هل يستطيع السيسي إغلاق فيسبوك؟

هل يستطيع السيسي إغلاق فيسبوك؟

بين #انزل_يا_سيسي و#ما_يصحش_كده، تبدلت الأحوال وتغيرت المواقف في مصر. فالجنرال الذي اعتبره الكثيرون منقذاً من "فاشية دينية"، بات اليوم يوصف هو شخصياً بـ"الفاشي الذي لا يقبل النقد أو الاختلاف". ومن دشّنوا الهاشتاغ الأول لدعمه، هم أنفسهم من دشنوا الهاشتاغ الثاني، بعد عامين للسخرية منه والتهكم عليه.

شهر عسل لم يدم طويلاً 

قصة الصحافي المصري حسام بهجت، الذي احتجزته المخابرات الحربية المصرية على خلفية تقرير صحفي كتبه عن محاكمات تجرى لبعض ضباط الجيش، كانت محطة جديدة في مسار الصدام الدائم بين الدوله ونشطاء الفيسبوك. فما إن تم إعلان خبر استدعاء حسام، حتى دشنت حملة #متضامن_مع_حسام_بهجت، التي ازدادت حدّتها بعد إعلان النيابة العسكرية قرار حبسه 4 أيام على ذمة التحقيق.

أقوال جاهزة

شارك غردالسيسي ونشطاء السوشال ميديا: شهر عسل لم يدم طويلاً

شارك غردالمعركة الأخيرة دعماً لحسام بهجت طرحت مجدداً السؤال غير المعلن الذي يتردد في أروقه النظام: "لماذا لا نغلق فيسبوك؟"

الضغط الذي مارسه مستخدمو "السوشال ميديا" جعل الموضوع يتحول إلى الخبر الأبرز، وسرعان ما تلقفته الصحف العالمية، وتحولت قصة حرية الصحافة في مصر إلى موضوع دولي، استدعى تدخل سكرتير عام الأمم المتحدة مطالباً بالإفراج عن حسام. وبعد 3 أيام، تراجع النظام عن قراره، وأفرج عن الصحفي، ما اعتبر فوزاً لمستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي على السلطة في مصر.

لكن تلك المعركة طرحت مجدداً السؤال غير المعلن، الذي يتردد في أروقه النظام: "لماذا لا نغلق فيسبوك؟".

أحد الجنرالات قال لي في إحدى المرات: "إنتوا مش حترتاحوا غير لما نقفلهولكم". الجنرال، وإن بدا مازحاً، عبر عن ذهنية النظام المصري الذي يميل أكثر إلى تكميم الأفواه وتبني سياسة الصوت الواحد. وقد تبين ذلك جلياً من ضيق الرئيس السيسي ذرعاً بالإعلام ومهاجمته قائلاً: "إنتوا بتنشروا جهل وعدم وعي بين الناس، ما يصحش كده".

السؤال بصيغة أخرى: ما الذي يمنع النظام المصري من إغلاق فيسبوك؟ والإجابة عنه تتقاطع مع 3 محاور (سياسي- اقتصادي- اجتماعي). يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة أحمد عبد ربه: "أعتقد أن النظام المصري يود أن يغلق فيسبوك، والحديث المتناثر من هنا وهناك يشير إلى ذلك، لكن سياسياً لن يتحمل النظام كلفة هذا القرار". ويضيف: "النظام كما يتراءى لي مهتم جداً بالسمعة الدولية، التي تساعده على الحفاظ على التدفقات المالية، وقرار كهذا سيجعله يخسر أرضاً يرى أنه كسبها بالفعل".

فضلاً عن أن قرار بهذا الحجم قد ينجم عنه ردة فعل عنيفة تلعب دوراً محفزاً لنزول الناس مرة أخرى إلى الميادين. ولعل تجربة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نموذج مهم لقراءة المشهد. فرجل تركيا القوي قرر إغلاق موقع تويتر لما سببه له من إزعاج، إلا أنه لم يصمد طويلاً أمام الضغوط الأوروبية والمجتمع الدولي، وسرعان ما تراجع عن قراره.

لكن إذا كان العامل السياسي يقف عائقاً أما السيسي ونظامه لاتخاذ هذا القرار، فهناك عامل آخر هو "العامل الاقتصادي"، الذي ربما يكون أقوى بكثير، بحسب ما يقول مؤنس جودت، خبير التسويق في إحدى الشركات.

ويوضح مؤنس: "اقتصادياً هذا سيكون قراراً بالانتحار، فالسوشال ميديا باتت من أهم نوافذ الدعاية والتسويق اليوم، نظرة واحدة على ميزانية الدعاية في كل الشركات الكبرى تجعلك تدرك معنى كلمة قوة سوشال ميديا. فنحن نتحدث عن ملايين الجنيهات التي تنفق للتسويق عبر هذا الوسيط، بل كثير من الشركات أعادت رسم خريطتها الدعائية، لتلقي بثقل أكبر في هذا الوسيط بدلاً من الوسائط التقليدية".

ويضيف: "نحن نتحدث عن نحو 23 مليون مستخدم للفيسبوك في مصر، وهذا سوق ضخمة وتبعات التضحية به اقتصادياً مرعبة". ورأى جودت أن "الكيانات الضخمة المستفيدة من هذه السوق لن تسمح للنظام المصري بذلك ، وسيخلق عداءً مع جهات هو في أمسّ الحاجة إلى دعمها".

أما هشام الجمل، الباحث في العلوم الإنسانية، فيرى أن قراراً كهذا سيحدث "خللاً اجتماعياً لن يتحمله النظام". ويوضح أن "الفيسبوك أصبح جزءاً من الحياة اليومية لقطاع واسع من المصريين، وتداخل بشكل جذري في علاقاتهم الاجتماعية، وتواصل كثير من الناس أصبح يعتمد عليه". ويقول الجمل: "أي قرار بقطع كل هذا مرة واحدة سيولّد غضباً على النظام  من قطاعات تعتبر مؤيدة له، أو لنقل للاستقرار، ولا يوجد نظام يسعى لاستعداء مؤيديه خصوصاً أن لديه من الخصومات ما يكفي".

وقال: "عامل آخر يجب أن يؤخذ في الحسبان هو الوقت، فكثير من المصريين يستهلكون أكثر من ساعتين أو ثلاث يومياً على الفيسبوك، واختفاؤه يعني خلق فائض من الوقت لا يعلم أحد إلى أين سيوجه. بالإضافة إلى أن هذه الوسائط تساعد على تفريغ شحنات الغضب لدى الكثيرين، وفي حال غيابه قد يكون الانفجار أقرب وأسرع، وهو ما يدركه النظام جيداً".

يرى الخبراء أن النظام المصري لن يتحمل هذا القرار، لكن هل يدرك النظام نفسه ذلك؟ أم أننا  سنستيقظ يوماً لنجد أن أحدهم اتخذ قراراً بإغلاق الفيسبوك بمنطق "اقفل علينا يا ريس"؟ لا أحد يمكنه الجزم. لكن المؤكد أنه حتى إذا اتخذ هذا القرار فسرعان ما سيتراجع عنه ليبقى النظام ومستخدمو السوشال ميديا كلّ من جانبه يحاول أن يزيد مساحته، النظام يسعى لمزيد من السيطرة، وهم يريدون مزيداً من الحرية.

ماجد عاطف

صحافي مصري عمل مراسلاً لمجلة نيوزيويك، ويعمل الآن مراسلاً لموقع Buzzfeed الأمريكي.

التعليقات

المقال التالي