ما هو سرّ الغزل الغربي المستجدّ بصدّام حسين ومعمّر القذافي؟

ما هو سرّ الغزل الغربي المستجدّ بصدّام حسين ومعمّر القذافي؟

لعلّ الرئيسين العراقي الأسبق صدّام حسين والليبي الأسبق معمّر القذافي كانا نجمي التصريحات الغربية في عطلة نهاية الأسبوع الماضي. فقد خرجت أصوات "تترحّم" على عهديهما وبعضها كان ممّن شجّع على تسيير الجيوش لإسقاطهما.

غزل غير منتظر

أبرز التصريحات كانت تصريح رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير. ففي مقابلته مع محطة "سي إن إن"، اعترف بأنه "لا يمكن القول إن مَن أطاح صدام حسين عام 2003 لا يتحمل مسؤولية عن الوضع في عام 2015"، وظهور تنظيم داعش جزء منه. وحاول رئيس الوزراء البريطاني التخفيف من وقع تصريحه المفاجئ بقوله إنه "من الصعب أن أعتذر عن الإطاحة بصدام. اعتقد أن عدم وجوده اليوم في عام 2015 أفضل من وجوده"، دون أن يكون لاستدراكه معنى واضح وملموس.

ثم كان تصريح المثير للجدل دونالد ترامب الذي يتصدّر مرشحي الحزب الجمهوري في سباقهم للفوز ببطاقة ترشيح الحزب إلى الانتخابات الرئاسية الأمريكية. ففي مقابلة مع شبكة "سي أن أن" أيضاً، رأى بفجاجة أنه لو ظل الرئيس العراقي صدام حسين والزعيم الليبي معمر القذافي في الحكم لكان العالم اليوم أفضل حالاً.

وقال ترامب: "انظروا إلى ليبيا. انظروا إلى العراق. من قبل لم يكن هناك إرهابيون في العراق. صدام حسين كان يقتلهم في الحال. بينما اليوم، أصبح العراق جامعة هارفرد للإرهاب"، مضيفاً أن "الناس هناك تُقطع رؤوسهم ويتم إغراقهم. الوضع هناك الآن هو أسوأ بكثير من أي وقت مضى في ظل حكم صدام حسين أو القذافي". ترامب أيضاً حاول التلطيف من وقع تصريحه باعتباره أن "صدام حسين لم يكن رجلاً لطيفاً بل كان رجلاً فظيعاً"، ولكنه بعكس بلير امتلك الشجاعة للذهاب إلى خواتيم فكرته بإشارته إلى أن "الوضع كان أفضل مما هو عليه الآن".

ولتكتمل السلسلة، خرج وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ليحمّل الاتحاد الأوروبي المسؤولية عن "جذور أزمة المهاجرين والفوضى في الشرق الأوسط". وأشار لافروف إلى أن الأوروبيين بدأوا يعون خطأ إسقاطهم القذافي منتقداً "وهم أن الديموقراطية تتجذر من تلقاء نفسها بمجرد الإطاحة بالديكتاتور".

حنين إلى الاستقرار

تنظر الدول الغربية إلى الوضع الراهن في الشرق الأوسط وتشعر بأنها فقدت السيطرة على التطوّرات. وعندما تنظر إلى سياساتها في العقد الماضي، ترى أنها جرّبت احتمالات كثيرة ولكنها كلها أفضت إلى النتيجة نفسها: فوضى عارمة تصعب السيطرة عليها وتمدّد تنظيمات إرهابية لا يمكن احتواؤها كما كان ممكناً احتواء الديكتاتوريين.

وهذا ما عبّر عنه بلير في المقابلة نفسها حين قال: "حاولنا التدخل عبر نشر جنودنا في العراق. لقد حاولنا التدخل من دون نشر الجنود في ليبيا. وحاولنا عدم التدخل على الإطلاق باستثناء المطالبة بتغيير النظام في سوريا. ولا يبدو لي، حتى لو لم تنجح سياستنا، أن السياسات اللاحقة قد أعطت نتائج أفضل".

