الجمعيات الخيرية في تونس في دائرة الاتهام

الجمعيات الخيرية في تونس في دائرة الاتهام

لم تعد صورة الجمعيات الخيرية في تونس تُحيل على قيم التطوع والعطاء. اهتزت الصورة كثيراً منذ دخول البلاد في صراع مع الإرهاب أواخر العام 2012. فقد أصبح هذا النوع من الجمعيات ضمن دائرة الاتهام عند الرأي العام، فصار يُنظر إليه كروافد مالية واجتماعية للإرهاب، وفي أحسن الأحوال، كملحقات مدنية بالأحزاب السياسية، تُسوق له وترفده بالمال والدعاية.

لم تكن التُهم الموجهة للجمعيات الخيرية نابعةً من الفراغ، فقد قادت التحقيقات التي أعقبت العمليات الإرهابية التي وقعت إلى وجود صلات بين بعض الجمعيات، التي تعمل في المجال الخيري وعناصر متهمة بالوقوف خلف هذه العمليات. غير أن نشطاء في المجتمع المدني يرون أن هذه استثناءات يجب عدم تعميمها واتخذاها ذرائع لتعطيل العمل المدني، ما أثار جدلاً واسعاً في البلاد لم ينته بعد، ويتجدد عقب أي عملية إرهابية.

اتهامات أمنية سياسية

بداية عام 2014، غادرت حركة النهضة الإسلامية السلطة، وكان خصومها يتهمونها بالوقوف وراء فتح المجال لنشاط الجمعيات الخيرية ذات الصبغة الدينية من دون رقابة مالية أو أمنية، وخلفتها حكومة التكنوقراط بقيادة مهدي جمعة، التي بدأت في سياسة تحجيم دور هذه الجمعيات وملاحقة بعضها الآخر قضائياً بتهم تتعلق بدعم الإرهاب والحياد عن النشاط الذي ينظمه قانون الجمعيات. وخلال هذه الفترة قامت السلطات التونسية بمحاكمة العديد من القائمين على جمعيات خيرية بتهمة "تمويل الإرهاب أو الارتباط بجمعيات أجنبية تساهم في تمويل الإرهاب". إذ ينص الفصل 35 من قانون الجمعيات التونسي على أنّه "يحظّر على الجمعيات قبول مساعدات أو تبرعات أو هبات صادرة عن دول لا تربطها بتونس علاقات ديبلوماسية أو عن منظمات تدافع عن مصالح تلك الدول وسياساتها". وقررت خلية الأزمة المكلفة متابعة الوضع الأمني حينذاك، وقف نشاط 157 جمعية ثبت تورطها في تمويل نشاطات إرهابية مشبوهة.

ويرى مصباح شنيب، عضو المكتب السياسي للحزب الجمهوري والنشاط النقابي، أن "النسيج الجمعياتي في تونس غطى الجمهورية في غياب تام للرقابة من الدولة، واستأثر بالعمل الخيري، وبنى علاقات مريبة مع الداخل والخارج، وضخت إليه أموال طائلة غالبها غير موثق ومن دون علم الحكومة. ويجمع المراقبون على أن هذا المال استعمل في الانتخابات الأولى والثانية بطريقة منافية للقانون، ويبدو أن الأحزاب التي ازدهرت على هامشها جمعيات كثيرة وذات اختصاصات متعددة، استعملت هذه الجمعيات في الدعاية لها عبر ضخ معونات كبيرة للفقراء في الأرياف والقرى".

بعد وصول حركة نداء تونس إلى السلطة بداية العام الجاري، واصل الائتلاف الحكومي الجديد سياسة ملاحقة الجمعيات الخيرية المشبوهة، خصوصاً مع تنامي حجم ونوعية العمليات الإرهابية في البلاد. فخلال العام 2015 قامت السلطات بتعليق نشاط 80 جمعية، وإصدار التنبيه لـ83 جمعية أخرى بتسوية وضعيتها القانونية إضافة إلى حلّ عدد آخر من الجمعيات بقرار قضائي. كما تم إحصاء 157 جمعية تحوم حولها شبهة الإرهاب والعلاقة بجماعات تكفيرية، وفقاً لما أعلنه كمال الجندوبي، وزير الدولة المكلّف بالعلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني. وطالب نشطاء في مجال مكافحة الفساد وغسيل الأموال بتشكيل "جهاز استخبارات مالية"، لمراقبة نشاط الجمعيات المشبوهة. 

