كيف يستخدم النظام المصري الطرائق الصوفية؟

كيف يستخدم النظام المصري الطرائق الصوفية؟

تُشكل الطرائق الصوفية المصرية جزءاً لا يُستهان به من التراث الثقافي والاجتماعي والسياسي، ويمكن اعتبارها إحدى مؤسسات المجتمع المدني الأسبق تاريخياً من الجمعيات الأهلية. فهي تعود للقرن الثامن الميلادي، بينما تعود الجمعيات التطوعية إلى القرن التاسع عشر.

ومنذ نشأة هذه الطرائق، يسود اعتقاد بأن الصوفية تضع حداً فاصلاً بين الدين والسياسة عبر أسسها الأربعة القائمة على "الزهد، المحبة، المعرفة، الولاية". لكن الأنظمة المصرية تعدّها كنزاً استراتيجياً هائلاً وظهيراً شعبياً يساعدها في مواجهة "التدين الحركي"، وجماعات المعارضة غير الدينية أيضاً. ففي اللحظات السياسية الكبرى، يتم استدعاء الكتلة الضخمة المكونة من 12 مليون مصري مسجلين في 77 طريقة صوفية، لتؤدي دوراً سياسياً، رغم أنها طرائق فلكلورية منسحبة من السياسة.

اعلان


Sufi-Muslims-Praying_Chaoyue-الطرائق الصوفية في مصر - كيف يستخدم النظام المصري الطرائق الصوفية

من هنا تأتي مجموعة من التساؤلات: "ما هي أسباب ولاء الطرائق الصوفية للأنظمة؟ ولماذا تلجأ إليها الأنظمة الحاكمة في أوقات الأزمات؟ وكيف يستخدمها نظام السيسي؟".

"الصوفية" أداة النظام في مواجهة الجماعات المعارضة

دحض باحث الاجتماع السياسي الدكتور عمار علي حسن الاعتقاد السائد بأن السياسة والتصوف خصمان لا يتصالحان، وخطان متنافران لا يلتقيان. وقال: "الصوفية ليست حركة دينية بحتة بل ولدت من رحم السياسة، ثم لم تقف عند حد شراذم الزهاد والمتنسكين بل امتثلت في طرائق، لها قاعدتها الجماهيرية، وإدارتها المالية، وقادتها البارزين، وأصبح لها شكل مؤسساتي قائم بذاته، وله علاقاته السياسية والاجتماعية المختلفة".

أقوال جاهزة

شارك غردالطرائق الصوفية كنز استراتيجي يساعد الأنظمة المصرية في مواجهة "التدين الحركي"، والمعارضة غير الدينية

شارك غردما هي أسباب ولاء الطرائق الصوفية للأنظمة؟ وكيف يستخدمها السيسي؟

وذكر حسن أن "الطرائق الصوفية تدور في فلك النظام الحاكم، لأنه هو الذي أنشأ المؤسسة الصوفية وساعدها على الاستمرار والنمو، حتى وصلت إلى شكلها الراهن، لتثبيت شرعيته السياسية متخذًا من التدين الصوفي أداة في مواجهة الجماعات المعارضة". وأشار إلى أن "توجه النظام السياسي حيال الطرائق الصوفية يتحدد وفقاً للمنافع التي يتلقاها منها، كما يتحدد موقف الطرائق الصوفية نحو النظام طبقاً للمنافع التي يُغدقها عليها".

وأضاف صاحب كتاب "الصوفية والسياسة في مصر"، أن "تاريخ علاقة المتصوفة بالسلطة السياسية في مصر، يشير إلى أنهم هادنوها وخضعوا لها أكثر مما عارضوها أو اتخذوا موقفاً معارضاً ضد فسادها وطغيانها. ويستثنى من ذلك ومضات متفرقة وفردية لمقاومة سلطة غاشمة أو مواجهة احتلال".

ورأى أن "ولاء الطرائق الصوفية للنظام بشكل مطلق، يرجع إلى كون هيكلها التنظيمي وإطارها القانوني يغذيان الميل إلى الاستبداد، إذ تتضاءل فيهما القيم السياسية المساعدة على وجود الديمقراطية". ويقول: "شيخ الطريقة هو زعيم كاريزمي بين مريديه، يعتمد على أيديولوجية ذات طابع ديني، وعلى قدراته الشخصية في الإقناع والتبرير والتجنيد، وهذا الوضع ينتج قيماً سياسية تساعد على وجود التسلط والاستبداد".

