مشاهدات من بلاد أكراد سوريا

مشاهدات من بلاد أكراد سوريا

عند الوصول إلى بوابة "شنيورت" الحدودية جنوب تركيا والمقابلة لمدينة "الدرباسية" التابعة لمنطقة الجزيرة، أو روج آفا (غرب كردستان) حالياً، شمال شرق سوريا، يرتفع علم الدولة التركية وقبالته يرتفع في الجهة السورية علم سوريا. هكذا كان الحال في الماضي. لكن اليوم، على بعد أمتار من العلم التركي يُرفع علم الإدارة الذاتية الديمقراطية الكردية التي تشكلت في المناطق الكردية في سوريا قبل أقل من عامين.

الدخول من تركيا إلى المناطق الكردية عبر البوابات الحدودية ليس مسموحاً بحكم الإجراءات المتبعة من الدولة التركية، فهي تعتقد أن مَن يحكم تلك المناطق يتبع لزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان. إلا أن استثناءً سمح لنا بالدخول إلى سوريا خلال عطلة العيد لمدة عشرة أيام.

اعلان


دم باش هفال

في الطريق إلى مدينة رأس العين (سري كانيه) التي تبعد نحو 60 كيلومتراً عن الدرباسية، ستمر بحواجز تديرها قوات الأسايش (قوى الأمن الكردية)، وذلك منذ أن أخرج النظام السوري قواته من المنطقة بشكل شبه كامل عام 2012.

حين تمرّ بأيّ حاجز، ستسمع جملة "دم باش هفال" DEM BAŞ HEVAL، وتعني بالكردية "أوقات سعيدة رفيق". كلمة هفال HEVAL (رفيق) شائعة بين مقاتلي حزب العمال الكردستاتي، وذلك لعدم وجود رتب عسكرية بينهم. الكلمة لا يرددها العناصر الأكراد فقط، بل أيضاً العرب المنضمون إلى صفوف قوات الأسايش.

على الطريق تمر بالقرب من أراضٍ مزروعة بالقطن والذرة. أهالي المنطقة يتنفسون الصعداء. فمهما كانت الاختلافات الفكرية والسياسية مع الجهة الكردية التي تسيّر أمورهم فهي "أفضل من النظام"، كما يقول كثيرون.

مشاهدات من بلاد أكراد سوريا - صورة 1

ستلاحظ بسرعة الغلاء المعيشي وارتفاع الأسعار. كما ستجد نوعاً من العودة إلى الحياة البدائية بسبب عدم انتظام الواقع الخدماتي، فكهرباء الدولة لا تتوفر إلا ساعتين في اليوم، لذلك يعتمد الأهالي على "الآمبيرات" (مخزّنات الطاقة) لتشغيل بعض الأجهزة الكهربائية. ولكن أيضاً ستجد أن دوائر الدولة ما زالت قائمة. وبرغم ذلك، يردّد الناس أن المطلب الأهم هو بعض الأمان والاستقرار، وهو موجود.

مشاهدات من بلاد أكراد سوريا - صورة 2

في مناطق أكراد سوريا، لا وجود عسكري إلا لـ"وحدات حماية الشعب" (YPG) ووحدات حماية المرأة (YPJ) وقوات الأسايش. وتتبع للأولى قوى عسكرية عربية (الصناديد) ومسيحية (المجلس العسكري السرياني ـ السوتورو).

تنوّع سياسي وتوجهات متعارضة

مدنياً، تدير المنطقة حكومة شكّلت ثلاثة كانتونات (الجزيرة وكوباني وعفرين) وتضم ممثلين عن معظم المكونات الكردية المنضوية تحت لواء حركة المجتمع الديمقراطي TEVDEM)) وهي حركة تضم حزب الاتحاد الديمقراطي وأحزاباً كردية أخرى وتغيب عنها الأحزاب الكردية التقليدية التي يمثلها جسم آخر هو المجلس الوطني الكردي.

من مقرها في مدينة عامودا، تعمل الحكومة على تأمين احتياجات الناس وتوفير الأمن والاستقرار. وقد اختارت رئيساً عربياً للحاكمية هو الشيخ حميدي دهام الهادي وهو من عشيرة شمر وذلك بالاشتراك مع امرأة كردية.

ويرى البعض أن هذه الإدارة خطوة نحو التقسيم أو الاستقلال، ولكن القائمين عليها من عرب وأكراد ينكرون ذلك. لا شكل الإدارة ولا ديموغرافية المنطقة يوحيان بأن هناك دولة مستقلة. فبرغم تسييرها أمور الأهالي، فهي محاصرة من جميع الجوانب: في شمالها دولة تركيا، وفي جنوبها إقليم كردستان العراق، وفي غربها تقبع محافظة الرقة الخاضعة لسيطرة داعش.

كذلك ينقسم الشارع الكردي بين أحزاب سياسية متعددة ولا يقتنع الجميع بجدوى مشروع الإدارة الذاتية نفسه. ويظهر الخلاف الكردي ـ الكردي الرئيسي بين طرفين هما حركة المجتمع الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي. ولو تعمقنا أكثر، يمكن القول إن الخلاف هو بين تيارين أحدهما يتبع فكرياً المدرسة الأوجلانية (نسبة إلى زعيم حزب العمال الكردستاني في تركيا عبد الله أوجلان) والآخر المدرسة البرزانية (نسبة إلى زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق مسعود البرزاني). وأيضاً هنالك بعض الأحزاب المستقلة.

