من غرائب نمط التفكير العربي

من غرائب نمط التفكير العربي

يمكن تمييز الشعوب بعضها عن بعض من خلال خصائص تظهر في طريقة تفكيرها. فهناك شعوب عملية تربط التفكير بنتائجه المباشرة وهناك شعوب روحانية. للشعوب العربية ما يجمعها أيضاً، وهو ما سنسمّيه "نمط التفكير العربي".

إمّا أبيض أو أسود!

يغلب النزاع بين الثنائيات على نمط التفكير العربي. الأمور بالنسبة للعرب هي إمّا خيّرة أو شرّيرة. وكأن كل المسائل تقع على أحد حدّي الصراع ما بين فسطاط الخير وفسطاط الشرّ، بينهما لا يوجد إلا الفراغ. العربي، بطبيعته، إنسان ميّال إلى التحزّب. إذا تحدثت في الشأن المصري فسيوضع حديثك إمّا في خانة دعم الإخوان المسلمين أو في خانة دعم الجيش وحلفائه. كما في مصر كذلك في كل الدول العربيّة مع اختلاف في الثنائية المعيارية. قلّة ضئيلة تنجو من هذه القسمة فتجد نفسها دائماً في موقع الدفاع عن نفسها لأن مشروعية التنوّع الذي يفوق الإثنين غائبة عن ذهن الأغلبية.

لا منطقية التفكير

الاستماع إلى المتكلمين، وليس فقط على المستوى الشعبي، بل أيضاً على مستوى "الخبراء" و"المحللين"، يُظهر بعض المفارقات الغريبة وأبرزها عدم الاتساق المنطقي في الآراء. التناقضات المنطقية كثيرة وأبرزها استخراج النتائج من مقدمات خاطئة. على سبيل المثال ينطلق "المحلل" من وقائع تاريخية مغلوطة ليبرّر الرأي الذي يريد إيصاله. في حادثة بارزة، حلّل الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله سياسة أميركا تجاه لبنان استناداً إلى رسالة كتبها وزير الخارجية الأميركي الشهير هنري كسينجر، ليتبيّن أن الرسالة هي نص وهمي كان قد كتبه الصحافي سليم نصار منذ سنوات عدّة! هذه الحادثة كانت فاضحة ولكن التحليلات المماثلة التي لا ننتبه إليها أكثر من أن تحصى، حتى أنه يمكن اعتبارها حالة سائدة لا تمر مقابلة تلفزيونية من دون أن نقع على شواهد عليها.


لا منطقية التفكير تظهر أيضاً من خلال تعميم الجزئيات. فمثلاً، بسبب قيام بعض اللاجئين السوريين إلى لبنان أو الأردن بأعمال سرقة، يذهب البعض إلى اعتبار كل اللاجئين السوريين سارقين! هو توسيع "البعض" إلى "الكلّ". مثل آخر: يقول النبي "إن بعض الظنّ إثم" وفي قول ينسب تارة إلى علي بن أبي طالب وتارة أخرى إلى عمر بن الخطاب نقرأ: "إن بعض سوء الظن من حسن الفطن"! يرى كثيرون أن القولين متناقضان، بينما إذا ما انتبهنا إلى قول النبي نجد حصره الإثم بـ"بعض" أنواع الظنّ لا بكلها.

ثبات ضد الحركة

يتسم معظم العرب بعدم المرونة في التفكير وبعدم قدرتهم على مواكبة تطورات الواقع عقلياً. تراهم يصرّون على آراء ربما كانت صحيحة في فترة معيّنة ولكنها لم تعد كذلك. لا يغيّرون معتقداتهم إلا تحت تأثير الصدمات الكبرى! فمثلاً، ظنّ كثيرون أن "المقاومة الفلسطينية" في لبنان قادرة على التصدّي لاسرائيل وانطلقوا من هذا الرأي ليبرروا لها تجاوزاتها، ولم يستيقظوا إلا بعد دخول إسرائيل إلى العاصمة بيروت عام 1982!

حالياً، نرى هذا الميل في قراءات البعض للثورة السورية. يستمر البعض في المقارنة بين الثورتين السورية والبحرينية ليخلص إلى نتيجة مفادها أن كل الأطراف السياسية تعتمد ازدواجية في المعايير التي تحكم من خلالها على الأحداث. هذا أمر كان صحيحاً في بداية الثورة السورية، ولكن أسلوب تعامل النظام السوري مع المعترضين على حكمه جعل هذه المقارنة غير ذات جدوى لأن المسارين صارا مختلفين بالكامل.

 

غرائب نمط التفكير العربي

المصير المُسيّر

يفضّل معظم العرب الأفكار النمطية التي تغنيهم عن العمل ومشقاته. على سبيل المثال نجد تلك الفكرة التي تتحدث عن القوة الفائقة التي يمتلكها "اللوبي الصهيوني". يمكنك أن تقرأ مقالاً عنوانه "اللوبي الصهيوني يحكم مصر" وعندما تدخل في مضمونه تراه بلا قيمة. في بعض الأحيان، يطالعنا البعض بتحليلات تدّعي أن هذا اللوبي هو الذي يسيّر شؤون العالم فيجعلك تعتقد أن لا سبيل إلى مواجهة هذا القدر المحتوم! هذا النوع من التفكير التبسيطي يزيل عن كاهل المفكّرين همّ إنشاء لوبيات عربية للتأثير على مراكز القرار العالمي وهو أساساً لا ينتبه إلى أن هذا اللوبي وغيره من اللوبيات تنجح أحياناً في ضغطها وتخسر أحياناً وذلك بحسب القضية. وكأن أصحاب هذه النظريّات لا يريدون تشغيل رؤوسهم في تفكيك كيفية عمل شبكات اللوبيات الكثيرة في العالم. لعلّ مردّ هذه الطريقة في التفكير إلى إيمان معظم العرب بأن الإنسان مسيّر في حياته. يجلسون وينتظرون ما كتبه الله لهم ويتناسون الكلام الذي يحضّ الإنسان على العمل.