وفي السياق نفسه، كشفت تقارير إعلامية محلية في وقت سابق عن لجوء "كتيبة عقبة بن نافع"، التي يتمركز عناصرها في جبل الشعانبي على الحدود مع الجزائر، إلى إحدى الجمعيات الخيرية لتهريب أسلحة إلى عدد من العناصر الإرهابية، من بينهم كمال القضقاضي المتهم الأول باغتيال المعارضين شكري بلعيد ومحمد البراهمي. غير أن الجهات الرسمية التونسية لم تؤكد هذه التسريبات ولم تكذبها.

أقوال جاهزة

شارك غردما هو مصير جمعيات المجتمع المدني التونسية في ظل اتهامها بتمويل الإرهاب؟

شارك غردجمعيات المجتمع المدني في تونس: بين المال السياسي ودعم الإرهاب

وتواجه الجمعيات الخيرية في تونس تُهماً أخرى بدعم الأحزاب السياسية مالياً عبر التمتع بما يسمح به لها القانون التونسي من إمكانية تلقي التمويل من جهات أجنبية، فقد وُجهت إليها العديد من الاتهامات بتدوير الأموال الأجنبية ومنحها لأحزاب سياسية أو شخصيات سياسية، منها ما أثاره تقرير دائرة المحاسبات الحكومية حول مراقبة الحملة الانتخابية الرئاسية لسنة 2014، التي أجريت في نوفمبر الماضي، من جدل بعد كشفه عن تلقي أحد مرشحي الرئاسة لتمويل أجنبي مشبوه من الخارج، عبر جمعية مُقربة منه.

ويشير مصباح شنيب، إلى أن "سخاء الجمعيات مثل ضرباً من شراء الأصوات بطريقة مقنعة. واستفاقت السلطة من سباتها بعد خراب البصرة، وبدأت بإغلاق هذه الجمعيات وإيقافها عن النشاط. وقد خرجت جل الجمعيات عن مهماتها الأصلية لتصبح ذراعاً انتخابية، وجلها يعمل في الظلام ويمارس التمويه للتغطية عن الأدوار التي يلعبها في هذا المضمار، تهرباً من القانون وتخفياً وراء يافطة المجتمع المدني".

جدلية الحرية والأمن

وجدت الإجراءات التي اتخذتها الحكومة التونسية تجاه الجمعيات الخيرية قبولاً واسعاً لدى طيف كبير من الرأي العام الداخلي، بينما رأى فيها الناشطون ومنظمات حقوقية: "قرارات تعسفية رافقتها إخلالات في تطبيق قانون الجمعيات". وتتعارض مع القانون التونسي والمواثيق الدولية التي وقعت عليها الدولة التونسية، إذ يكفل الدستور التونسي، في الفصل 35 "حرية تكوين الأحزاب والنقابات والجمعيات". كما ينص في الفصل 49، على أنه لا يُمكن فرض أي قيود على الحقوق والحريات المضمونة، إلا في إطار ما ينص عليه القانون، وبما لا ينال من جوهرها، وفقط عندما تكون "ضرورية" لحماية غايات مشروعة.

ولا تسمح المادة 22 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وتونس طرف فيه، بفرض أي قيود على تكوين الجمعيات باستثناء تلك التي ينص عليها القانون، والتي تكون "ضرورية لمجتمع ديمقراطي"، لحماية الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام، أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة، أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم.

ولا يمانع مهدي الغمد، رئيس جمعية "حق ومواطنة" أن "تقوم الدولة بحماية أمنها القومي ولكن يجب أن لا يتحول ذلك إلى ذريعة لتعطيل العمل المدني، أو أن تكون تلك الإجراءات صادرة عن السلطة التنفيذية، بل عن القضاء المستقل الذي يوفر جميع ظروف الدفاع".

ويضيف الغمد: "ما تواجهه بعض الجمعيات الخيرية في تونس من تهم تتعلق بالإرهاب لا يمكن أن يكون صورةً عامةً للعمل المدني والخيري في البلاد، فمن بين آلاف الجمعيات، لا نجد إلا بضع جمعيات ثبت تعاملها مع جهات متطرفة، وفقاً للسلطات التونسية، لذلك هذه استثناءات لا يمكن أن تُعمم على الجميع، ويجب أن لا تؤدي إلى شيطنة العمل المدني والاجتماعي. وقد أثبت المجتمع المدني التونسي قدرته على أن يكون سلطة توازن، ولعل التتويج الذي حصلت عليه المنظمة التونسية بجائزة نوبل، دليل على قوة القوى المدنية في البلاد".

أحمد نظيف

صحافي تونسي يهتم بشؤون الجماعات الدينية والأقليات، مؤلف كتاب "بنادق سائحة: تونسيون في شبكة الجهاد العالمي". يحمل إجازة في الإعلام وإجازة في الإخراج.

كلمات مفتاحية
تونس سياسة

التعليقات

المقال التالي