مصر، جمهورية الاستثناءات العظمى

مصر، جمهورية الاستثناءات العظمى

انتفض المصريون في 25 يناير 2011 على النظام الحاكم آنذاك، رافعين شعار "العدالة الاجتماعية" التي ضرب بها عرض الحائط في الفترة الأخيرة.

بعدما غابت فئات عديدة لحساب قطاعات استأثرت بكل رغد الحياة، استحقت مصر وبجدارة الحصول على لقب جمهورية الاستثناءات العظمى، بدءاً باستثناء موظفي رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء، والعاملين في ماسبيرو، وهيئة النقل العام والمعلمين والأطباء، من تطبيق قانون الخدمة المدنية الذي أقر أخيراً، مروراً باستثناء القضاة وموظفي البنوك من الحد الأقصى للأجور، انتهاءً باستثناء أبناء "الكبار" والقضاة والضباط وغيرهم من التحويلات الجامعية. حتى امتدت قاعدة الاستثناءات إلى قطاعات عدة داخل الدولة، عبر استخدام مصطلح "قطاع سيادي" للخروج من مأزق المساواة بين العاملين في الدولة.

قانون الخدمة المدنية يُشعل فتيل الثورة مجدداً

أعاد قانون الخدمة المدنية الذي صدر في 12 مارس من العام الجاري، مشهد تظاهرات الشوارع المصرية بعدما اختفت منذ ثورة 30 يونيو 2013، على يد أبناء وزارة المال في مصلحتي "الجمارك والضرائب"، الذين وصفوا القانون بـ"المجحف"، وينتقص من حقوقهم المالية.

واستشاطت القطاعات الرافضة للقانون غضباً بعد استثناء موظفي رئاسة الجمهورية من القانون الجديد، ليسود الأمر نفسه على مجلس الوزراء، باعتبار أنهما من الجهات السيادية، ولهما طابع خاص، كما امتد منع تطبيق القانون نفسه على العاملين في الإذاعة والتلفزيون "ماسبيرو"وهيئة النقل العام، والمعلمين، والأطباء، وأساتذة الجامعة والجيش والشرطة، بحجة أن لكل فئة "كادر" أو قانونها الخاص.

حمل القانون سلبيات عدة، أبرزها إلغاء إمكانية ترحيل رصيد الإجازات الاعتيادية للموظف حتى بلوغ سن التقاعد، بما يُمكّنه من الحصول على المقابل النقدي للإجازات، بحسب المادة 47 منه، ومنح صلاحيات كبيرة للمديرين تمكنهم من إنهاء خدمة الموظفين، بإعطائهم تقريرين بدرجة "ضعيف"، بمقتضى المادتين 27 و28. كما أعطى القانون الرئيس المباشر في العمل صلاحيات كبيرة تمنحه ترقية الموظفين بالاختيار، وليس بالأقدمية، بدعوى "الكفاءة"، فضلاً عن جعله الترقي من الدرجة الأولى"ب" إلى الدرجة الأولى "أ" بالاختيار، من خلال نص المادة 29، ما يفتح الباب للمحسوبيات.

وألغى قانون الخدمة المدنية مادة محو الجزاءات بعد مرور ستة أشهر أو سنة بحسب كل حالة، التي كانت ضمن مواد القانون 47 لسنة 1978 "القديم"، وأصبحت الحوافز في ظل القانون الجديد أجراً مكمّلاً، فضلاً عن إغفاله ضم مدد الخدمة السابقة للمعينين الجدد، وكان من أبرز سلبياته أيضاً، إلغاء حق العشرين الأوائل في التعيين، بمقتضى المادة 13، التي حصرت التعيين بالجهاز الإداري للدولة على نظام المسابقة المركزية مرتين كل عام.

وفي ما يخص استثناءات بعض القطاعات من تطبيق القانون، قال الدكتور أشرف العربي، وزير التخطيط والإصلاح الإداري، إن "موظفي رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء مستثنون من تطبيق القانون، في ما يخص عملية التعيينات فقط، والتي بررها بسيادية المنصبين، ولا يجوز أن تكون التعيينات عبر مسابقة معلنة". وأضاف: "هنالك قطاعات لا يُطبق عليها القانون، نظراً لوجود لائحة داخلية أو كادر ينظم العمل بها، مثل هيئة النقل العام والعاملين في ماسبيرو والأطباء والمعلمين". وأكد أن "القانون جاء لتحقيق إصلاح إداري ومالي شامل في الجهاز الإداري للدولة لتحقيق خدمة ميسّرة للمواطنين".