أقوال جاهزة

شارك غردغرائب نمط التفكير العربي

شارك غردكل شعب يحتاج إلى نسج الأكاذيب ليتحقق وجوده كشعب. ولكن... ربما يشط العرب أكثر قليلاً من غيرهم

أميركا فائقة القوة

حين يتحدث العرب عن الولايات المتحدة الأميركية وسياساتها تظهر بوضوح كمية الأساطير التي تسيطر على عقولهم. في مقال جميل بعنوان "أساطير عربية حول السياسة الأميركية"، يكتب جيمس زغبي: "إن العرب يعتقدون بأن الولايات المتحدة فائقة الذكاء لدرجة أنها تعرف ما تقوم به. كما أن النتائج والتحركات محسوبة سلفاً ومخطط لها بإحكام. وفي ارتباط بالأسطورة الأولى تقول الثانية إن أميركا قوة عظمى وبإمكانها القيام بكل ما تريده من دون حدود، أو إكراهات. لذا عندما نتحرك في المنطقة ونخطئ، أو حتى عندما لا تتحرك أميركا، يعتقد الناس أن ذلك لسبب ما، ويندرج في إطار خطة معينة. والحال أن هذه الأساطير لا أساس لها من الصحة ويفندها الواقع. كما أن الاعتقاد بصحتها ينطوي على خطورة شديدة، فهي قاصرة لأن أميركا، وحتى أكون صريحاً، ليست بذلك الذكاء الفائق الذي يتصوره الناس في الشرق الأوسط، وهي خطيرة لأن تلك الأساطير تفسح المجال لظهور نظريات المؤامرة في محاولة لفهم النتائج الكارثية أحياناً لبعض السياسات الأميركية في المنطقة. فالعرب لا يريدون أن يقتنعوا بأن أميركا يمكنها أن تخطئ، بل يسعون إلى تفسير الخطأ على أنه مقصود ومبيّت".

الغرب قسّم الأمة الواحدة

يظنّ معظم العرب أنهم كانوا شعباً واحداً ولكن الاستعمار الغربي أتى إلى بلادهم وقسّمهم! لا شك بأن هذه الفكرة الشائعة تعود إلى جهل بالتاريخ. صحيح أن الدول الاستعمارية قسّمت بعض المجموعات التي كانت ترتبط في ما بينها بصلات متينة فصارت قسمين كلّ منهما يعيش في دولة، ولكن ما كان سائداً هو حدود واقعية ترسمها خارطات انتشار القوميات والطوائف والقبائل وأحياناً الأفخاذ! هذا الواقع تشهد عليه الاختلافات القائمة حالياً بين عادات ومُثل مختلفة لا بل متناقضة في بعض الحالات. ربما لهذه الأسباب فشلت جامعة الدول العربية بينما نجح الاتحاد الأوروبي الذي انطلق من مفهوم أن في أوروبا شعوباً مختلفة عليها العمل لتأسيس إطار مشترك يحقّق مصالحها.

مخالف رأينا عميل خارجي

بعد إقصاء الإخوان المسلمين عن السلطة في مصر تعالت أصوات كثيرة تنزع صفة المواطنة عن مناصري الجماعة! جماعة الإخوان "ما هي إلا جماعة شريرة"، قالتالدكتورة كريمة الحفناوي، القيادية في جبهة الإنقاذ. وهُم "قوى الظلام والإرهاب" كماقال رئيس مجلس الوزراء، حازم الببلاوي، بعد ردّة فعل الإخوان على فضّ اعتصامي رابعة العدوية والنهضة. الأخطر من ذلك هو ما حدث في البحرين من سحب لجنسيات بعض المواطنين المعارضين!

لا يتقبّل العرب الاختلاف. إسقاط الجنسيات عن بعض المواطنين أو نزع صفة المواطنة عنهم أو اتهامهم بأنهم عملاء للخارج فقط لأنهم يختلفون معنا في الرأي هو الحالة القصوى لفكر سائد لا يحبّ إلا المماثل. فكرة الفرقة الناجية لم تعد فقط فكرة دينية، بل صارت تجد لها تطبيقات في كل ميادين الحياة!

الكل "فتّايين"

كل هذا ولا تصادف مواطناً عربياً إلا ويظهر نفسه على أنه خبير في كل الشؤون. ما يعرف عنه القليل يضيف إليه من عندياته ليصير نظرية وما لا يعرف عنه لا يتوانى عن اختلاق بعض الأفكار التي تفيده في مسعاه إلى إبراز نفسه كموسوعة. لعلّ في حلقات البرنامج المصري "أرجوك ما تفتيش" خير دليل على هذا الميل وإن كان يُبرز بعض الحالات التي تشطّ كثيراً في ادعاء المعرفة.

هذه المفارقات ليست محصورة بالعقل العربي. كل عقل له مفارقاته الغريبة والعجيبة. نبدأ من حقيقة أن كل شعب يحتاج إلى نسج الأكاذيب ليتحقق وجوده كشعب. ولكن... ربما يشط العرب أكثر قليلاً من غيرهم.

نشر الموضوع على الموقع في تاريخ 07.12.2013

كلمات مفتاحية
الـ22

التعليقات

المقال التالي