نشر فضائح فساد في إطار الصراع على السلطة الفلسطينية

نشر فضائح فساد في إطار الصراع على السلطة الفلسطينية

في الأسابيع الماضية، نُشر على وسائل الإعلام الجديدة عدد من الوثائق التي تظهر استغلال المال العام الفلسطيني لأغراض شخصية. أثارت تلك الوثائق موجة غضب لدى المواطنين خصوصاً في ظل تردّي وضع الخدمات العامة وركود الاقتصاد الوطني.

إحدى تلك الوثائق ممهورة بتوقيع مجدي الخالدي، وهو مستشار دبلوماسي للرئيس الفلسطيني محمود عباس، وتُظهر طلبه من وزير الخارجية البحريني مبلغ أربعة ملايين دولار أميركي، لتمويل مجمع سكني خاص بالديبلوماسيين في أحد أحياء رام الله الراقية في الضفة الغربية. والقصد من بناء المجمع، بحسب الوثيقة، هو "مقاومة المستوطنات الإسرائيلية"، بالرغم من عدم وجود بؤر استيطانية في تلك المنطقة.

اعلان


كما نُشرت وثائق أخرى لمدير عام المعابر والحدود في السلطة الفلسطينية، نظمي مهنا، يطالب فيها الحكومة بتسديد الرسوم الدراسية الخاصة بابنته، ومصاريف العلاج لعائلته في الأردن.

الوثائق نُشرت على وسائل الإعلام الجديدة. هي ليست المرّة الأولى التي يجري فيها ذلك. فمن حين إلى آخر، يُكشف عدد من الوثائق والملفات لشخصيات مختلفة مثل القيادي في حركة فتح محمد دحلان، وزير الأوقاف والشؤون الدينية السابق محمود الهباش، وبعض القيادات في حركة حماس. وهناك وثائق وملفات يتم تداولها، وفيها شبهات فساد على عدد من المؤسسات الخاصة والأهلية.

وقال الإعلامي المتخصص في الصحافة الإلكترونية إياد العبادلة، لـرصيف22 إن "نشر الملفات والتسريبات السرية يعتبر سلاحاً ذا حدين. الأول يستخدم في الحرب الدائرة في إطار المنافسة بين القادة والمسؤولين على المناصب، وبهدف "ضرب" مسؤول ما برئيسه أو بشخص لا يرغب في أن يصل إلى مكانة معيّنة، والثاني استجابةً لأهواء وأجندات تخدم المصالح الخارجية لأشخاص متنفذين".

غياب الثقة بالمعنيين بمحاربة الفساد

نشر تلك الملفات سواء كانت مثبتة أو غير مثبتة، كقضايا فساد، هو أخطر من الفساد بحد ذاته، لأنه يعوق العملية التنموية في ظل الاحتلال الإسرائيلي. فالمواطن الفلسطيني صار يرى الفساد في العديد من الظواهر، ما أدى إلى خلق ثقافة معاكسة لمفهوم التنمية المستدامة، وهي ثقافة اقتسام الغنائم والثروات والمواقع والامتيازات. فالجميع بدأ يبحث عن الكسب السياسي والاقتصادي السريع وامتصاص المال العام.

أقوال جاهزة

شارك غردكثرة نشر وثائق تثير شبهات فساد حول المسؤولين أفقد الفلسطينيين الثقة بكل شيء حولهم

شارك غردلن يستطيع الفلسطينيون التحرر من الاحتلال من دون تحررهم من الفاسدين

وقالت الباحثة مي البزور لرصيف22: "أعتقد أن نشر تقارير الفساد مهم جداً لتفعيل الحراك المجتمعي تجاه قضايا الفساد. ولكن أجد أن الثقة في مواقع التواصل الاجتماعي والجهات القائمة على نشر تقارير كهذه ضعيفة، وضعف الثقة هذا يؤدي إلى غياب الحراك المجتمعي خصوصاً في ظل ضعف الأحزاب السياسية المعارضة، والتوجه المعارض لدى الأحزاب السياسية في القيادة الفلسطينية".

وفي ظل توقف عمل المجلس التشريعي الفلسطيني بسبب الانقسام بين حركتي فتح وحماس من جهة، واعتقال الاحتلال الإسرائيلي لعدد كبير من أعضاء المجلس التشريعي من جهة ثانية، جُمّد عمل المجلس في الرقابة والمساءلة والمحاسبة للمؤسسات الحكومية وغير الحكومية، والشخصيات العامة بمختلف مستوياتها.

وبرغم وجود عدد من المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية والأهلية، التي تعنى بمحاربة الفساد مثل هيئة مكافحة الفساد، ومحكمة جرائم الفساد، وديوان الرقابة المالية والإدارية، ومؤسسة أمان، وعدد كبير من مؤسسات المجتمع المدني، فإن المواطن الفلسطيني لا يثق بتلك المؤسسات، لأنه يشعر بتزايد مظاهر الفساد.

في كلمته بمناسبة إطلاق مؤسسة أمان لتقرير الفساد السنوي، قال رئيس الوزراء رامي الحمد الله إن "تقرير الفساد هو خطوة مهمة من أجل الإضاءة على الجوانب التي تحتاج إلى معالجات"، وأكّد نية الحكومة الانفتاح على الجهات الرقابية المختلفة، وأن جميع المؤسسات الرسمية الوزارية وغير الوزارية هي عرضة للمساءلة والرقابة، بما فيها المؤسسات الرسمية الرقابية نفسها.

ولكن المواطن لا يسمع عن قضايا محاكمة أشخاص ثبت ارتكابهم جريمة فساد، بل يلمس علاقة قائمة على المنفعة، تميّز الهيكل المؤسساتي للنظام السياسي. وارتبطت المنفعة بأسلوب الحكم غير الخاضع للمساءلة.

علماً أن غالبية المؤسسات الأهلية وشبه الحكومية تنفق أموالاً هائلة على الإعلانات وورش العمل، والعلاقات العامة والترويج لنفسها، من دون أن يكون هناك نتائج فعلية مباشرة أو منتظرة. وفي الأساس هي تقوم بأنشطة شكلية تركّز على مسائل من قبيل صياغة مدونات قواعد سلوك، وتحسين إجراءات التوظيف، ووضع تدابير وقائية للتعامل مع مخالفات محددة، وهي مسائل، برغم أهميتها، لا تكفي ما دامت تتجاهل الأسباب السياسية الجذرية للفساد.

وأضاف العبادلة أنه "إذا تبيّن أن مَن يقف خلف هذه الملفات ينفّذ التسريبات لأهداف وأجندات خارجية، فالقانون يعاقبه بتهمة التجسس لحساب جهات أجنبية. وإذا كان يقوم بتسريب الأوراق من أجل إحداث بلبلة في الشارع الفلسطيني وتضييق الخناق على المسؤولين فإن ذلك يضر بالصالح العام".

صراع مصالح أم محاسبة؟

الوثائق المسربة، وما سيُسرّب في المستقبل، سواء كان مثبتاً أو لا، يجب أن يتم تداولها بالطرق القانونية، لأن خلاف ذلك سيؤدّي إلى عدم ثقة الشارع الفلسطيني بالمؤسسات في ظل غياب الإجراءات التي تميّز بين البريء والفاسد.

كما أن تلك الوثائق يجري استخدامها كأداة قتال بين القيادات في الحزب الواحد أو بين الأحزاب المتنافسة، فتُستخدم كجزء من عملية تصفية الحسابات أو كدعاية مضادة للمنافسين. وخير مثال على ذلك ما حصل مع محمد رشيد، المستشار الاقتصادي السابق للرئيس ياسر عرفات وأحد حلفاء دحلان. فقد حُكمَ عليه غيابياً على خلفية تحويل ملايين الدولارات من صندوق الاستثمار الفلسطيني وإقامة شركات وهمية. وفي المقابل كشف رشيد أن حركة فتح كانت تمتلك حساباً مصرفياً سرياً في الأردن، يديره الرئيس محمود عباس وإثنان من معاونيه.

وعلّق العبادلة أنه "من الطبيعي جداً أن تُستخدم فضائح الفساد كسلاح بين المسؤولين والمتنفذين وأصحاب القرار، للإطاحة بأشخاص يعترضون مصالحهم الشخصية أو للنيل من الآخرين، للإيقاع بهم عبر نشر تسريبات قد يفهمها العامة خطأ، كما حصل مع نظمي مهنا".

في الأساس، يُستخدم نظام "المكافآت" لاحتواء المعارضة السياسية وتحييدها، إذ مُنح العديد من القادة السياسيين من كل الأطياف السياسية من مستقلين ويساريين وإسلاميين امتيازات، وفرصةً لتولي مناصب مرموقة في القطاع العام مقابل ولائهم السياسي، وبعضهم أصبح لاعباً رئيسياً في السلطة الفلسطينية.

ومعروف أن الماكينة الإعلامية الإسرائيلية تستخدم فساد السلطة الفلسطينية لتحقيق مكاسب سياسية، فقد استخدمت ورقةَ الفساد إبان الانتفاضة الثانية، التي اندلعت في سبتمبر 2000 ضمن استراتيجية واضحة المعالم وأوسع، للتخلص من ياسر عرفات وفرض عملية تم تسميتها بالإصلاح، ورعتها جهات خارجية وتخدم الأجندة الإسرائيلية.

كلمات مفتاحية
فضائح فلسطين

التعليقات

المقال التالي