صحافيون مصريون يحاولون الفوز بجزء من "كعكة" الإنفاق الانتخابي

صحافيون مصريون يحاولون الفوز بجزء من "كعكة" الإنفاق الانتخابي

مع كل موسم انتخابات برلمانية في مصر، تبدأ أطراف عدّة بتجهيز نفسها للاستفادة منها وتحقيق مصالح شخصية من خلال أداء أدوار في حملات المرشحين الانتخابية. صحافيون كثيرون لا يشذّون عن الحالة ويحاولون الفوز بجزء من "الكعكة" الانتخابية.

عندما يجتمع المال مع الفقر

ينفق المرشحون إلى البرلمان المصري أموالاً طائلة في سبيل تحقيق حلمهم بالجلوس على مقعد برلماني. وتتسم العملية الانتخابية في مصر ببذخ كبير. وبحسب قانون "مباشرة الحقوق السياسية" الذي يضع ضوابط لسقف الدعاية الانتخابية، يحق لمرشحي القوائم إنفاق 2.5 مليون جنيه إذا كانت القائمة تنافس على 15 مقعداً، و7.5 ملايين جنيه لمرشحي القائمة المخصص لها 45 مقعداً. أما المرشحون على المقاعد الفردية فالحد الأقصى المسموح لإنفاقهم الانتخابي هو 500 ألف جنيه.

لكن الأرقام التي تنفق أكبر من ذلك بكثير نظراً لغياب الرقابة على الحملات الدعائية. وهذا ما يدفع الكثيرين للبحث عن مصالحهم الشخصية، خصوصاً أن 40% من الشعب يقع تحت خط الفقر وفق تقارير حكومية. حتى أن بعض المواطنين يقفون أمام اللجان الانتخابية وينتظرون المزايدة بين المرشحين على ثمن الصوت الانتخابي ليقرروا لمَن سيقترعون. ويراوح سعر الصوت الواحد بين 100 و750 جنيه، حسب أماكن التصويت، وفق بيان "الجمعية المصرية للنهوض بالمشاركة المجتمعية" التي تراقب الانتخابات.

صحافيون مصريون يحاولون الفوز بجزء من كعكة الإنفاق الانتخابي - صورة 1

صحافيون يستغلّون المناسبة

تشكل الانتخابات البرلمانية أيضاً فرصة للعاملين في الصحافة ووسائل الإعلام، لكسب المال بلا جهد. فبمجرد الإعلان عن تاريخ الانتخابات، يبدأ صحافيون كثر بالتواصل والتنسيق مع عدد من المرشحين ليعملوا معهم سرياً وينشروا أخبارهم ويحسّنوا صورتهم، ما يسمح للمرشحين بالتباهي أمام أهل دوائرهم بأنهم شخصيات مرموقة وتحظى باهتمام الإعلام.

وأوضح حسن طه (اسم مستعار كما كل أسماء الصحافيين في هذا التقرير)، الصحافي في جريدة وموقع "جورنال مصر"، والذي "ينسّق" مع أحد المرشحين في القاهرة أن "هذه الظاهرة قديمة لكنها انتشرت بكثرة بعد ثورة يونيو والانتخابات البرلمانية التي كانت مقررة في مارس الماضي. فخلال العام الأخير، أصاب قطاع الإعلام ركود كبير خصوصاً مع غياب المعارضة، ما أدى إلى تسريح الكثير من الصحافيين وتخفيض رواتبهم وإغلاق بعض القنوات لتقليص النفقات". وتابع أن "الصحافيين، نتيجة لهذا الركود، سعوا للبحث عن مصادر دخل أخرى مستغلين عملهم في الصحف، أو علاقاتهم داخل مؤسسات الصحافة المختلفة والقنوات التلفزيونية".

"تنجيم المرشح" أمام الرأي العام

يقدم طه للمرشحينعرضاً قوامه نشر أخبارهم ومتابعات لحملتهم في العديد من المواقع الإخبارية، وعلى رأسها اليوم السابع والمصري اليوم ودوت مصر والتحرير. وأكد لرصيف22 أن "هناك كثيراً من الصحافيين الذين يعملون مع المرشحين، وهم يشتغلون في غالبية الجرائد في البلد، لكن معظمهم يعمل في الصحف الحكومية، أو الصحف الحكومية التي تعتبر درجة ثانية والتي لا تأبه لشر أخبار كهذه سواء على موقعها أو في نسختها الورقية". وروى أنه شاهد صحافياً صديقاً له يعمل في مؤسسة صحافية حكومية، وهو يتقاضى مبلغاً من المال من مرشح مقابل نشر أخباره.

أقوال جاهزة

شارك غردقناة مصرية تأخذ من المرشح 2500 جنيه مقابل ظهوره نصف ساعة وأخرى تأخذ ألف جنيه مقابل كل دقيقة

شارك غردصحافيون مصريون يطلبون 100 ألف جنيه مقابل إيصال المرشح للنجومية وآخرون يرضون بـ3 أو 4 آلاف

ولفت أيمن محمد، صحافي يعمل في مؤسسة "صدى البلد"، التي تدير موقعاً و3 قنوات من بينها قناة للمسلسلات، إلى أن "العلاقة المادية بين الصحافيين والمرشحين منتشرة جداً وتحوّل الصحافي إلى ناشر إعلانات مستغلاً الوسائل التي بين يديه، إذ ينشر أخبار المرشحين وآراءهم لتلميع صورتهم وتحويلهم إلى نجوم".