وقالت فاطمة رمضان، الناشطة العمالية، إن "فكرة الاستثناءات غير مقبولة بعد ثورتين نادتا بتحقيق العدالة الاجتماعية"، مستنكرة تصريحات الحكومة أن قانون الخدمة المدنية جاء لتحسين الهيكل الإداري في الدولة. وتساءلت: "إذا كان القانون ينشد بالفعل التحسين، فلماذا يتم حرمان موظفي رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء من التحسين؟". وأكدت أن "القانون في مجمله سيئ، واستثناء موظفي الرئاسة ومجلس الوزراء منه، يجعل أوضاعهم أفضل من سائر موظفي الدولة"، مشيرة إلى أن "كلمة استثناءات تحمل في طياتها فساداً".

استثناءات أجور القضاء درءًا للفساد أم تقويضًا للعدالة؟

كما دخلت فئة القضاة في مصر دائرة الاستثناءات من منطلق أنهم "السادة وغيرهم العبيد"، مثلما وصفهم المستشار أحمد الزند، رئيس نادي القضاة السابق ووزير العدل الحالي. و"لا يحق لابن عامل النظافة أن يكون قاضياً"، كما صرح المستشار محفوظ صابر، وزير العدل السابق، الذي أقيل من منصبه على خلفية تصريحاته.

تميز القضاة عن غيرهم بزيادة سن المعاش لتصل إلى 65 عاماً، بزيادة 5 سنوات عن معظم العاملين في الدولة، فضلاً عن استثنائهم من تطبيق الحد الأقصى للأجور المقرر له 42 ألف جنيه، بعدما قررت الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع في مجلس الدولة، عدم خضوع أعضاء السلطة القضائية والنيابة العامة لتطبيق القانون 63 لسنة 2014، بشأن الحد الأقصى لأجور العاملين في الدولة. وبات القضاة ثالث فئة تخرج من تفعيل الحد الأقصى للأجور، بعد موظفي الشركة المصرية للاتصالات، والبنوك المنشأة من خلال شركات مساهمة، ولها نظام قانوني خاص مثل بنكي الإسكان والتعمير والمصري لتنمية الصادرات، وفق قرارات قضائية.

وقالت المستشارة تهاني الجبالي، نائب رئيس المحكمة الدستورية السابقة، إن "القضاة في مصر لا يتجاوزون الحد الأقصى للأجور المقدر بـ42 ألفاً"، مؤكدة أن "هناك قضاة ومستشارين في الأقاليم لا يقتربون من هذا الرقم، والحديث عن استثنائهم من الحد الأقصى بالغ فيه البعض، وتناوله بشكل ولّد الغيرة تجاه حراس العدالة في مصر".

وأوضحت أن "القضاة في الدول الأخرى يحددون مخصصاتهم"، وألمحت إلى "خصوصية عمل القاضي الذي لا بد أن تتوافر لديه جميع سبل الراحة المادية والنفسية، ليمارس عمله بحيادية من دون ترك ثغرات لدخول الرشاوى، وتفشي الفساد".

أقوال جاهزة

شارك غرداستحقت مصر وبجدارة الحصول على لقب جمهورية الاستثناءات العظمى

شارك غرددائرة الاستثناءات في مصر تخلّ بمبدأ العدالة الاجتماعية

على النقيض من ذلك، يرى محمد زارع، رئيس المنظمة العربية للإصلاح الجنائي، أن "استثناء القضاة من تطبيق الحد الأقصى للأجور يخل بمبدأ العدالة الاجتماعية بين موظفي الدولة، ويترك غصة لدى بقية الفئات المطحونة، خصوصاً أن زيادة الأسعار نار يكتوي بها الجميع، فلا يُسثنى منها المواطن البسيط، الذي لا يتجاوز دخله الشهري 700 جنيه، في حين أن هنالك من يتجاوز دخلهم 42 ألفاً". لكنه أيد فكرة زيادة سن معاش القضاة 5 سنوات عن معظم العاملين في الدولة، للاستفادة من خبراتهم، وإن كان بشكل مؤقت، من دون مزايا مادية.