مواطنون عرب كثيرون سبقوا الدول الغربية في الحنين إلى الديكتاتور الذي كان يحكمهم. آراء العراقيين حالياً في صدام حسين ليست كآرائهم فيه سنة 2003. وآراء الليبيين اليوم في معمر القذافي ليست هي نفسها آراءهم به عام 2011. حتى أن بعض السوريين الذين هربوا من الحرب الدائرة في بلادهم بدأوا يحنّون إلى زمن ما قبل الثورة. معظمهم يقول كما ترامب: "كان رجلاً فظيعاً ولكن الوضع كان أفضل مما هو عليه الآن".

في لحظة العمل على إسقاط الديكتاتور كانت الأغلبية متحمّسة لديمقراطية حمّلوها الكثير من الأماني. ولكن الأماني لم تتحقق بل تفاقمت الأوضاع سوءاً على كل الصعد وكانت الطامة الكبرى الفوضى الأمنية التي حرمتهم حتى من أمنهم الشخصي، ولذلك راحوا يحنّون إلى الديكتاتور الذي كان يضمن أمنهم ولو بشروطه ويمنحهم بعض التقديمات.

الغربيون ليسوا بحساسية المواطنين العرب، لأن أصابعم بعيدة عن النار اليومية. ما يعيشه العرب يومياً يراه الغربيون على شاشات التلفزة ويضعونه كملاحظات على خططهم للتعامل مع سير الأزمات العربية. وبرغم ذلك ها هم يحنّون إلى أزمنة الديكتاتوريين. وإذا كان الروس بشخص لافروف قد امتعضوا من تحجيم نفوذهم في "الديمقراطيات الناشئة" بعد إطاحة الديكتاتوريين وبالتالي لا يتحرّجون من عقد صفقات بعيدة عن "المناخ الغربي" كدعمهم الصلب للنظام السوري، فلماذا قال بلير وترامب ما قالاه وهما صوتان يعبّران عن الديمقراطية الليبرالية الغربية؟

أقوال جاهزة

شارك غردتخرج أصوات غربية "تترحّم" على عهدَيْ صدام والقذافي وبعضها كان ممّن شجّع على تسيير الجيوش لإسقاطهما

شارك غردإننا الآن أمام مزاج غربي جديد يمكن اعتباره نهاية للمزاج الذي صنعه الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش

تنتشر في الدول الغربية قناعة مفادها أن الخطر الذي فتك بهياكل الدول العربية قد بدأ يصل إليهم أولاً عبر موجات اللاجئين التي يضطرون إلى استقبالها وثانياً عبر احتمال استهداف التنظيمات الإرهابية لمصالحهم بعد تمتين أقدامها في الشرق الأوسط. وإذا لم تنفذ هذه التنظيمات عمليات إرهابية مباشرة ضد المصالح الغربية، فهي ستسيطر على مناطق وتخرجها من دائرة النفوذ الغربي، وهذا يمكن حسابه بلغة الأرقام كخسائر اقتصادية حالية ومستقبلية. بينما في السابق كان يكفي هزّ العصا للديكتاتور لكي يحقق مصالح الدول الغربية.

واللافت أن هذه التصريحات أتت في الفترة نفسها التي عقد فيها اجتماع فيينا بين أمريكا وروسيا وتركيا والسعودية لنقاش الأزمة السورية. واجتماع فيينا في أحد جوانبه يعكس تغيّر القناعة الدولية السابقة بأن الرئيس السوري يجب أن يرحل فوراً، وأتى ليكرّس التصريحات الخجولة التي بدأت تصدر في الآونة الأخيرة من مسؤولين غربيين كثر، والتي تقول إن الرئيس السوري بشار الأسد يمكن أن يكون له مكان في بداية المرحلة الانتقالية (وطبعاً، المرحلة الانتقالية لن تكون محددة زمنياً بشكل دقيق).

كل هذا يعني أننا الآن أمام مزاج غربي جديد يمكن اعتباره نهاية للمزاج الذي صنعه الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش عندما سيّر آلته الحربية لتحقيق الديمقراطية في العراق، والذي كان ينظر إلى الديمقراطية كدين جديد يستحق بذل الأرواح لنشره. وما الفترة الماضية التي شهدت ارتفاع الأصوات المساندة للديمقراطية دون أن تفعل شيئاً لتحقيقها إلا مرحلة انتقالية بين مزاجين.

التعليقات

المقال التالي