ماذا بعد هجمات باريس؟

ماذا بعد هجمات باريس؟

الدماء التي أحالت ليل باريس في مساء الثالث عشر من نوفمبر إلى ليلة من الرعب والهلع هي نقطة تحول في مشهد الصراع مع حركات التطرف الجهادية. هذا التحول لن يشمل نواحي الأمن في أوروبا وأمريكا فقط، ولكنه سيشمل التعامل مع قضايا عديدة على رأسها الصراع العسكري مع داعش في الشرق الأوسط.

المسلحون السبعة الذين انطلقوا مشحونين بجنون التطرف الديني ليحصدوا أرواح 128 مدنياً بريئاً أسهموا من حيث لا يقصدون في صناعة تحالف الخوف بين دول أوروبا وأمريكا وروسيا الذي بدأت ملامحه بالتشكل الآن. فداعش لم يعد تنظيماً إقليمياً يسفك دماء الإيزيديين والمسيحيين ويهدف لإقامة دولة العراق والشام فحسب، بل تحول إلى تنظيم إرهابي دولي يمكن له أن يماثل القاعدة في ضرباته من حيث الحجم والتنسيق.

وقد كان خطأ التقييمات الغربية منذ البداية في النظر إلى هذا التنظيم بعد سقوط الموصل العام الماضي على أنه "خطر محتمل" وليس "خطراً مباشراً" على الغرب. فالتنظيم في بنيته وتشكيله تنظيم أممي وليس محلياً، وبالتالي فإن إرهابه كان سينتشر عاجلاً أو آجلاًً عبر الحدود الغربية. المفاجأة فقط كانت في سرعة هذا الانتشار ودقة ضرباته.

 الحدود الفرنسية أغلقت، وحالة الطوارئ أعلنت وتبعتها حالات ترقب واستنفار أمني في العديد من العواصم الأوروبية وحتى في نيويورك وموسكو. هذا الاستنفار خيم على تفكير الساسة الغربيين في كيفية التعامل مع ملفات عدة شائكة، على رأسها الوضع في سوريا الذي أصبح المنبع الأول لهؤلاء المتطرفين.

فبعد جولات عديدة من المفاوضات في الماضي خرج لافروف وكيري بعد أقل من يوم على هجمات باريس، ليعلنا أنهما توصلا إلى تفاهم حول الوضع السوري يتضمن البدء بعملية تغيير دستورية تستمر 18 شهراً تعقبها انتخابات بإشراف أممي، وحوار مع المعارضة، والنقطة الأهم هي تركيز الجهود على محاربة النصرة وداعش.

لقد حولت هذه الهجمات بوصلة التفكير في العواصم الغربية من الأولويات السياسية فقط إلى الهواجس الأمنية التي ألقت بظلالها على اجتماعات فيينا الأخيرة. فداعش تحول إلى خطر يهدد أمن واستقرار وأسلوب حياة المجتمعات الغربية. وهذا تحدٍ لا تهاون في قبوله أو التعامل معه. لقد ظن هذا التنظيم الارهابي أن هجوماً على درجة عالية من التنسيق والدموية والرعب سيجعل الغرب يراجع نفسه في مسألة التدخل العسكري في سوريا.

ويبدو أنه أغفل الفرق بين شريط فيديو يصور ذبح أو حرق رهينة غربي أو عربي كوسيلة إرهاب نفسي والضرب مباشرة في قلب واحدة من أهم العواصم الغربية. وهنا يجيء الخطأ القاتل، فتصدير الحرب السورية إلى قلب باريس سيستدعي الغرب إلى قلب سوريا وليس العكس. من الطبيعي أنه من المبكر جداً التنبؤ ما إذا كان العمل العسكري البري مطروحاً على الطاولة الآن، ولكن من المؤكد لكل مراقب أن واحداً من أهم التداعيات هو زيادة الجهد العسكري والاستخباراتي في سوريا والعراق ضد داعش.

أقوال جاهزة

شارك غردهل سنشهد بداية نهاية تنظيم داعش بعد هجمات فرنسا؟

شارك غردهجوم باريس، نقطة تحوّل في مشهد الصراع مع حركات التطرف الجهادية

أحد السيناريوهات المطروحة الآن بين المراقبين لرد الفعل على هجمات داعش هو عمل عسكري اجتثاثي، تستعمل فيه قوة رادعة، ويكون تحالفاً مفتوحاً بين الدول التي تضررت بالفعل من هذا التنظيم والدول التي تريد أن تقي نفسها من أضراره. فالدول الأعضاء في حلف الناتو، وبما تملكه من قدرات عسكرية هائلة يمكن لها أن تنظم جهداً عسكرياً تقوم فيه بتدريب وتسليح ودعم القوات المحلية مثل قوات البيشمركة الكردية في كردستان العراق، إضافة إلى قوات الجيش العراقي وفصائل المعارضة السورية التي تقاتل داعش.

ويمكن لعملية التصعيد العسكري هذه أن تشمل إشراك قوات عربية من الأردن ودول الخليج، إضافة إلى الدعم اللوجستي والمادي والاستخباراتي من هذه الدول لعملية اجتثاث داعش. ويمكن لروسيا أيضاً أن تشارك في هذا الجهد، ما سيفتح الباب أمام تفاهمات سياسية قد تخفف من حدة الاختلافات بين الفرقاء في ما يخص الحل السياسي في سوريا. 