استثناءات تشريعية وقانونية أجازها الدستور

مر أكثر من عامين على حل برلمان 2012، لتنتقل السلطة التشريعية إلى رئيس الجمهورية المؤقت، المستشار عدلي منصور، ثم إلى الرئيس المنتخب عبد الفتاح السيسي، اللذين أصدرا أكثر من 400 قرار بقانون، بعضها أحدث موجة من الجدل والرفض كقانون التظاهر، الذي سجن عشرات الشباب، وقانون الإرهاب الذي وصفه البعض بـ"طوارئ مبارك".

ويقول الخبير الاستراتيجي اللواء سامح سيف اليزل: "بحسب الدستور، على البرلمان المقبل مراجعة القوانين التي صدرت، خلال 15 يوماً منذ بدء انعقاده"، مؤكداً "استحالة مناقشة هذا العدد الكبير في فترة قصيرة، والسبيل الوحيد قبولهم، بعد ذلك تتولى اللجان البرلمانية الـ19 مناقشتها واحداً تلو الآخر".

وأوضح الدكتور رمضان بطيخ، الخبير الدستوري والقانوني، أن "حل برلمان 2012 بقرار من المحكمة الدستورية العليا، وضع مصر في استثناء تشريعي مؤقت، إذ تؤول السلطة التشريعية إلى رئيس الجمهورية مباشرة بنص الدستور حتى تشكيل برلمان جديد، ثم تعود الأمور إلى نصابها". وأضاف أن "البرلمان المقبل لا يراجع فقط في القرارات التي أصدرها السيسي، لكن كل ما سبقها أيضاً بعد حل البرلمان، ومجلس النواب المقبل عليه مراجعة كل القوانين، وإلا كانت ملغاة".

وللخروج من هذه الإشكالية، يرى بطيخ أنه "على مجلس النواب الموافقة على جميع قرارات الرئيس، ومن حق البرلمان بعد ذلك تعديل أو إلغاء القوانين الصادرة طوال خمس سنوات مدة انعقاده".

استثناء أبناء الكبار "باطل يراد به حق"

وكان بطل الحلقة الجديدة من الاستثناءات الدكتور السيد عبد الخالق، وزير التعليم العالي السابق، بمطالبته المجلس الأعلى للجامعات التفويض لاستثناء مجموعة من الطلبة وغالبهم من أبناء القضاة وكبار الضباط من قواعد التوزيع الجغرافي والتحويلات الجامعية، لـ"اعتبارات قومية". لكنه عاد، بعد موجة من الغضب العارم داخل الوسط الجامعي، ليعلن أن المقصود بالتفويض، النقل الإداري لاعتبارات قومية، للتخفيف على الراغبين في النقل من دون تحديد فئة محددة، ويسير بآلية النقل الإداري عينها. ولم يتم تحديد أبناء القضاة أو الضباط، بل يشمل أبناء الشهداء والمرضى، قائلاً: "ليكون ذهن القضاة والضباط متفرغاً لعملهم، وأبناؤهم بالقرب منهم".

ويرى الدكتور محمد زهران، مؤسس تيار استقلال المعلمين، أن "القرار مخالف للدستور المصري، الذي ساوى بين جميع المواطنين. فالقرار يثبّت الطبقية، ويولّد نوعاً من الغضب والاحتقان المجتمعي ضد السلطة". وأوضح أن "استثناء بعض أبناء المسؤولين من التحويلات الجامعية يشعل نار الفتنة ويعيدنا إلى العصور الملكية والدكتاتورية"، واصفاً القرار بـ"الظالم لبقية فئات الشعب، ويفتح الباب للفساد".

وقال طارق نور الدين، خبير تعليمي ومعاون الوزير الأسبق، إن "أي قانون يحوي استثناءات لا يُحترم"، وأضاف أن "قرار استثناء أبناء الكبار من التحويلات الجامعية، يحمل في طياته تحايلاً لدخولهم إلى الكليات التي يريدونها، وهذ ما يخلّ بمبدأ تكافؤ الفرص".

كلمات مفتاحية
قوانين مصر

التعليقات

المقال التالي