نظام السيسي بلا ظهير صوفي حقيقي

وقال الباحث أحمد بان، الخبير في شؤون الحركات الإسلامية، إن "السلطة السياسية في مصر تأخذ من الطرائق الصوفية ظهيراً شعبياً لها، بسبب كثرة عدد المنخرطين فيها وانتشارهم في كل ربوع المجتمع، وكونهم  خليطاً متنوعاً في خلفياتهم الاجتماعية والثقافية والمهنية والتعليمية". ورأى أن "نظام مبارك كان الأذكى في استخدامه للطرائق الصوفية، عبر تدجينها في مؤسساته السياسية، واتضح ذلك في انتماء أفرادها إلى الحزب الوطني، ومعارضتهم لثورة يناير ومشاركتهم في التظاهرات المؤيدة له".

وفي مقاربة بين نظامي مبارك والسيسي في استخدامهما للطرائق الصوفية، رأى أن "نظام السيسي حتى الآن بلا ظهير صوفي فعلي، لأنه لا يمتلك محددات ومهارات نظام مبارك نفسها في الحشد والتعبئة". وأوضح أن "الطرائق الصوفية مرتبطة بالسلطة أيا كانت، لأنها تنأى بنفسها عن الصراع السياسي أو الانخراط في أي شكل من أشكال المعارضة، وبالتالي فهي مهادنة ومسالمة، ولا تتخذ المنحى الراديكالي في مواجهة النظام".

"أبو العزايم" ينفي علاقته بالنظام الإيراني

منذ فترة قريبة أدلى شيخ الطريقة العزمية علاء أبو العزايم بتصريحات صحفية، قال فيها إن "الصوفيين لا يساندون نظام السيسي عن قناعة شخصية بل لركوب الموجة لأنهم يستغلون النظام الحاكم أياً كانت توجهاته". غير أنه عاد ونفى تلك التصريحات في حوارنا معه ونسبها للدكتور عبدالهادي القصبي، شيخ مشايخ الطرائق الصوفية. وقال أبو العزايم لرصيف22: "الصوفية تهتم بالسياسة الداخلية وتسعى إلى نشر الأخلاق في المجتمع، لكنها لا تنشغل بالسياسة الخارجية". وفي الوقت نفسه انتقد أبو العزايم، ما أسماه "خمول وتكاسل الطرائق الصوفية في القيام بدور حقيقي في المجتمع، رغم خلو الساحة لها"، مرجعاً هذا "التكاسل إلى انشغال الشيخ القصبي بتحقيق مكاسب شخصية عبر دعمه لقائمة حب مصر، في الانتخابات البرلمانية"، واصفاً تلك القائمة بـ"الرأسمالية البحتة".

مقالات أخرى

مصر، فساد الكبار يكشف ارتباك النظام

ماذا جنى فقراء مصر من الثورات؟

ورداً على ما نشره الصحافي في جريدة اليوم السابع دندراوي الهواري، حول "مخطط الحرس الثوري الإيراني للسيطرة على مجلس النواب، باستخدام الشيخ علاء أبو العزايم لتولي دعم مرشحي الصوفية الموالين لإيران من أجل تشكيل لوبي شيعي في البرلمان"، قال أبو العزايم إن ما نشره الهواري كذب وافتراء، وإنه ليس له علاقة بإيران وغير منشغل بالعلاقات المصرية الخارجية، لكنه يركز على نشر مبادىء الصوفية التي تنأى بنفسها عن أي شبهات.

كوتا غير معلنة في أي مجلس شعب

وقال أستاذ العلوم السياسية الدكتور جهاد عودة، إن "النظام المصري منذ العهد الملكي مروراً بأنظمة عبدالناصر، والسادات، ومبارك، وانتهاءً بالنظام الحالي، يولي اهتماماً كبيراً بالطرائق الصوفية، لأن أفرادها مشاركون فاعلون في الحياة الاجتماعية والثقافية". وذكر عودة أن "الصوفيين لهم كوتا غير معلنة في أي مجلس شعب، لأن لديهم قدرة كبيرة على التعبئة والحشد بدليل تنظيمهم لأكبر تظاهرة افترشت الشوارع المصرية لتأييد مبارك".

وأكد أنهم "مكوّن أصيل في الحياة السياسية والاجتماعية المصرية، بحكم عددهم الكبير، وليس فقط بسبب ولائهم للسلطة". من ناحية أخرى، قال ماهر فرغلي الخبير في شؤون الحركات الإسلامية، إن "الغالبية العظمى من الصوفيين لا ينشغلون بأداء دور سياسي، بينما الكتلة الصلبة المكونة من مشايخ الطرائق، هم المنشغلون بتحقيق مكاسب سياسية، إما عن طريق علاقتهم بإيران وتحديداً الطريقة العزمية بقيادة الشيخ علاء أبوالعزايم، أو عن طريق علاقتهم الوثيقة بالنظام المصري، الأمر الذي يتضح في علاقة الشيخ القصبي بالرئيس السيسي".

كلمات مفتاحية
السيسي سياسة مصر

التعليقات

المقال التالي