كيف تتم العملية؟

محمد الذي يقيم علاقات قوية مع العديد من المرشحين، أشار إلى أن "العروض كثيرة، فالصحافي يعرض نفسه وخدماته على المرشح ويقول له أستطيع أن أفعل كذا وكذا وأستطيع وضع خطة انتخابية لك ونشرها في الميديا، وأظهرك في قنوات إعلامية وفي صحف، مقابل كذا"، وقال: "هناك شخصيات لديها ولع بالظهور في الإعلام وهي أصلاً لا شيء".

وشرح طه أن العملية تتم عبر بدء الصحافي بالتواصل مع المرشح، فأرقام هواتفهم معروفة، ويقول لهم: أيوه يا أفندم أنا صحافي في موقع كذا. كذا هذه هي التي تحدد سعر الصحافي. فإذا قلت للمرشح أنا صحافي في اليوم السابع، التي تحظى بنسبة متابعة كبيرة أو في المصري اليوم، سيكون مرناً معك في الاتفاق المالي، لكن أذا أحس أنك في موقع غير معروف فسيشعر أنك تنصب عليه، وبالتالي ينهي المكالمة بالقول حدثني في وقت آخر". وتابع أن "كثيراً من المرشحين الذين من الممكن أن تحدثهم يقول: آسف، أتعامل مع صحافي آخر. ومرّة كنت أحادث مرشحاً، فأرسل إلي رقم أحد الصحافيين في جريدة التحرير الذي يعمل معه".

بيع الانتماء

ولفت طه إلى أن "هناك صحافيين يعملون مع مرشحين لحزب معيّن ويعملون مع مرشح عن حزب آخر معارض له تماماً، وينشران للطرفين. الكل يبيع انتماءه مقابل الخروج بأكبر مكسب خلال هذه الفترة." وأشار إلى أن "النشر في العديد من المواقع ليس صعباً. فبالإضافة إلى العلاقات الشخصية، تهتم المؤسسات الصحافية الالكترونية بالكم العددي للأخبار التي تنشرها، ما يسهل مهمة التواصل مع صحافيين لنشر الأخبار".

وأكّد أن بعض الصحافيين يخرجون من فترة الانتخابات بثروة كبيرة فـ"هناك صحافيون يطلبون 100 ألف جنيه مقابل تنجيم المرشح، وهناك مَن يطلبون 30 ألفاً أو 16 أو 10، والبعض يقبل بـ3 أو 4 آلاف جنيه. كل صحافي بحسب شطارته".

صحافيون مصريون يحاولون الفوز بجزء من كعكة الإنفاق الانتخابي - صورة 2

للقنوات نصيبها من "الكعكة"

وأوضح محمد أن "بعض القنوات تعرض على موظفيها ومعدّي برامجها الحصول على 3 آلاف جنيه مقابل كل مرشح يحضرونه لاستضافته مقابل 25 آلف جنيه". وأضاف أن "معدّي برامج ورؤساء تحرير قد يمارسون هذا العمل لمصلحتهم الشخصية، وهذا يتوقف على مدى قوتهم وتأثيرهم داخل المؤسسة".

ولفت محمد إلى أنه "ليس هناك عمولة ثابتة للصحافيين والمعدين، إذ تختلف العمولة باختلاف الوسائل التي في أيديهم. فلا يمكن مقارنة صحافي يمكنه أن يقدم مرشحه على قنوات كبرى بصحافي يقدم مرشحه في قناة صغيرة". وأشار طه إلى أنه "حينما تأجلت الانتخابات في المرة الأولى، خسرت بعض القنوات ملايين الجنيهات وفصلت العديد من العاملين، لأنها وضعت موازنة ودفعت أموالاً لتوفير استديوهات إضافية ومذيعين وفرق إعداد لعمل برامج يمكن من خلالها استقدام مرشحين يدفعون مقابل ظهورهم الإعلامي".

وتابع طه أن "هناك قناة تأخذ من المرشح 2500 جنيه مقابل ظهوره نصف ساعة. وهناك قناة أخرى شهيرة تأخذ ألف جنيه مقابل الدقيقة، وتكون مدة المقابلة من 10 دقائق إلى نصف ساعة. هذه التسعيرات التي أعرفها". وأكّد أن "90% إن لم يكن 95% من المرشحين، يدفعون أموالاً سواء لفريق الإعداد أو لمدير التحرير أو للقناة التي تحدد الأسعار، لكن من تحت الطاولة".

ولفت إلى أن "مرشحي الحزب الوطني (الحاكم سابقاً)، يعملون منذ أكثر من عقد بالاتفاق مع صحافيين في الجرائد الحكومية". وقال: "أعرف مرشحاً، كان ينتمي للحزب الوطني، ويعمل معه صحافي في جريدة الجمهورية، ويتعامل معه منذ عهد مبارك، وحتى الآن يتولى تنظيم الندوات وإحضار الصحافيين له من المواقع غير الشهيرة، ويقوم هذا الصحافي بتوزيع أموال على الصحافيين الحاضرين مقدارها 100 جنيه".

يختلف طه ومحمد حول تأثير عملهما على الرأي العام، خصوصاً في عملية التوجيه في الانتخابات البرلمانية. فيرى طه أن عمله لا يضر بالرأي العام، وقال: "أنا لا أنشر أخباراً خاطئة. وما دمت أنشر أخبار المرشح وأقول إنه يقول سوف يفعل كذا وكذا إذا فاز، فسواء فعل ذلك أم لا، فهذا يرجع إليه". أما محمد فيعتقد أن عمله يساهم في تشويه الرأي العام، لأنه لا "ينجم" المرشح الذي يخدم المواطن ويفيده، بل على العكس المرشح الذي يدفع المال.

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي