قصص المعتقلين تعسّفاً في سجن مطار إسطنبول الدولي

قصص المعتقلين تعسّفاً في سجن مطار إسطنبول الدولي

لا تشبه رائحة القهوة التركية التي تنتشر في مقاهي مطار أتاتورك الدولي، في مدينة إسطنبول، رائحة الصالة التي خصصها الأمن التركي للمسافرين غير المرغوب فيهم على الأراضي التركية.

فالقهوة ممنوعة في هذه الصالة التي كنت أحد زوارها. فيها تعبق فقط روائح الرعب والخوف التي خبرتها شعوب دول الشرق الأوسط من أنظمتها المتسلطة.

اعلان


في ذلك المكان، لا يشعر المسافرون بمتعة السفر التي تروّج لها مكاتب السياحة العالمية. هنالك، يتحوّلون إلى مجرّد متهمين لا حول لهم ولا قدرة على الخلاص مما هم فيه.

قصص المعتقلين في سجن مطار إسطنبول الدولي - صورة 1

التهمة: تاجر أسلحة

"رعبٌ يسمّر الركب ويجفف عروق الدم"، هكذا بدأ الشاب السوري الدمشقي موفق حديثه بعد أن علم أنني صحافي، وأضاف: "أقيم في هذه الصالة منذ شهرين ويومين تماماً. لا أعرف النوم، ولا قيمة للوقت هنا. هربت من سوريا باتجاه مصر، وهناك أخبرني أصدقاء أنهم ينوون السفر إلى السويد، والطريق الأمثل لهذه الرحلة يبدأ من تركيا. لكن ما إن وصلت إلى مطار أتاتورك محاولاً الدخول بطريقة شرعية، كون جواز سفري السوري يسمح لي بذلك وفقاً للقوانين التركية، حتى وجدت نفسي متهماً بتجارة السلاح. ولا أعلم كيف ومتى ستنتهي مأساتي".

قصص المعتقلين في سجن مطار إسطنبول الدولي - صورة 2

8 أشهر في سجن المطار

بجانب موفق، كان يجلس شاب سوري من حمص اسمه فادي، هو يقيم في هذا المكان الذي وصفه بـ "المرعب"، منذ 8 أشهر. وروى: "قدمت من سوريا باحثاً عن لجوء في تركيا، لكن القضاء التركي لم يمنحني هذا الحق، كما لم يخبرني عن سبب رفضه. لقد يئست من الانتظار وخصوصاً في هذا المكان الذي لا يليق بحياة البشر، وأصبحت أفكر جدياً بالعودة إلى سوريا رغم كل المخاطر التي تنتظرني. أحياناً لا أعرف ماذا أقول وبماذا أفكر. إنني يائس. أنتظر المجهول في هذا المكان البائس".

أقوال جاهزة

شارك غردفي إحدى صالات مطار إسطنبول تعبق فقط روائح الرعب الذي خبرته الشعوب العربية من أنظمتها المتسلطة

شارك غردسوريون ومواطنون من جنسيات أخرى معتقلون في مطار إسطنبول الدولي والتهمة: البحث عن الاستقرار

وأضاف: "لست مجرماً. كل تهمتي أنني أرغب في عيش حياة كريمة في بلد يكفل عدم تعرضي للأذى، ولكن يبدو أن هذا الأمر أصبح بعيد المنال".

وعن أيامه التي يمضيها في المطار، أوضح أنه في هذه الصالة يوجد قانون يسير على أساسه الجميع، وهو أن كل ما يحدث في هذه الصالة يجب أن يبقى فيها ولا يخرج منها. فالحفاظ على صورة البلد السياحية هي الأولوية التي يجب تصديرها للعالم أجمع. علينا التزام الصمت والرضوخ الكامل لسلطات المطار ولهذه الحياة الوضيعة ريثما تتم معالجة أوضاعنا، وقد ننتظر أياماً أو شهور".

اعتدنا النوم في الطرق

لكل شخص في هذه الصالة حكايته. تتنوع الحكايات ومواضيعها ويتلوى بقصصها أصحابها الذين ضاقت بهم أبواب بلادهم. خالد وصل قبل ساعات إلى الصالة. أخبرني أنه طالب جامعي من مدينة درعا السورية وترك جامعته والتحق بأحد فصائل الجيش الحر ثم لجأ إلى الأردن، ولأن "الخناق يضيق على السوريين أينما ذهبوا في بلادنا العربية"، بحسب قوله، قرر الرحيل باتجاه أوروبا، "والتحقت بركب المهاجرين السوريين، بعد أن عرفت أن الطريق الأمثل للوصول إلى أوروبا سيكون عبر البوابة التركية".

وصل خالد بجواز سفر سوري شرعي، معتقداً أنه لا يحتاج إلى تأشيرة دخول، لكن ما حدث كان عكس ما يشتهي، إذ منعته السلطات التركية من دخول تركيا وقذفته إلى غرفة السجن المؤقت في المطار ريثما يتم النظر بوضعه. قال وهو يتمدد على الأرض: "أجبرتنا الظروف على النوم على الأرض بدون أغطية، وجل ما أخشاه، هو أن نظل هكذا".

أم وأطفالها الخمسة

لا تنحصر المآسي في هذه الصالة بالسوريين فقط. فوجئت بوجود طفل لا يزيد عمره عن 13 عاماً، وفوجئت أكثر بوجود أمه وإخوته الأربعة الأصغر سناً في الغرفة المخصصة للنساء والأطفال الصغار. أما الدهشة فكان سببها أنهم يعيشون بهذه الطريقة منذ نحو أربعة أشهر. قدمت هذه العائلة من أفغانستان والحكومة التركية رفضت منحها حق اللجوء على أراضيها.

حين كنت أحاول الحديث مع الطفل، تدخل أحد نزلاء الصالة القدامى وقال: هل يعقل أن يكون طفل بهذا العمر في هذا المكان طوال هذه المدة دون أن تسأل عنه المنظمات الحقوقية والقانونية؟ أليس من المفترض أن يتم تأمين منزل لهم يعيشون فيه بكرامة ريثما تتم تسوية أوضاعهم؟

قصص المعتقلين في سجن مطار إسطنبول الدولي - صورة 3

نحن شعب الهجرات

بعد أن أتعبه المشي داخل الصالة، جاء محمود درويش، شاب سوري فلسطيني، وقال: "قضيت حياتي كلها أهاجر من مكان إلى آخر، فأنا فلسطيني هاجرت أسرتي من فلسطين، وعرفت بعد ولادتي أكثر من ثلاث هجرات داخل سوريا إلى أن استقر الأمر بي وبأسرتي في مخيم اليرموك بدمشق".

أخبرني أن والده أطلق عليه اسم محمود تيمناً بالشاعر محمود درويش معترفاً بأنه لا يحفظ شيئاً من أشعاره. وقال: "وصلت قبل خمسة أيام. مذّاك وأنا أجلس هنا على هذه الأرض الباردة. لم أستطع النوم ولا إيصال ما أريد لرجال أمن المطار المسؤولين عني، فهم لا يتحدثون إلا اللغة التركية التي لا أفهم منها شيئاً"، مستنكراً عدم تأمينهم مترجماً يطلع المعتقلين على حقوقهم وواجباتهم.

علي الكويتي المجرد من هويته

أما علي السعد فهو شاب قادم من الكويت ومحروم من جنسية بلده، كونه من "البدون" الذين يزيد عددهم في الكويت عن 300 ألف وجميعهم محرومون من حقوق المواطنة الكويتية.

وقال: "هذه ليست المرة الأولى التي أحاول فيها الهروب من وطني. لا مستقبل لي في بلدي. إنها المحاولة السابعة، وسأظل أحاول حتى أنجح، فحياة مَن وضعهم مثل وضعنا لا تطاق هناك".

وتابع: "أنام هنا كما الجميع. ممنوع من التحرك إلا بإذن، وحين يريد أحدنا الذهاب لقضاء حاجته، فإن أحد رجال الأمن يرافقه، في مشهد نبدو فيه وكأننا مجرمون".

وأضاف: "أخبرت السلطات التركية بقضيتي وطلبت الحصول على حق اللجوء، لكن المحامية أخبرتني اليوم أنه يجب عليّ العودة إلى الكويت، وليس أمامي خيار آخر. حاولت أن أشرح للمحامية أنني سأتعرض للسجن لمدة قد تصل إلى 7 أعوام، لكنها أنهت الحديث بكل حزم: لا توجد مشكلة في بلدك وعليك الرحيل. وها أنا أجهز نفسي للرحيل الآن على أقرب رحلة إلى الكويت".

حق الأتراك في حماية بلدهم ولكن...

برغم الظروف القاهرة التي يعيشها الموقوفون في مطار أتاتورك، فإنهم جميعاً يتفقون على حق الحكومة التركية بحماية أمن بلدها. لكن أحد النزلاء تساءل: "هل حماية أمن البلد تكون بوضعنا في مكان لا يصلح حتى للكائنات غير البشرية؟ هل يتحقق الأمن بعدم منح المسافرين حق الحياة الكريمة؟" لكن السؤال الذي كان أكثر وضوحاً وشفافية، هو "كيف عبر أكثر من 50 ألف جهادي إسلامي إرهابي الحدود التركية إلى سوريا؟".

أما السوريون، فجميعهم كان يحاولون الدخول إلى تركيا إما للاستقرار فيها أو أملاً في الوصول إلى إحدى دول أوروبا. وأكد غالبية من التقيتهم أن سقوط نظام الأسد لم يعد كافياً لعودتهم إلى سوريا، إذ لا بد، بحسب رأيهم، أن تسقط معه كل التنظيمات الإسلامية وقادتها الذين أعادوا منهجية النظام في تعاملهم مع سكان المناطق المحررة.

بشار عبود

صحافي سوري عمل في الصحافة السعودية. يحمل إجازة في الإعلام، وعضو في شبكة تحرير المرأة في سوريا وفي تيار مواطنة.

التعليقات

المقال التالي