أما على الصعيد الداخلي، فهذا الهجوم سيشدد من إجراءات الأمن في العديد من الدول الغربية، وهناك حديث في فرنسا الآن عن تشديد الرقابة على رسائل البريد الإلكتروني والتواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وغيرها من وسائل الاتصالات الحديثة. وهذا سيجعل من مهمة المخططين في المستقبل لأي عمليات أكثر صعوبة. كما أن الموقف العام في تلك البلدان الأوروبية تجاه موجات اللاجئين سيصبح أكثر تشدداً، خصوصاً بعد العثور على جواز سفر سوري في حوزة أحد الإرهابيين الذين تم قتلهم في باريس تقول السلطات اليونانية إنه استعمل في العبور من تركيا إلى اليونان في أكتوبر الماضي.

كل هذه العوامل ستؤدي إلى تكريس حالة الخوف والترقب من هجمات جديدة، وبالتالي تعزيز فرص صعود مرتقب لأحزاب اليمين المتطرف التي بدأت منذ الآن تعزف على وتر الخوف من المسلمين. وهذا الأمر سيرفع بالتالي من حالات العداء تجاه المسلمين في أوروبا وسيشدد من الرقابة الأمنية عليهم خصوصا أن بعضهم يشكل بالفعل حاضنة لهذه الجماعات المتطرفة.

ماذا عن الموقف العربي؟ هناك الكثير مما يمكن أن يفعله العرب ليتخلصوا من داعش. والسؤال الأهم هنا هو: هل أدرك العرب أم لا يزالون واهمين أن إعادة إنتاج الحروب الطائفية لم يعد صراعاً مقبولاً في هذا العصر، وأن نتائجه وخيمة على الجميع؟ هل يمكن لهم أن يتصوروا الصراع على النفوذ والزعامة مع إيران على أنه صراع حضاري الغلبة فيه لمن يبني القوة الاقتصادية والنظام السياسي والاجتماعي القابل للتطور والمستجيب لتحدي العصر، وليس صراع من يعود في رحلة عبر الزمن ليحارب معركة صفين؟ 

النقطة الأخرى هي العقلية العربية الحبيسة في قوقعة المؤامرة الدائمة التي تقف وراء كل شيء. فالعقل العربي يستجيب عادة لمثل هكذا حوادث بنظريات مؤامرة قد تصل إلى حد اتهام الدول نفسها بتدبير هجمات إرهابية ضد شعبها، كما حدث في التفسير العربي الواسع الانتشار لهجمات برجي التجارة في نيويورك. كل شيء مباح لإراحة العقل من تحمل مسؤوليته في التفكير والنقد وإصلاح الذات.

نعم، لقد رأينا العديد من التعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي التي ساندت فرنسا ونأى أصحابها بأنفسهم كمسلمين عن هذه الجرائم، ولكن المقلق أن نسبة ليست بالقليلة لم تستطع أن تخفي فرحتها بهذه الجرائم. وبعض هؤلاء لا ينتمون حتى إلى مدرسة داعش الفكرية مثل هذه الكاتبة الكويتية التي تحدثت عن شماتتها علناً على حسابها في تويتر.

هيئة كبار العلماء في السعودية مثلا خرجت ببيان هزيل يدين هذه الهجمات ويقول ن هذه الأعمال الإرهابية لا يقرها الإسلام وتتنافى وقيمه التي جاءت رحمة للعالمين". ولكننا لم نر الكثير من هذه الهيئة التي من المفترض أنها أعلى سلطة دينية في السعودية للحد من انتشار الفتاوى التي تحض وتبرر وتشرع هذه الأعمال الإرهابية التي لا يقرها الإسلام حسب كلام الهيئة. هناك بكل تأكيد فشل عربي وإسلامي ذريع في المواجهة الفكرية مع داعش.

وربما لهذا استعمل رئيس الوزراء البريطاني توصيف "مضاعفة الجهود لاجتثاث هذه الأيديولوجية المتطرفة المسمومة" في بيانه الذي ألقاه عقب هجمات باريس. وهذا يؤشر إلى أن معالجة التطرف من جذوره أهم بكثير من درء عواقبه. وهو أمر لم نفهمه في بلادنا بعد، أو فهمناه ولم نمتلك الشجاعة أو القدرة على فعل ما يكفي لمواجهته. 

من الواضح إذاً أن هناك ديناميكية جديدة ستحرك ملفات عدة في الشرق الأوسط وخصوصاً في سوريا، وقد تفتح صفحة جديدة في ملف الحرب السورية وتعالج أخطاء الغرب، وبالتحديد إدارة أوباما، وفشل سياساته في التعامل مع هذه الأزمة المشتعلة منذ خمس سنوات. فقيام داعش بوضع نفسه على رأس قائمة الأعداء لكل من الغرب والروس في آن واحد سيعزز من فرص توحد الجهود لإزالته. فهل سنشهد بداية النهاية لتنظيم داعش في المستقبل القريب؟ هذا سؤال سيكشفه مدى تسارع الخطى الدولية للتعامل مع هذه الهجمة الإرهابية الجديدة.

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

كلمات مفتاحية
فرنسا

التعليقات

المقال التالي