتعاطى معها الجزائريون بكثير من الفكاهة والتندر، خصوصاً بعد اعتراف عدد من إطارات الدولة بالتزوير بحجة إنقاذ الدولة من الانهيار. يقول فريك لرصيف22: "استثمرت الفترة التي سجنت فيها ظلماً في تأليف 12 كتاباً، اخترت منها ما هو مناسب للنشر وما هو بحاجة إلى موعد معين ليتناسب مع المعطيات الجديدة".

لم يكن فريك حسب كلامه متخوفاً من تبعات نشره لكتابه، يضيف: "بعد السجن ليس هناك سوى الموت، على كل حال أنا من خلفية صحفية وابن للدولة، وأعرف تماماً الخطوط الحمراء التي يمكن أن تمس بالمصالح العليا للبلاد". لم يكتف فريك بكتابه، بل ظهر في عدة حلقات من برنامج "الحلقة المفقودة" على قناة الشروق التابعة للمجمع الإعلامي الذي نشر كتابه. وعن هذه التجربة يقول: "التلفزيون مكنني من إيصال صوتي إلى شريحة أوسع ليس فقط محلياً، بل حتى أن عدة وسائل إعلام هامة عربية وأوروبية اتصلت بي لإجراء لقاءات صحفية".

لم يحدد فريك تاريخاً لإصدار ما تبقى من سلسلة شهاداته ومذكراته، لكنه اكتفى بالتلميح إلى العناوين الأقرب إلى النشر وهي "التجربة الديمقراطية في الجزائر/ الثمن الباهض والمآل الغامض"، "لماذا سجنت؟/ كشف المؤامرة" و"تعريب الإدارة/ بين الخطاب السياسوي والهيمنة الفرنكوفونية".

التعليقات

المقال التالي