المشاهدات من مدن الدرباسية وعامودا والقامشلي تشير إلى أن الواقع ليس سوداوياً كما يراه كثيرون، ولكنه ليس مثالياً كما يدّعي القائمون عليه. يُلاحظ بدايةً انخفاض نسبة فئة الشباب الأكراد كنتيجة لقانون التجنيد الإجباري الذي يفرض الخدمة العسكرية على الشباب من مواليد عام 1986 وما فوق، وهذا ما يدفعهم إلى الهروب من المنطقة حتى ولو كانوا من المؤمنين بتلك الإدارة.

مشاهدات من بلاد أكراد سوريا - صورة 3

ويُلاحظ أيضاً أن هناك وجوداً كبيراً للمكوّن العربي في المنطقة وتناقصاً في أعداد المسيحيين بسبب هجرتهم إلى أوروبا مع بداية دخول الكتائب المسلحة إلى المنطقة أواخر عام 2012.

بين الجزيرة وكوباني

العودة من منطقة الجزيرة إلى تركيا صعبٌ بسبب التشدد الأمني من قبل الأسايش ووحدات حماية الشعب على الحدود. إذن لا بدّ من الذهاب إلى كوباني ومنها إلى تركيا. الطريق تحتاج إلى ثلاث ساعات ونصف الساعة لعبورها بسبب كثافة الحواجز المنتشرة عليها. وفي كوباني يمكن الاتفاق مع مهرب.

في هذه الرحلة، ستمر بمناطق جرت فيها معارك مفصلية، كمعارك المبروكة والرواية والدهماء وتل خنزير غربي مدينة رأس العين، ومعركتي سلوك وتل أبيض التابعتين لمحافظة الرقة إدارياً. آثار داعش لا تزال مكتوبة على الجدران. فعند مدخل تل أبيض بعض الجدران ملوّنة بالسواد، وفي وسط المدينة قفص حديدي كان، كما يُقال، يستخدمه التنظيم الإرهابي لتعذيب الأهالي.

مشاهدات من بلاد أكراد سوريا - صورة 4

ولأن الأسايش اكتشفت أن مجيء أهالي منطقة الجزيرة إلى كوباني هدفه العبور إلى تركيا بطرق غير شرعية، ستضطر إلى الاتفاق مع مهرّب ليساعدك على الدخول إلى كوباني، وهذا ليس صعباً عليه، فهو سيجعلك تجتاز الحاجز بمساعدة من بعض عناصر الأسايش.

مدينة كوباني التي اشتهرت عالمياً في حربها ضد داعش، وبرغم تحريرها وانتعاشها النسبي، لا تزال كثافة السكان فيها ضعيفة. مع الوقت ترى الحطام والدمار ومنظر الأسطح المسوّاة بالأرض مألوفاً. المدينة تحتاج إلى معجزة لإعادتها كما كانت.

العودة إلى تركيا

وصلنا إلى منزل المهرب. قبل حلول الظلام، جاءت عربتان يقردهما شقيقان ونقلانا إلى قرية تبعد 17 كيلومتراً غربي كوباني. الشقيقان كانا مقاتلين في صفوف وحدات حماية الشعب في حرب كوباني. بعد الوصول إلى المقصد، سرنا، وقد حل الظلام، ومعنا نساء وأطفال، في طريق وعرة نحو كيلومتريْن إلى الخط الحدودي.

دخلنا الأراضي التركية على أساس أننا سنسير مسافة 500 متر لكن طول الطريق بلغ أربعة كيلومترات. بعد مسافة كيلومتريْن داخل الأراضي التركية اعتقلنا حرس الحدود التركي (الجندرما).

كان الحقد على السوريين واضحاً من تصرفات ضابط الوحدة. أجبرنا على العودة وكان قد حل منتصف الليل، لننتظر حتى صباح اليوم التالي في قرية أشبه بمخيم للاجئين يفترش أرضها سوريون ينتظرون موعد العبور إلى تركيا. وبرغم إصرار المهرب على أن نحاول ثانية العبور، قررنا العودة وانتظار أمل الدخول بشكل رسمي. عدنا إلى رأس العين وانتظرنا قرابة 15 يوماً حتى سُمح لنا بالعودة إلى تركيا.

الواقع في المناطق الكردية ليس مثالياً، لكنه أيضاً ليس كارثياً. سياسياً هناك جهة واحدة مسيطرة ولا تمنح الحريات بدرجة عالية، لكن الحال أفضل بكثير مقارنة بمناطق خاضعة للمعارضة السورية المسلحة.

سردار ملا درويش

صحافي سوري يحمل إجازة في الإعلام من جامعة دمشق، يعمل في الصحافة المكتوبة والمسموعة والإلكترونية وعضو هيئة إدارية في رابطة الصحفيين السوريين.

كلمات مفتاحية
الأكراد سوريا

التعليقات

المقال التالي