نظريات المؤامرة، قضاء وقدر العرب

نظريات المؤامرة، قضاء وقدر العرب

"أعطِ أي إنسان معلومات صحيحة ثم اتركه وشأنه. ربما تجعله مُعَرَّضاً للخطأ في رأيه لبعض الوقت ولكن فرصة الصواب سوف تظل في يده إلى الأبد. لكن أن تحجب المعلومات الصحيحة عن أي إنسان أو تقدمها إليه مشوهة أو ناقصة أو محشوة بالدعاية والزيف فإنها تدمر كل جهاز تفكيره وتنزل به إلى ما دون مستوى الإنسان". يقول آرثر سالزبورجر Arthur Salzburger مؤسس صحيفة نيويورك تايمز New York Times.

ما هو الجواب المتوقع عن أي سؤال حول ما مرّ بالعرب من محن أو ما تعصف بهم اليوم من تغييرات على مستويات عدة؟ قد يكون الجواب الموحد الذي يتفق عليه الكثيرون من العرب هو كلمة "مؤامرة" أو "مخطط". أصبحت سمة العقل العربي الإيمان بنظرية المؤامرة التي تريح العقل من عناء البحث عن الأسباب، وتغني المراقب عن نقد الذات، وتغذي الشعور بأننا ضحايا لأعداء متآمرين، لولاهم لكان وضعنا أفضل بكثير.

لا يحتاج من يطرح تفسيراته للآخرين بناء على تلك النظرية عادةً إلى عناء كبير لإثباتها، فالتدخلات الخارجية حتى وإن كانت ردود أفعال لأحداث محلية تغذي تلك النظرة وتريح العقل العربي من عناء النظر في المرآة وتشخيص المثالب.

لا يزال الكثيرون منا مثلاً يتحدثون بحماس عن "بروتوكولات حكماء صهيون" التي تعد بالنسبة لهم دليل المؤامرات لمن يريد أن يفهم حقيقة ما يحدث، وكيف أن التاريخ وحركة الشعوب وكل ما تكتنفه من متناقضات دينية واقتصادية واجتماعية وسياسية يمكن اختصارها في مجموعة من الخبثاء الذين جلسوا في إحدى الأقبية يوماً ما ليضعوا هذا المخطط الجهنمي للسيطرة على شعوب الأرض. هذه البروتوكولات على سبيل المثال، والتي يعود تاريخها إلى أوائل القرن العشرين ولا يعرف على وجه التحديد من هو كاتبها ظهرت منشورة بالكامل لأول مرة في كتاب "عظيم في حقير: عودة عدو المسيح وحكم الشيطان للعالم" للكاتب الديني الروسي سيرجي نيلوس Sergei Nilus عام 1905. منذ ترجمتها إلى العربية، أصبح الكثيرون يعتقدون بصحتها، ويعتبرونها دليلاً فعلياً على المؤامرة العالمية التي يقودها اليهود للسيطرة على العالم. ذلك رغم أنها أصبحت اليوم، مع ثبوت انتحالها وتزويرها، قديمة ولا يمكن تطبيقها بعد أكثر من مئة عام على تلفيقها. فكيف يمكن لأي جماعة اليوم، مهما بلغت من القوة والنفوذ، أن تسيطر على الإعلام العالمي في ظل التطور الهائل في وسائل الاتصال الحديثة؟

إن غض النظر عن الأسباب الفعلية لكل ما يحدث في حياتنا من تغيرات وإلصاقها بمؤامرة لا قبل لنا بمواجهتها من قبل شخصيات لم يثبت لنا على الإطلاق وجودها مثل ما يسمى بحكماء صهيون، يكبح قدرتنا على التحليل العلمي لما يحدث في حياتنا وبالتالي يمنعنا من التغيير أو الإصلاح الداخلي. في نهاية الأمر، المتآمر أقوى منا ونحن ضحاياه، لا حيلة لنا سوى التعلق بمزيد من النقمة والكراهية والتشويش الفكري، تخيم يوماً بعد يوم على علاقتنا بالآخر. إن قراءة علمية لتاريخ نيلوس، ناشر البروتوكولات المزعومة، توضح لنا الكثير عن تلك البروتوكولات وسبب ظهورها في تلك الحقبة الزمنية ومدى مصداقيتها.

لقد كتب مفكرون عرب معروفون كالدكتور عبد الوهاب المسيري والأستاذ يوسف زيدان في إثبات تزوير هذه الوثائق، بل وتأكيد أنها تؤدي إلى نتيجة معاكسة من ناحية بث اليأس في نفوس العرب وإلصاق صورة العنصرية بهم. رغم ذلك، يرفض البعض أن من شرنقة المؤامرة التي تعيق التفكير الحر المبني على الحقائق، لأن هذا لن يمنحهم راحة الإحساس بأنهم ضحايا وبأنهم يستحقون الشفقة.

مثال آخر من الماضي القريب هو أحداث سبتمبر 2001 التي هزت العالم وأطلقت حقبة جديدة من علاقة الغرب بالعالمين العربي والإسلامي، أقل ما يقال عنها أنها مشوبة بالحذر وعدم الثقة. لو تنقلت في العالم العربي سائلاً عن هذه الهجمات لدهشت من كم المؤمنين بنظرية أن الولايات المتحدة نفسها أو حليفتها إسرائيل هما من قاما بتلك الهجمات لتبرير حرب ضد الإسلام والعالم العربي.

نظرية المؤامرة .. نظريات المؤامرة قضاء وقدر العرب

من المعلومات المثيرة للاهتمام مقولة إن آلاف اليهود لم يذهبوا لعملهم في ذلك اليوم لأنه تم تبليغهم بتاريخ الهجمات. لا يفسر لنا القائلون بهذا كيف يمكن لآلاف البشر مهما بلغت درجة تكتمهم أن يمنعوا خبراً كهذا من الظهور. يبدو أن أصل ظهور هذه الرواية هو مقال لصحيفة جيروزاليم بوست Jerusalem Post الإسرائيلية التي تحدثت في 12 سبتمبر 2001 عن فقدان مئات اليهود في أحداث سبتمبر، وتلقفت بعض المواقع العربية هذا الخبر وتناقلته بصيغة "غياب متعمد" بناءً على نصائح أمنية إسرائيلية، ما يدعم تفسير المؤامرة.  ولكن الأمر يتضح حين نقرأ ما أوردته صحيفة وول ستريت جورنال Wall Street Journal في مقال في الحادي عشر من أكتوبر 2001، من أن حوالي 1700، من مجمل 2749 ضحية هم مجموع ضحايا الحادي عشر من سبتمبر، كانوا قد أدرجوا دياناتهم في ملفات عملهم. وفي تحقيق لاحق أجرته النيويورك تايمز New York Times تمكنت الجريدة من جمع بيانات تظهر أن ما يقرب من 15% من الضحايا كانوا يهوداً. ويمكن لمن يريد التأكد أن يقرأ الأسماء ويرى الصور في هذا التحقيق التفاعلي الذي أجرته الصحيفة.

أقوال جاهزة

شارك غردسيناريوهات المؤامرة التي يتقن العقل العربي فبركتها

شارك غردما هو الجواب المتوقع عن أي سؤال حول ما مرّ بالعرب من محن أو ما تعصف بهم اليوم من تغييرات؟ المؤامرة

ولكن رغم كل تلك المعلومات، التي لم تصل ربما إلى القارئ العربي، ورغم  اعتراف بن لادن بضلوعه في التخطيط لهذه الهجمات، فإن العقل العربي يظل صامداً في تبنيه لنظرية المؤامرة.

أما أحدث نظريات المؤامرة التي تطالعنا بها بعض الأقلام العربية، فهي "مخطط الربيع العربي" الذي يستند إلى نظرية "الفوضى الخلاقة" التي تبنتها إدارة بوش في سعيها لإحداث تغييرات جذرية في المنطقة العربية بدأتها بحرب العراق. بكلمات موجزة، يمكننا أن نتساءل ونحن نحاول أن نتبع أسلوباً مغايراً للتفكير التقليدي العربي: كيف يمكن لجهة، أياً كانت قوتها، أن تحطم سدوداً من الطغيان وتضمن أن تتمكن من التحكم في الأمواج الهادرة التي ستفيض منه؟ ثم ما هي المصلحة الحقيقية في إزالة أنظمة تتمتع بتحالفات قوية مع الغرب كنظامي مبارك وبن علي مثلاً، والمراهنة على المجهول الذي سيأتي بعدهما؟ إن التوصيف الذي أطلقته كوندوليزا رايس في حينها حين قالت في حديث للواشنطن بوست Washington Post عام 2005: "إن الوضع الحالي ليس مستقراً، وإن الفوضى التي تنتجها عملية التحول الديمقراطي في البداية هي فوضى خلاقة، ربما تنتج في النهاية وضعاً أفضل من الذي تعيشه حالياً"، هو توصيف ينطبق حتى على الثورة الفرنسية التي قامت قبل بضعة قرون واحتاجت لسنوات عديدة قبل أن ترسي معالم الديمقراطية. بالطبع، لا يوجد لدى مروجي نظرية مؤامرة الربيع العربي أية إجابة عن آليات التنفيذ التي يعتمدها الغرب في خلق تلك الثورات، أو في الفائدة التي جنتها الدول الغربية حتى الآن من هذه الفوضى. كما أن هناك تجاهلاً مخلاً بالحقائق لرغبات الشعوب، واحباطاتها ومعاناتها مع كم الفساد والديكتاتورية الهائلين اللذين ولدا ضغطاً متزايداً لم يحتج لأكثر من الراحل محمد بوعزيزي لينطلق من عقاله ويعصف بالعديد من الطغاة. نعم لقد تدخل الناتو في ليبيا، وتدخل الغرب في اليمن، ويتدخل الكل في سوريا الآن، ولكن هل كانت هذه التدخلات هي العامل الوحيد المؤثر في كل تلك الأحداث؟ وهل نعتقد حقيقة أننا شعوب غائبة عن الوعي ومسيّرة لدرجة أننا لا نقدر على الفعل، إلا إذا كان مخططاً ومدبراً ممن هو أقوى منا؟

لقد كانت سايكس-بيكو مؤامرة، وإجهاض حركة مصدق في إيران مؤامرة، وحرب عام 1956 على مصر مؤامرة، ولكن هذا لا يعني أن التاريخ عبارة عن مؤامرة ضخمة يقودها جبارون لا رادّ لهم. هناك فرقاً شاسعاً بين دول تعمل في السر والعلن للحفاظ على أمنها وتحقيق مصالحها الإستراتيجية وتسلك في سبيل ذلك كل السبل، بما فيها العمليات السرية حين تدعو الحاجة لها، وبين الاعتقاد بوجود مؤامرات لا تنتهي، موصولة عبر الأجيال وحتى من قبل أن تنشأ المشاكل الحالية في بلداننا. إن أخطاءنا السياسية، وتمزقنا الفكري والديني والطائفي، وانتشار ثقافة رفض الآخر، وتكفيره، وغيرها من الأمراض الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، تلعب دوراً أكبر بكثير من قدرة أية قوة خارجية على إحداث ضرر مماثل في بلداننا. إن التحدي الأكبر في مقاربة أي مرض أو حل أي مشكلة هو دقة التشخيص، فإن تمكنّا من فعل هذا بناء على تفكير صحي يستند إلى رؤية الواقع ومعطياته دون اللجوء إلى نظريات الأقبية المظلمة، حينها ستصبح إمكانية الحل أقرب إلى أيدينا من السابق.

نشر على الموقع في تاريخ 25.11.2013

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي